رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أجــراس الخطــــر


2-11-2025 | 13:00

.

طباعة
بقلم: محمد الحنفى

شهدنا في الفترة الأخيرة وقوع العديد من الجرائم الوحشية الغريبة، الأمر الذي أشّر لارتفاع وتيرة العنف المجتمعي من جهة، وأنبأ بظهور خلل في تركيبتنا الأنثروبولوجية التي ظلت قائمة على الحب والخير والسلام الاجتماعي لمئات السنين من جهة ثانية، ودق أجراس الخطر للفت انتباه الأجهزة المعنية من جهة ثالثة، فربما تفتح ذلك الملف الخطير وتعيره اهتمامها وتجند له كافة المراكز البحثية من أجل الوقوف على الأسباب والتوصل إلى حلول.

خلال الأيام الماضية أطلت علينا عدة جرائم فاقت حدود البشاعة والفظاعة والوحشية، أذكر منها الجريمة التي وقعت في منطقة الشيخ زايد، عندما تحوّلت مشادة بسيطة بين طالبين توأم وزميل لهما بمدرسة دولية شهيرة بسبب معاكسة فتاة إلى حادث مروع متعمد ارتكبه والد التوأم حين أقدم على دهس الطالب ووالده وصديق الأخير، أثناء عقد جلسة صلح بين الطرفين!

قبلها بأيام وفي واحدة من أبشع الجرائم التي امتزجت فيها القسوة بالغدر دفع مهندس شاب حياته عندما كان متجها من القاهرة إلى دمياط، ثمناً لمعروف فعله مع عامل بنزينة طلب منه توصيله إلى محافظة بورسعيد، وأثناء سيره على محور 30 يونيو، كشف العامل عن وجهه القبيح حين استل سكينًا وطعنه عدة طعنات قاتلة، ثم أوقف السيارة على طريق فرعي بالمحور وألقى بجثمانه، وحتى يتأكد من وفاته دهس رأسه بعجلات السيارة التي استولى عليها وكل ما بحوزة المجني عليه ولاذ بالفرار!

أيضاً ما زلنا نذكر الجريمة التي اهتزت لها محافظة المنيا، حين أقدمت الزوجة الثانية على قتل زوجها وأولاده الستة من زوجته الأولى بوجبة خبز مسمم انتقاماً من ضرتها !

ولكن تبقى جريمة طفل الإسماعيلية الذي لم يكمل عامه الثالث عشر هي الأخطر .. هذا المجرم الصغير استدرج زميله إلى منطقة مهجورة، ثم ضربه بخشبة على رأسه حتى فارق الحياة، وبعدها عاد إلى منزله وأحضر منشاراً كهربائياً استخدمه في تمزيق جثمانه حتى يسهل عليه نقله داخل حقيبته المدرسية، والأكثر بشاعة أن المتوحش لم يكتف بما فعله بل أقدم على «أكل» قطعة من أشلاء الضحية، وقال « إنها تشبه طعم البانيه»!.

هذا الطفل لم يدعنا نستغرق وقتاً طويلاً في البحث عن إجابة للسؤال الأهم: كيف تفتق ذهنه الصغير لارتكاب جريمة بهذه الطريقة البشعة؟ إذ قد ورد باعترافاته أنه استوحاها من فيلم أجنبي شاهده على الـ «يوتيوب»، فقرر «تطبيقها» وبنفس الأسلوب مع زميله عقاباً له على مشادة كلامية!

هنا لابد أن نتوقف أمام تلك المعلومة الخطيرة لا سيما أن مصر تتصدر الدول العربية الأكثر استخداماً لليوتيوب بإجمالي عدد مستخدمين بلغ 50.7 مليون، في حين بلغ عدد مستخدمي موقع الـ«تيك توك» الذي لا يقل خطورة 48 مليوناً، وأغلبهم من شريحة الأطفال والمراهقين والمراهقات بحسب أحدث إحصائية لعام 2025، الأمر الذي يستدعي وقفة سريعة من الدولة كي تضع الكثير من الضوابط عند استخدام هذين الموقعين الخطيرين حتى لو اقتضى الأمر غلقهما، ثم لا يخفى علينا ضلوع أصابع خفية تتعمد هدم قيم وأخلاق مجتمعنا المحافظ من خلال ما تبثه عبرهما، وهنا يحضرني تصريح خطير أدلى به النتن ياهو رئيس وزراء دولة الكيان الصهيوني، اعترف فيه بأن: «الـ تيك توك» أصبح سلاحاً مهماً نستخدمه في معاركنا.. الأسلحة تتغير بمرور الزمن، على سبيل المثال لا يمكننا اليوم القتال بالسيف، علينا أن نقاتل بالأسلحة المناسبة لساحات المعارك التي ننخرط فيها وأهمها وسائل التواصل الاجتماعي، الآن أصبح الـ«تيك توك»، رقم واحد، ونتائجه قد تكون حاسمة، تليه منصة إكس «تويتر سابقاً «، لذلك علينا أن نتحدث مع إيلون ماسك كصديق وليس عدواً !

أيضا علينا أن نقرأ بتمعن واهتمام ما قاله لي صديقي العزيز الدكتور «جمال محمد فرويز» استشاري وأستاذ الطب النفسي بكلية الطب جامعة عين شمس حين طلبت منه تفسيراً وشرحاً شافياً وافياً لأسباب تلك الظاهرة الخطيرة التي أصابت المجتمع المصري وكيف يمكن معالجتها، واسمحوا لي أن أنشر رده كاملاً:

«في البداية دعونا نقر بوجود انهيار ثقافي نتج عن اختلاط ضار بالثقافة المصرية، من خلال خطة دُبر لها بعناية شديدة، من أجل تدمير الهوية المصرية، وما نراه الآن يؤكد نجاح الخطة بامتياز.

