تتكشف خيوط هذه الشبكة من خلال تتبع سجلات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب فى الولايات المتحدة الأمريكية (FARA)، بدءًا من الممول، مرورًا بالمنفذ من شركات وأفراد، وصولًا إلى طبيعة التعاقدات التى أُبرمت بين تلك الأطراف منذ اندلاع الحرب على غزة.
وتُظهر السجلات أن بعض الشركات أُسست بالفعل بعد عام 2023، أى بعد بداية الحرب وصعود الرواية الفلسطينية على الساحة الدولية، ما يشير إلى إعادة هيكلة أو استحداث أدوات دعائية جديدة تتلاءم مع متغيرات المشهد الإعلامي.
وبحسب التقارير، تشترك هذه الشركات فى نمط متكرر، يتمثل فى بروزها الواضح فى عام 2025، حيث يظهر فى العقود أن الزبون هو الحكومة الإسرائيلية، بينما المنفذ شركات أمريكية يقودها استراتيجيون رقميون، فى الغالب من الجمهوريين، وبعضهم على صلات وثيقة بالرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وتعتمد هذه الشركات على أدوات متقدمة على رأسها التلاعب بخوارزميات الذكاء الاصطناعي.
يجمع بين هؤلاء الاستراتيجيين الرقميين، قاسم مشترك يتمثل فى القدرة على توظيف البيانات الضخمة وتقنيات الإعلانات الموجهة عبر شركاتهم الخاصة، وغالبًا تحت مظلة وسيط تجارى يُعرف اصطلاحًا بـ«المقاول الرئيسي» ويهدف هذا الترتيب إلى تجنب الظهور المباشر للحكومة الإسرائيلية فى حملات التأثير داخل الولايات المتحدة، كما يستخدم هؤلاء لقب «استراتيجى رقمي» بوصفه علامة تسويقية ترفع من قيمتهم السوقية، لامتلاكهم «خلطة سرية» للتحكم بالخوارزميات وتحليل البيانات، وهو تخصص يُعد أكثر ندرة وأعلى كلفة من خدمات العلاقات العامة التقليدية.
أما الشركات الوسيطة أو «المقاولون من الباطن» فتؤدى دورًا أساسيًا فى حماية الشركات مقدمة الخدمة من تبعات العقود المثيرة للجدل، إذ يمكن تحميلها المسئولية عند وقوع أزمات. وفى حال حدوث فضيحة أو مخالفة، تستطيع شركة العلاقات العامة أن تُحمل «المقاول من الباطن» المسئولية، وتزعم أنه تصرف بصورة فردية أو خارج المعايير المتفق عليها، ثم تُنهى التعاقد معه باعتباره «كبش فداء»، وبهذا الشكل، تتعقد مسارات تتبع الأموال، إذ تنتقل من شركة (أ) إلى (ب) ثم إلى (ج)، ما يجعل مهمة الصحفيين فى كشف الشبكة المالية أكثر صعوبة.
تُظهر سجلات FARA تعاقدات مباشرة بين جهات إسرائيلية رسمية وشركات أمريكية، فى حين لجأت جهات أخرى إلى إنشاء طبقات تعاقدية عبر شركات إسرائيلية أو أمريكية وسيطة. وتهدف هذه البنية إلى نشر الدعاية الإسرائيلية فى الولايات المتحدة بعد اندلاع الحرب فى غزة، ضمن ما يُسمى استراتيجية «حرب الوعي» أو «الهسبارا»، وفى نسختها الحديثة، باتت «هسبارا 2.0» تُدار بعقلية شركات التكنولوجيا والاستخبارات، وليس بعقلية الدبلوماسية التقليدية، إذ لم يعد الهدف مقتصرًا على شرح وجهة النظر الإسرائيلية، بل تعداه إلى هندسة الرأى العام العالمى بوسائل رقمية خفية ومشاريع تأثير ممنهجة.
