رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

جواد الخراز: «تيراميد» ترسم خريطة جديدة لمستقبل المتوسط .. ولا يمكن حل أزمة الكربون بخلق أزمة مياه

31-7-2026 | 14:11

الدكتور جواد الخراز

طباعة
أ ش أ

تفرض التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة عالميًا على منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط إعادة النظر في موقعها على خريطة الطاقة الدولية، لاسيما أنها تجمع بين موارد هائلة من الطاقة الشمسية والرياح، وتحديات متزايدة ترتبط بالتغيرات المناخية والجفاف وندرة المياه، فضلًا عن ارتباط بنيتها التحتية لعقود طويلة بممرات الوقود الأحفوري.

وتسعى مبادرة «تيراميد» إلى بناء منظومة إقليمية متكاملة للطاقة النظيفة تربط أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، وتحويل المتوسط من ممر للغاز الأحفوري إلى ممر موحد للطاقة النظيفة، بما يدعم التوسع في إنتاج الطاقة المتجددة، وتعزيز الربط الكهربائي، وتطوير تقنيات التخزين، وتوطين الصناعات الخضراء، مع مراعاة الترابط بين ملفات الطاقة والمياه والغذاء، خاصة في ظل التوسع في صناعات الهيدروجين الأخضر ومشروعات التحلية التي تتطلب كميات كبيرة من الطاقة والمياه.

وتبرز مصر باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لهذا التحول، بما تمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي، وموارد كبيرة من الطاقة الشمسية والرياح، ومشروعات واعدة في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، تؤهلها للقيام بدور محوري في الربط الكهربائي بين أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.

وفي حوار خاص مع وكالة أنباء الشرق الأوسط، يستعرض الدكتور جواد الخراز، مدير شبكة خبراء المياه والطاقة والمناخ، ومدير العلاقات الدولية والاستراتيجية لمبادرة «تيراميد»، رؤية المبادرة وأهدافها، والتحديات التي تعوق التوسع في الطاقة المتجددة، وفرص الاستثمار في مصر والمنطقة، إلى جانب العلاقة بين الطاقة والمياه والغذاء، ودور الذكاء الاصطناعي في إدارة منظومة الطاقة، مؤكدًا أن نجاح التحول الأخضر يتطلب إزالة العوائق التنظيمية، وتطوير الشبكات، وتوفير التمويل، وضمان تحقيق تحول عادل ومستدام.

"تيراميد".. من ممر للغاز الأحفوري إلى ممر موحد للطاقة النظيفة

وحول الدوافع التي أدت إلى إطلاق مبادرة «تيراميد» والفجوة التي تسعى إلى معالجتها في قطاع الطاقة المتجددة، أوضح الدكتور جواد الخراز أن المبادرة ولدت لكسر "المفارقة التاريخية" لمنطقة البحر المتوسط، التي تعد من أكثر مناطق العالم تأثرًا بالتغير المناخي والجفاف، رغم ارتباط بنيتها التحتية تاريخيًا بالوقود الأحفوري وممرات الغاز.

وأضاف أن المبادرة تستهدف إحداث تحول جيوسياسي بتحويل المتوسط من ممر للغاز الأحفوري إلى ممر موحد للطاقة النظيفة يربط أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، مشيرًا إلى أنها انطلقت عقب مؤتمر الأطراف "كوب 28"، الذي أقر هدف مضاعفة قدرات الطاقة المتجددة ثلاث مرات بحلول عام 2030.

وتابع الخراز: «قلنا: لِمَ لا يكون لمنطقتنا هدف خاص بها في هذا الإطار؟ ولم لا نكون أول منطقة في العالم تحقق التزام دبي بمضاعفة القدرات المركبة للطاقات المتجددة ثلاث مرات بحلول عام 2030؟».

وأكد أن التحدي الحقيقي لم يعد نقص الاستثمارات أو المطورين، وإنما يتمثل في العوائق الهيكلية والتنظيمية، وفي مقدمتها اختناقات الشبكات الكهربائية، ومشكلات الربط البيني، وبطء إجراءات التراخيص.