انهيار الثقافة المصرية ارتبط باختلاطها بالثقافة الوهابية التي دُبر لها عن طريق المخابرات الأمريكية بعد انتصار أكتوبر، وعندما دخلت الثقافة الوهابية علينا، للأسف لم نأخذها كاملة، في الوقت الذي لم نحافظ على ثقافتنا المصرية التي كانت قائمة على الحب والخير والسلام، بينما بنيت الثقافة الوهابية على العنف واغتصاب النساء وسفك الدماء!

للأسف أخذنا من الثقافة الوهابية أسوأ ما فيها، كانت النتيجة ازدواجية دينية، نحن لم نسلك المسار الديني السليم، ربما سلكناه شكلاً لكننا لم نسلكه تطبيقا، فنتج عن ذلك انهيار سلوكي، وانهيار أخلاقي وقيمي، وانهيار اجتماعي، بمعنى انهيار العلاقات، كل واحد أصبح يرى نفسه الكبير، فبدأ يحل مشكلته بنفسه، ومع التقدم التكنولوجي الرهيب أصبح الموبايل والسوشيال ميديا هما المصدر الأول لمعلوماته، الناس لما دخلت على السوشيال ميديا لم تكن مؤهلة لذلك، فالسوشيال ميديا تعني الحرية المطلقة، ومن ثم أصبحنا نقلد أموراً لم يكن لنا أن نقلدها، أموراً غير مناسبة لنا، بدأنا نرى جرائم لم نعهدها من قبل، جرائم يرتكبها أشخاص في أعمار ومكانة اجتماعية متباينة، بدأنا نرى الطفل الذي يقتل، والفتاة التي تقتل، والكهل الذي يقتل، والمسنة التي تقتل، كل ذلك ناتج عن الانهيار الثقافي، هؤلاء فقدوا القدرة على تحديد ما الذي يجب أن يعملوه وما الذي لا يجب أن يعملوه، اقتصر الأمر على أن يقلد الشخص ما يراه ملائماً لظروفه الحالية، يبحث عن الحل وفقاً لما تمليه عليه السوشيال ميديا مثل التيك توك واليوتيوب، اليوتيوب يبث أفلام عنف وقتل وتدمير، منها على سبيل المثال كيف تسرق بنكا، كيف تسرق أناساً يسيرون في الشوارع! ومع الانتشار الرهيب للمخدرات خاصة المخدرات المستحدثة التي تلعب على الدوبامين (مادة كيميائية أو هرمون موجود بشكل طبيعي في جسم الإنسان، يعزز الشعور بالسعادة، بالإضافة إلى كونه ناقلًا عصبيًا، أي أنّه يرسل إشارات من الدماغ إلى الجسم)، وبالتالي تؤثر على السلوك الإنساني، توجهه ناحية العنف أو ناحية القتل حتى لو تم بدم بارد،كل ذلك لم يكن موجوداً في الثقافة المصرية، ولغرابة هذه الجرائم لابد أن نقف عندها مليون وقفة، نحن أمام ثلاث إشكاليات المخدرات، الوعي، السوشيال ميديا، من هنا لابد للدولة أن تتدخل، لابد أن تبحث عن حلول، لو فرضنا أن الدولة تكسب من السوشيال ميديا مبالغ ضخمة تدخل خزانتها، فإنها تواجه خسائر مجتمعية أعلى بكثير، وعندما نتحدث عن التطورات الاقتصادية والسياسية لابد أن نراقب المحور الاجتماعي والتأثير عليه، على سبيل المثال قضية ارتفاع الأسعار مهمة جداً لأنها أثرت سلباً على جيل كامل، أصبح يواجه صعوبات في الزواج والتعليم والصحة، بل صعوبات في كل مدارك الحياة، وبالتالي بدأ يبحث عن الحلول البديلة المتاحة له، وهي حلول أخذها من السوشيال ميديا بكل أسف!

لهذا سيواجه المجتمع بجرائم كثيرة جداً مستقبلاً، زمان كنا نشاهد مستويات معينة للجريمة، اليوم أصبحنا نواجه مستويات جديدة دخلت بالفعل عالم الجريمة، أصبحنا نشاهد طبيباً يقتُل ومهندساً يقتُل وقاضياً يقتُل وضابطاً يقتُل!، كل المستويات أصبحت تقتُل، وهذا هو الانهيار الثقافي بعينه، لأنه بالفعل أخطر جرس إنذار يقول لنا انتبهوا أيها السادة، القادم سيكون أسوأ لو أهملنا هذه الجزئية.

والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو الحل؟

أولاً: معركة الوعي، ثانياً :إغلاق مواقع التواصل الاجتماعي التي تشكل خطورة ــ وهذا دور الدولة ــ مهما كان حجم المكاسب المادية التي تحققها، ثالثاً الدور المهم الذي يجب أن تلعبه المساجد والكنائس والمدارس، كلُّ يتحمل مسؤولياته.. لابد أن يعود الدور التربوي للمدارس بحزم مرة أخرى، وعدم الاكتفاء بالعملية التعليمية وإلا سيكون القادم سيئا اجتماعيا، سيئا سياسيا، سيئا اقتصاديا ً!

ربما يخرج علينا بعض رجال السياسة مهونين من أهمية وخطورة الظاهرة حتى لو أثرت على الاقتصاد أو البنيان الاجتماعي طالما لم تؤثر على السياسة! وهنا أقول لهم أنتم على خطأ، فذلك الأمر سيؤثر في النهاية على الولاء والانتماء وحب الوطن.. وهذا أخطر ما في الموضوع!