رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

تعليم بلا مستقبل


31-7-2026 | 13:44

.

طباعة
بقلـم: محمد الحنفى

رغم تكرار مناشدة الرئيس عبد الفتاح السيسى وتوجيهاته للحكومة بضرورة ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل والكف عن تعليم بلا مستقبل، طوال السنوات الأربع الماضية ــ آخرها خلال افتتاحه مقر القيادة الاستراتيجية «الأوكتاجون»ــ، إلا أنه لا تزال هناك مجموعة من التحديات التى تعيق تحقيق ذلك الهدف، لم نستطع تجاوزها حتى الآن

فلا تزال الفجوة واسعة بين المناهج الدراسية التى يعتمد معظمها على جانب نظرى يُنتج ملايين الخريجين غير المؤهلين وغير المطلوبين،وبين المهارات التى يتطلبها سوق العمل.

 

 

نحن مازلنا بالفعل أمام أرقام صادمة وفق آخر إحصائية للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء للعام الدراسى 2025/2024،تقول إن عدد الطلاب المقيدين بالكليات النظرية فى الجامعات الحكومية والأزهر البالغ عددها 288 كلية من إجمالى 551 كلية على مستوى الجمهورية، نحو 1.7 مليون طالب، بما يمثل 71.1 فى المائة من إجمالى الطلاب المقيدين بتلك الجامعات.

فضلاً عن أن تقديرات «المنتدى الاقتصادى العالمي» أشارت إلى أن مصر ــ بكل أسف ــ تحتل المركز الأول بين 55 دولة تحتاج إلى إعادة هيكلة نظم التعليم الحالية، ويفتقر خريجوها لمهارات يحتاجها سوق عمل، يبحث فيه وبشكل أساسى عن خريجين يمتلكون مهارات تقنية تعتمد على التكنولوجيا المتطورة.. ولا تزال أعدادهم محدودة، بينما يكتظ طابور البطالة بالملايين من أصحاب المؤهلات الدراسية النظرية غير المطلوبة، فى ظل استمرار ضخ الآلة التعليمية بمناهجها التقليدية الحالية أعداداً كبيرة من نوعية الخريجين غير المطلوبين،رغم امتلاكهم شهادات جامعية وأكاديمية كلفت الدولة مليارات الجنيهات «ع الفاضي» !.

إن تكرار توجيهات رئيس الجمهورية ينبع من منطلق استهدافه بناء أجيال قادرة على المنافسة والإبداع، عبر تطوير التعليم ودعم الموهوبين، فى ظل عالم يشهد طفرات مذهلة وتغيرات جذرية فى طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة داخل أسواق العمل، مدفوعة بالتطور التكنولوجى والاعتماد المتزايد على الاقتصاد الرقمى والذكاء الاصطناعى كما قال سيادته، لهذا طالب الرئيس القائمين على العملية التعليمية، بضرورة مراجعة التخصصات غير الضرورية أو التى لم تعد مطلوبة فى سوق العمل، ويهدر الطلاب الملتحقون بها 4 سنوات من أعمارهم فى «تعليم بلا مستقبل»، حتى نضمن توجيه الموارد البشرية نحو المجالات الأكثر قدرة على دعم النمو الاقتصادى .

وإذا كانت مصر من الدول المالكة لثروة بشرية عظيمة، فإن استمرار نهجها فى تخريج أعداد كبيرة من طلاب التخصصات النظرية غير المطلوبة ـ رغم تكلفتها المرتفعة ــ يعد إهداراً لقيمة تلك الثروة، ومن ثم عدم الاستفادة الاقتصادية منها، ناهيك عن تقليص معدلات النمو الفعلية مقارنة بمعدلات النمو الممكنة وليس المستهدفة فقط فى جمهورية جديدة تستهدف تنمية شاملة مستدامة.