ومن بين أبرز الاستراتيجيين الرقميين الذين انتقلوا من إدارة الحملات الانتخابية إلى دعم الرواية الإسرائيلية فى الولايات المتحدة، براد بارسكال، الذى يُعرف بدوره فى الحملات الرقمية لـ «ترامب»، وزاك موفات، وتشاد شنيتجر الذى ارتبط اسمه باستهداف الكنائس عبر أدوات تحديد المواقع الجغرافية، وتشير التقارير إلى أن عددًا من هؤلاء الاستراتيجيين أنشأوا شركات علاقات عامة وتأثير بعد عام 2023، وتعاقدت معها جهات إسرائيلية منذ بداية الحرب على غزة، فى محاولة لاحتواء تصاعد الرواية الفلسطينية فى الإعلام والرأى العام الأمريكي.
بعد الحرب الأخيرة على غزة وتراجع صورة إسرائيل دوليًا، اتجهت الحكومة الإسرائيلية، لا سيما وزارة الخارجية ووزارة الشتات، إلى تغيير استراتيجيتها من «الدبلوماسية التقليدية» إلى «حرب معلومات شاملة»، وبدلًا من التعاقد المباشر مع شركات الاستراتيجيين الرقميين التى تعتمد أساليب مثيرة للجدل، لجأت إلى منظومة المقاولين الرئيسيين والمقاولين من الباطن، لتقليل الحرج الدبلوماسى والقانوني، ولإخفاء العلاقة المباشرة بينها وبين تلك الأنشطة.
وتسعى شركات الوساطة إلى إخفاء هوية الممول الحقيقي، سواء كان حكومة أو جهة مستفيدة، خاصة أن التسجيل فى FARA يعنى الاعتراف العلنى بالعمل كـ«وكلاء أجانب»، وهو ما قد يقوض فعالية الحملات السرية، لذلك تعمل بعض هذه الشركات فى ما يمكن وصفه بالمنطقة الرمادية أو السوداء، بعيدًا عن السجلات الرسمية.
كما ارتبطت شركات أخرى بتقديم خدمات بيانات ودعاية لصالح إسرائيل دون أن تظهر أسماؤها فى سجلات FARA، وقد تم رصد بعضها فى تقارير صحفية ومصادر متعددة منذ بداية الحرب فى غزة عام 2023.
وأثارت تقارير تجنيد المؤثرين لصالح الرواية الإسرائيلية جدلًا واسعًا، كما تقدمت منظمات حقوقية أمريكية، من بينها Public Citizen، بشكاوى إلى وزارة العدل الأمريكية، تتهم بعض المؤثرين بانتهاك القانون من خلال نشر دعاية لصالح حكومة أجنبية دون الإفصاح عن ذلك بوضع وسم واضح يفيد بأنه «إعلان ممول من حكومة أجنبية».
تُظهر الوثائق الرسمية الصادرة عن وزارة العدل الأمريكية أسماء الجهات الإسرائيلية التى وقعت عقودًا مع شركات أمريكية وإسرائيلية وسيطة لنشر الدعاية بعد اندلاع الحرب فى غزة، وفى هذا السياق، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، عن تخصيص 634 مليون دولار فى موازنة عام 2026 لتحسين صورة إسرائيل، بدعم من وزير المالية، وتمثل هذه الأرقام زيادة غير مسبوقة مقارنة بميزانيات سابقة كانت تُقدّر بنحو 545 مليون شيكل فقط، ما يعكس تحولًا واضحًا فى حجم الإنفاق على الدعاية الخارجية.
فيما ذُكر أن وزارة الشئون الاستراتيجية، التى تكرر اسمها فى عقود مسجلة ضمن FARA، دُمجت لاحقًا مهامها مع وزارة الخارجية ووزارة الشتات وكانت توصف، حتى ببعض المواقع العبرية الإسرائيلية، بأنها «وزارة التجسس والدعاية»، نظرًا لإشرافها على مشاريع متعددة ضمن مظلة الهسبارا.
ومن أبرز تلك المشاريع مشروع «Act.IL» المعروف أيضًا باسم «Act for Israel»، والذى يهدف إلى خلق قاعدة شعبية وهمية، إذ اعتمد على تطبيق رقمى يوجه آلاف المتطوعين حول العالم لتنفيذ مهام محددة، مثل دعم منشورات معينة أو مهاجمة أخرى على منصات مثل فيسبوك وتويتر (X)، بما يخدم الرواية الإسرائيلية ويعزز حضورها الرقمى بصورة منسقة ومنظمة.