تيراميد تستهدف 1000 جيجاوات من الطاقة المتجددة بحلول 2030

وأوضح الخراز، أن الهدف المحوري للمبادرة يتمثل في الوصول إلى 1000 جيجاوات من قدرات الطاقة المتجددة والنظيفة في حوض البحر المتوسط بحلول عام 2030، مع خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 500 مليون طن، وحشد استثمارات تتجاوز 700 مليار دولار، وتوفير أكثر من 3 ملايين وظيفة خضراء في قطاعات الطاقة المتجددة.

وأضاف أن المبادرة تمنح الأولوية لتحديث الشبكات الكهربائية، وتعزيز قدرات التخزين والربط البيني، باعتبارها شرطًا أساسيًا لاستيعاب التوسع في الطاقة الشمسية والرياح، إلى جانب دعم التصنيع الأخضر، خاصة الهيدروجين الأخضر والصلب منخفض الانبعاثات، بما يسهم في توطين الصناعات وخلق فرص عمل.

وأوضح أن ما يميز «تيراميد» هو تركيزها على التنفيذ العملي بدلًا من الاكتفاء بالإعلانات السياسية، من خلال دعم إصلاحات تنظيمية، وتسهيل إجراءات التراخيص، ومعالجة التحديات التي تعوق تنفيذ المشروعات.

وأشار إلى أن المبادرة أطلقت أداة 1TW Mediterranean Renewable Energy Tracker بالتعاون مع منظمة Global Energy Monitor، لتعزيز الشفافية ومتابعة تطور مشروعات الطاقة المتجددة وخطط الحكومات وأداء الشبكات بصورة علنية.

مصر .. ركيزة أساسية في نموذج التحول الإقليمي

وتتبوأ مصر موقعًا محوريًا في رؤية مبادرة «تيراميد» للتحول إلى الطاقة النظيفة في منطقة حوض البحر المتوسط، إذ لا تنظر إليها المبادرة باعتبارها مجرد دولة مشاركة، وإنما باعتبارها «دولة بطلة» (Champion Country) وركيزة أساسية في نموذج «المسارات الوطنية» لعام 2026.

ويعزو الدكتور جواد الخراز هذه المكانة إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمصر، وبنيتها التحتية للربط الكهربائي، ومواردها الكبيرة من الطاقة الشمسية والرياح، بما يجعلها حجر الزاوية في بناء ممر إقليمي للطاقة النظيفة يربط أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، ويمنحها دورًا محوريًا في نقل وتبادل الطاقة بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.

وحول تقييمه لمسار التحول إلى الطاقة المتجددة في مصر، أوضح الخراز أن هذا المسار يسير بزخم استثماري قوي، مدفوعًا بالجدوى الاقتصادية لمشروعات الطاقة المتجددة، إلا أن التحدي الحقيقي لم يعد في جذب الاستثمارات، وإنما في الانتقال من مرحلة الطموح إلى التنفيذ، من خلال تطوير الشبكة القومية ورفع قدرتها على استيعاب ونقل وتصدير الكميات المتزايدة من الكهرباء المنتجة من المصادر المتجددة.

وأضاف أن مصر تمتلك مقومات تنافسية كبيرة، في مقدمتها ارتفاع معدلات الإشعاع الشمسي، وسرعات الرياح، إلى جانب خططها للتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء.

وأشار إلى أن من أبرز النماذج الناجحة محطة «بنبان» للطاقة الشمسية بقدرة 1.8 جيجاوات، إلى جانب مشروعات طاقة الرياح في خليج السويس والزعفرانة وجبل الزيت، وهي مشروعات تفتح المجال أمام بناء سلاسل قيمة صناعية متكاملة، وليس الاكتفاء بإنتاج الكهرباء فقط.