قد يفهم البعض دعوة تطوير مخرجات التعليم بأنها تعنى اختفاء الكليات النظرية من آداب وحقوق وإعلام واقتصاد وعلوم سياسية وآثار وتجارة وخدمة اجتماعية ودار علوم، لكن ذلك لم يكن مقصوداً بشكل حرفي، فهناك نماذج ألمانية وبريطانية واسترالية متطورة يمكن السير على هديها، قد نجحت فى الحفاظ على تلك الكليات عندما أعادت هيكلتها، ودمجت نظم الدراسة الأكاديمية بها مع تخصصات وبرامج تدريب تطبيقية وتقنية مرتبطة باحتياجات السوق، مثل الربط بين دراسة الاقتصاد وتحليل البيانات، والسياسة والذكاء الاصطناعي، كذلك الربط بين علم الاجتماع والدراسات الأمنية، والإعلام والتسويق الرقمي، الأمر الذى عزز التكامل بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي.

وأتصور أن ذلك حل وسط يحافظ على بقاء التخصصات النظرية المفيد بعضها فى المجالات الإنسانية والاجتماعية والقانونية والثقافية التى تحتاجها الدولة بصورة مستمرة، وفى نفس الوقت ينمى قدرات خريجيها بشكل يواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، بما يسمح بتحويلها من مؤسسات لمنح شهادات غير ذات قيمة إلى نموذج تعليمى قادر على الجمع بين المعرفة والمهارة، يعظم الاستفادة من رأس المال البشرى المصرى وتحويله إلى قوة دافعة للتنمية .

إذاً نحن لا نتحدث مطلقاً عن إلغاء الكليات النظرية،وإنما إعادة تطويرها بإدخال تخصصات حديثة مثل تحليل البيانات، والإعلام الرقمي، والترجمة التكنولوجية، وإدارة المحتوى، والسياسات العامة، بما يفتح آفاقًا أوسع أمام الخريجين وأيضاً إدخال مقررات فى التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وريادة الأعمال، والتوسع فى التدريب العملي، وتعزيز الشراكات مع مؤسسات القطاعين العام والخاص الذى ننتظر منه تفاعلاً أكثر وشراكة أكبر.

إن إشكالية ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل فى مصر لا تزال تواجه مجموعة من التحديات الخطيرة، يأتى فى مقدمتها التطور المذهل والسريع فى التكنولوجيا، هذا التطور يضع المناهج والبرامج الدراسية فى محك التحديث المستمر، فى وقت تعانى فيه منظومة التعليم من معوقات تتعلق بنقص المعامل الحديثة والتجهيزات التكنولوجية فى بعض المؤسسات، إضافة إلى الحاجة المستمرة لتدريب أعضاء هيئة التدريس أنفسهم على أحدث التقنيات وأساليب التعليم الحديثة.

وفى إطار التحرك الفعلى نحو اتخاذ خطوات تنفيذية لتوجيهات رئيس الجمهورية فى ذلك الصدد، دعونى أثمن تحرك الدكتور عبدالعزيز قنصوة وزير التعليم العالى الذى أمر بتشكيل لجنة عليا لمراجعة البرامج والتخصصات الدراسية القائمة، وتقييم مدى توافقها مع احتياجات سوق العمل محلياً وإقليمياً ودولياً، حتى تصبح أكثر تحكماً فى التخصصات الجامعية المتاحة.

إن مهمة هذه اللجنة باختصار تحديد مواصفات التوظيف المطلوبة فى الخريج، ثم وضع البرامج التى تلائم هذه المواصفات بما يتناسب معها.

وإذا كانت مصر قد قطعت شوطاً على طريق إصلاح منظومة التعليم، لتقليص الفجوة بينها وبين سوق العمل، وقامت بتطويرها لتواكب العصر من خلال التوسع فى الجامعات التكنولوجية، ومدارس التكنولوجيا التطبيقية، وتطوير التعليم الفني، وتعزيز برامج التدريب والتأهيل الرقمي، فإن الطريق لا يزال طويلاً وبعض التحديات لا تزال قائمة لا سيما وأن قطاراً جامعياً جديداً يستعد للانطلاق خلال الأسابيع القادمة محملاً بحوالى 700 ألف طالب من الحاصلين على الثانوية العامة هذا العام،فإننا نأمل ألا يشغل 71 فى المائة من عرباته راغبو الالتحاق بالكليات النظرية غير المطلوبة، ونستمر فى منظومة «تعليم بلا مستقبل» !

أخبار الساعة