وأكد أن هذه المقومات تحتاج إلى استكمال إصلاحات تنظيمية لمعالجة اختناقات الشبكات، وتعزيز الربط الكهربائي، وتسريع إجراءات إصدار التراخيص، بما يسمح بتحويل المشروعات المعلنة إلى مشروعات منفذة على أرض الواقع.

وفيما يتعلق بالبرامج التي تعمل عليها مبادرة «تيراميد» في مصر، أوضح الخراز، أن المبادرة، بالتعاون مع شركائها المصريين، ومن بينهم شبكة «رائد»، والمجلس العالمي للطاقة الريحية، والمركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، ومؤسسة «مناخ أرضنا للتنمية المستدامة»، تعمل على إعداد مسارات تنظيمية مخصصة لمعالجة الفجوات المتعلقة بالتراخيص، وآليات الربط بالشبكة، وتعرفة التغذية، بما يسهم في تسريع تنفيذ المشروعات.

وأضاف أن المبادرة تعمل كذلك، عبر شريكها ECCO، على إعداد دراسات لتحديث وتمويل الشبكات الكهربائية، وتطوير محافظ استثمارية جاذبة للقطاع الخاص، إلى جانب إدراج المشروعات المصرية الواعدة ضمن منصة تيراميد للتمويل (TeraMED Finance Platform)، بهدف توفير تمويلات ميسرة وسندات خضراء، وربط المشروعات الجاهزة بالمستثمرين ومؤسسات التمويل، بما يسرع الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ.

شمال أفريقيا والطاقة المتجددة

وأكد الخراز، أن رؤية «تيراميد» لا تقتصر على مصر، وإنما تستهدف بناء منظومة إقليمية متكاملة للطاقة النظيفة في حوض البحر المتوسط، تقوم على الربط بين قدرات الإنتاج في شمال أفريقيا ومراكز الاستهلاك في أوروبا والشرق الأوسط.

وأوضح أن المبادرة تمتلك حاليًا خط مشروعات نشطًا يبلغ 202 جيجاوات، أضيف منها 15 جيجاوات خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، بما يعكس تسارع الاستثمار في قطاع الطاقة المتجددة.

وأضاف أن المبادرة تدعم مشروعات الربط الكهربائي عبر البحر المتوسط، ومنها الربط بين المغرب وإسبانيا، وتونس وإيطاليا، إلى جانب العمل على تهيئة خطوط الغاز الحالية لنقل الهيدروجين الأخضر مستقبلًا، والتوسع في مشروعات تخزين الطاقة بالبطاريات بقدرات تتراوح بين 25 و30 جيجاوات، باعتبارها عناصر أساسية لضمان استقرار الشبكات وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

ويرى الخراز أن تجربة دول شمال أفريقيا أثبتت أن الطاقة المتجددة لم تعد خيارًا بيئيًا فقط، بل أصبحت قضية أمن قومي وسيادة اقتصادية، إذ تسهم في تقليل الاعتماد على أسواق الوقود العالمية، وتعزيز أمن الإمدادات، وخلق فرص جديدة للاستثمار والتصنيع والتصدير.

وأشار إلى أن تجربة المغرب في المزادات التنافسية للطاقة المتجددة تمثل نموذجًا يمكن الاستفادة منه لخفض الأسعار وتعزيز المنافسة، فيما تمتلك مصر بدورها تجارب رائدة، أبرزها مجمع بنبان للطاقة الشمسية، وسرعة جذب الاستثمارات في مشروعات الهيدروجين الأخضر داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وهي نماذج يمكن نقلها إلى دول المنطقة.

كما أشاد بالتجربة المصرية في تحقيق التوازن بين التوسع في طاقة الرياح وحماية التنوع البيولوجي، من خلال برنامج الإدارة الفعالة لتوربينات الرياح، الذي يراقب مسارات الطيور المهاجرة في منطقة خليج السويس، ويحقق التوازن بين جذب الاستثمارات والحفاظ على البيئة وإشراك المجتمعات المحلية، مؤكدًا أن التحول إلى الطاقة النظيفة يجب أن يحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية الموارد الطبيعية.

الطاقة النظيفة.. حماية للاقتصاد وتعزيز للتنافسية

ولا تقتصر أهمية التحول إلى الطاقة المتجددة على خفض الانبعاثات، وإنما تمتد إلى تعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات الوطنية، خاصة في ظل تقلبات أسعار الوقود العالمية.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور جواد الخراز أن الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية النظيفة يمثل وسيلة لحماية الاقتصاد من الصدمات السعرية المرتبطة بالنفط والغاز، خاصة مع التوترات الجيوسياسية التي ترفع تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج.

وأضاف أن التوسع في إنتاج الأمونيا والهيدروجين الأخضر من شأنه تقليل ارتباط الاقتصاد بتقلبات الأسواق العالمية، مع توفير منتجات ذات قيمة مضافة تدعم الصناعة والصادرات.

وأشار إلى أن التحول الأخضر أصبح ضرورة للحفاظ على تنافسية الصادرات المصرية، في ظل تطبيق آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM)، التي تفرض على الصناعات خفض بصمتها الكربونية، إلى جانب ما يوفره قطاع الطاقة المتجددة من فرص عمل في مجالات الإنتاج والتركيب والصيانة والتخزين وإدارة الشبكات.

وحول أبرز الفرص الاستثمارية، أكد الخراز أن الأولوية ستكون لمشروعات تخزين الطاقة بالبطاريات (BESS)، التي تمثل عنصرًا رئيسيًا لاستقرار الشبكات، إلى جانب مشروعات إنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، وكذلك أنظمة الطاقة اللامركزية، مثل محطات الطاقة الشمسية فوق أسطح المنشآت، لما لها من دور في تخفيف الأحمال على الشبكات ورفع كفاءة استخدام الطاقة.

القطاع الخاص والتمويل.. مفتاح التحول

وأكد الخراز أن القطاع الخاص يمثل المحرك الرئيسي للتحول إلى الطاقة النظيفة، مشيرًا إلى أن نماذج المبادرة لعام 2026 تشير إلى إمكانية وصول القدرة المركبة في المنطقة إلى نحو 880 جيجاوات بحلول عام 2030 إذا نُفذت المشروعات المعلنة في مواعيدها.

وأوضح أن المشكلة لم تعد في غياب المستثمرين، وإنما في إزالة العقبات البيروقراطية والتنظيمية، وتوفير بيئة استثمارية مستقرة تضمن سرعة التراخيص، وإتاحة الوصول إلى الشبكات، وتطوير أدوات تعاقدية وتمويلية تقلل المخاطر.

وحول أبرز التحديات التمويلية، أوضح أن ارتفاع تكلفة رأس المال الناتج عن المخاطر التنظيمية وعدم اليقين بشأن الربط بالشبكات يمثل أحد أكبر العوائق أمام التوسع السريع في الطاقة المتجددة، مشيرًا إلى وجود فجوة تمويلية إقليمية تقدر بمئات المليارات من الدولارات.

وأضاف أن مبادرة «تيراميد» تركز على أدوات التمويل المختلط (Blended Finance) والضمانات الائتمانية، لجذب استثمارات القطاع الخاص والصناديق السيادية والمؤسسات التمويلية، وخفض تكلفة التمويل.

وشدد على أن نجاح التحول إلى الطاقة النظيفة لا يعتمد فقط على توفير الأموال، بل على إعداد مشروعات قابلة للتمويل، وتوفير بيانات واضحة عن المخاطر والعوائد، وبناء شراكات فعالة بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات المالية، بما يحول الموارد الطبيعية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ والاستدامة.

الطاقة والمناخ والمياه.. «لا يمكننا حل أزمة الكربون عبر خلق أزمة مياه»

وأكد الدكتور جواد الخراز أن التحول إلى الطاقة المتجددة لا يمكن فصله عن جهود مواجهة تغير المناخ، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن نجاح هذا التحول يجب ألا يأتي على حساب الموارد المائية، خاصة في منطقة المتوسط التي تعاني بالفعل من الجفاف وندرة المياه.

وأوضح أن مبادرة «تيراميد» تسهم مباشرة في تحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ، من خلال استهداف خفض نحو 500 مليون طن من الانبعاثات الكربونية بحلول عام 2030، إلى جانب مواءمة خططها مع بوابة العمل المناخي التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC NAZCA)، والمنتدى العالمي للانتقال الطاقي التابع للاتحاد الأوروبي.

وأضاف أن أهمية المبادرة لا تقتصر على زيادة قدرات الطاقة المتجددة، وإنما تمتد إلى إحلال الطاقة النظيفة محل الوقود الأحفوري، وخفض انبعاثات قطاعات الكهرباء والصناعة والنقل، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات والصناعات الخضراء.

وحول العلاقة بين الطاقة المتجددة والأمن المائي والغذائي، شدد الخراز على أن الرسالة الأساسية التي تحكم رؤية المبادرة هي: «لا يمكننا حل أزمة الكربون عبر خلق أزمة مياه».

وأوضح أن صناعات مثل الهيدروجين الأخضر والصلب الأخضر تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، وهو ما يفرض ضرورة التخطيط الدقيق في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم تعرضًا للإجهاد المائي.

وأشار إلى أن المبادرة تشترط عند تقييم المشروعات تطبيق مفهوم ترابط المياه والطاقة والغذاء والبيئة (WEFE Nexus)، بما يضمن التعامل مع هذه الملفات باعتبارها منظومة واحدة، وعدم نقل الضغوط من قطاع إلى آخر.

وأضاف أن المبادرة تلزم المشروعات الصناعية الكبرى بدمج حلول مائية مستدامة، مثل محطات تحلية مياه البحر العاملة بالطاقة المتجددة، بما يمنع استنزاف المياه الجوفية أو زيادة الضغط على مصادر مياه الشرب.

وأكد أن نجاح التحول الأخضر لا يقاس فقط بحجم الكهرباء المنتجة أو الانبعاثات التي تم خفضها، وإنما أيضًا بمدى الحفاظ على الموارد المائية والتربة والنظم البيئية، وتحقيق تنمية متوازنة تخدم الإنسان والبيئة في آن واحد.

الذكاء الاصطناعي.. أداة لا غنى عنها لإدارة الطاقة

وأكد الخراز أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا أساسيًا في إدارة منظومة الطاقة الحديثة، خاصة مع التحول من الاعتماد على محطات مركزية إلى منظومة تجمع بين المحطات الكبرى وأنظمة الطاقة اللامركزية.

وأوضح أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تسهم في إدارة الشبكات الذكية والمصغرة، والتنبؤ بإنتاج الطاقة الشمسية والرياح، وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، بما يعزز استقرار الشبكات ويقلل احتمالات الانقطاع.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يتيح التنبؤ بالإنتاج المتوقع لمحطات الطاقة المتجددة، وهو ما يساعد مشغلي الشبكات على إدارة التخزين وتوزيع الأحمال واتخاذ قرارات أكثر كفاءة.

وضرب مثالًا بمشروع «سيروكو» الممول من الاتحاد الأوروبي، والذي تشارك فيه مؤسسة «سيداري»، ويستخدم صور الأقمار الصناعية للتنبؤ بالعواصف الرملية التي تؤثر على الألواح الشمسية في محطة بنبان، بما يساعد على تقليل تأثيرها على إنتاج الكهرباء واستقرار الشبكة.

وأضاف أن دور الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على التنبؤ بالطقس أو إنتاج الطاقة، بل يشمل تحليل البيانات، والكشف المبكر عن الأعطال، وتحسين الصيانة، وإدارة عمليات شحن البطاريات وتفريغها، مؤكدًا أن مستقبل الطاقة النظيفة سيعتمد على التكامل بين البنية التحتية والأنظمة الرقمية الذكية.

وأكد الخراز أن التعامل مع ملفات الطاقة والمياه والغذاء بصورة منفصلة لم يعد ممكنًا، فإنتاج المياه يحتاج إلى الطاقة، وإنتاج الغذاء يعتمد على المياه والطاقة، بينما يزيد تغير المناخ الضغوط على الموارد الثلاثة في الوقت نفسه.

واختتم هذا المحور بالتأكيد على أن مستقبل التحول الأخضر يتطلب سياسات تقوم على فهم هذا الترابط، بحيث لا يؤدي التوسع في الطاقة النظيفة إلى استنزاف المياه، ولا تؤدي زيادة التحلية إلى رفع الانبعاثات، ولا يأتي التوسع الزراعي على حساب الموارد الطبيعية، وهو النهج الذي تتبناه مبادرة «تيراميد» في جميع مشروعاتها.

شبكة طاقة عابرة للحدود تعيد رسم خريطة المنطقة

ورسم الدكتور جواد الخراز تصورًا لمستقبل الطاقة المتجددة في مصر والمنطقة بحلول عام 2030، يقوم على شبكة إقليمية مترابطة للطاقة النظيفة، تتكامل فيها موارد الطاقة الشمسية في مصر وطاقة الرياح في دول شمال أفريقيا مع مراكز الاستهلاك في أوروبا والشرق الأوسط، بما يحول منطقة المتوسط من ممر لعبور الوقود الأحفوري إلى مركز رئيسي لإنتاج وتصدير الطاقة والصناعات الخضراء.

وأوضح أن هذا التحول لن يقتصر على إنتاج الكهرباء، وإنما سيمتد إلى بناء صناعات جديدة تعتمد على الهيدروجين الأخضر والصلب منخفض الانبعاثات ومكونات الطاقة المتجددة، بما يعزز القيمة المضافة، ويوفر فرص عمل، ويرفع القدرة التنافسية لاقتصادات المنطقة.

وأكد أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب تجاوز التخطيط التقليدي للطاقة، من خلال تطوير شبكات الربط الكهربائي بين دول المنطقة، وزيادة قدرات التخزين، وإرساء أطر تنظيمية مرنة تسمح بتبادل الطاقة النظيفة عبر الحدود.

وحول الأولويات التي ينبغي أن تركز عليها الحكومات، دعا الخراز إلى تحديث آليات تسعير الكهرباء، عبر التوسع في استخدام عقود الفروقات (CfDs) والمزادات التنافسية، بما يضمن خفض التكاليف ورفع كفاءة اختيار المشروعات.

كما شدد على أهمية تعزيز المنافسة في قطاع الكهرباء، من خلال تسهيل وصول المنتجين المستقلين إلى الشبكات، وتطوير الأطر التنظيمية التي تفصل بين أنشطة الإنتاج والنقل، بما يرفع كفاءة الاستثمار ويعجل بتنفيذ المشروعات.

وأشار كذلك إلى ضرورة المضي تدريجيًا في إصلاح دعم الوقود الأحفوري، بصورة تراعي الجوانب الاجتماعية، وتوفر بيئة اقتصادية أكثر تشجيعًا للاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة.

وفي ختام الحوار، أكد الدكتور جواد الخراز أن مستقبل التحول الطاقي في منطقة المتوسط لن يتحدد بحجم الموارد الطبيعية وحدها، بل بقدرة الدول على إزالة العوائق التنظيمية، وتطوير البنية التحتية، وتوفير التمويل، وتبني سياسات متكاملة تراعي الترابط بين الطاقة والمياه والغذاء والمناخ.

واختتم رسالته بالتأكيد على أن منطقة المتوسط تمتلك جميع المقومات اللازمة لتصبح أحد أكبر مراكز إنتاج الطاقة النظيفة في العالم، إذا نجحت في تحويل الطموحات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وتعزيز التعاون الإقليمي، وإشراك القطاع الخاص والمجتمعات المحلية في مسيرة التحول، بما يضمن تحقيق تنمية مستدامة وآمنة للأجيال المقبلة.

أخبار الساعة