عمرو دياب إذن حالة فريدة واستثنائية فى تاريخ الغناء العربى وليس ظاهرة عابرة، فمهما اختلفنا على حجم موهبته، أو على قدراته الغنائية فإن رجلا يستطيع أن يبقى على قمة الغناء استماعا لأغنياته وتوزيعا لألبوماته لمدة أربعين عاما محافظا خلالها على حظوظه وحظوته وشبابه الدائم هو بالتأكيد نموذج غير عادى لفنان عرف جيدا كيف يحافظ على القمة، ويبذل من أجلها كل ما هو مستطاع، بل وأحيانا ما هو غير مستطاع.
وربما يقول قائل إن وراء هذا النجاح الاستثنائى مؤسسة كبيرة اسمها مؤسسة عمرو دياب تقوم على خدمة موهبته والإبقاء على اسمه فى صدارة المشهد الغنائى، وهذا بالتأكيد صحيح، بل وصحيح جدا، لكن أى مؤسسة هذه التى يبقى أفرادها بجوار صاحبها أربعين عاما بلا اهتزاز أو تراجع؟ لقد تناوب بالتأكيد على عمرو عبد الباسط دياب ابن مدينة بورسعيد على مدى أربعة عقود منذ احترافه الغناء عشرات الأفراد والجهات، رحلت وجوه، وجاءت أخرى، اختلف مع البعض، وتوافق مع الآخر، وبقى «دياب» كما هو على قمة الهرم الغنائى ليس فى جيله فقط، وإنما فى أجيال سبقته أو لحقت به، وهذا معناه ببساطة، أن كل هؤلاء لم يديروا «الهضبة»، وإنما كان هو ولا يزال الذى يديرهم أو بالأحرى يخطط لهم ويوجههم كى يحافظوا له على عرشه الغنائى، وتلك هى العبقرية التى جعلت من تجربته حالة استثنائية وفريدة فى عالم الغناء المصرى والعربى على مدى هذه عقود.
فعمرو دياب ليس أجمل أصوات معاصريه وأكثرها قوة وتمكنا، هانى شاكر وعلى الحجار ومحمد الحلو ومدحت صالح وغيرهم أفضل منه صوتا وأداء، وليس هو أكثر معاصريه وسامة، مصطفى قمر وراغب علامة ووائل جسار يفوقونه فى هذا، لكنه الأذكى بين كل هؤلاء، وأفضلهم قدرة على معرفة ما يمكن أن يجذب جمهورا ليس مطلوبا منه أكثر من أن يشترى ألبوماته ويستمع إليها وهو يتمايل على إيقاعاتها الراقصة، ليس هذا فقط، وإنما هو أذكى أيضا لأنه عرف أن يكون دائما جملة فى أحاديث الناس فى زمن السوشيال ميديا بل وما قبلها أيضا، حتى أنه ارتضى لنفسه ما يمكن أن يرفضه غيره كى يبقى حديث الناس، فلا يزال جيل نهاية الثمانينيات يذكر الشائعة التى أطلقها عليه منتج ألبوماته فى ذلك الوقت بأنه قد أصيب بالإيدز، وساعتها لم يخرج عمرو ليكذبها، وإنما تركها تكبر و«تنفش» حتى تؤدى غرضها، وحينما ربطت الأخبار بينه وبين الممثلة دينا الشربينى فعل دياب الأمر نفسه، وتركها تؤتى أكلها فى التأكيد على أنه لا يزال مرغوبا ممن هنّ فى سن ابنته، إشارة إلى استمرار شبابه وبقاء جاذبيته كما هى، وبعد أن استفاد هو ودينا من ذلك الربط ذهب كل منهما إلى حال سبيله، وبعد هذا كله لم يكن صعبا عليه أن يظهر بصدر عار مفتول العضلات، أو أن يحلق رأسه مرة، ويلون شعره مرات، وأن يطلق «سكسوكته» أو يضع فى أذنه حلقا، ليس فى كل هذا ما يعيبه من وجهة نظره، فقط المهم أن يلفت انتباه جمهوره ويشغل أحاديثهم ويُبقى على اسمه على ألسنتهم، ومن ثم اللهاث وراء أحدث أغنياته.
وكان بالتأكيد من بين أدواته فى لفت الانتباه حرصه على اختيار كلمات غير مألوفة لأغنياته لا سيما فى الأعوام الأخيرة، فبعد مرحلة «ميال ونور العين ولو شوقك أد شوقى وحبيبى ولا على باله وتعالى تعالى وهى عاملة إيه دلوقت وسنين بعدك على عينى»، وصلنا إلى مرحلة «أنت مغرور أنت معدوم الشعور أنت زى الزينة ديكور» وغيرها من أغانى «الردح» أو العتاب المباشر البعيد عن لياقة الكلمة وجمالياتها، وحتى بعيدا عن هذه النوعية من الكلمات – كما فى ألبومه الأخير «حبيتك» الذى طرحه قبل أيام – تجده يجنح فى أغنياته إلى التراكيب الغريبة والمباشرة فى الغزل والعتاب ووصف المشاعر والمواقف بصورة المقصود منها بكل تأكيد جذب الأذن ولفت الانتباه.
ورغم أن بالألبوم أفكارا غنائية جيدة مثل أغنية «حبيتك» أو «جيتلك» أو «اتأخر عتابنا» أو «سلام كبير» أو «غيابه فرق»؛ فإنه لا بد أن يشوه هذه الأفكار والمعانى بكلمات وتراكيب لا تليق حتى لو كانت دارجة وتؤدى المعنى.. مثلا فى أغنية «غيابه فرق» كلمات أيمن بهجت قمر يقول: «أشوف منه ومهما اشوف ترجعنى حاجات حلوة، وأقول مش قصده ولا ظروف ومش باخد يدوب غلوة» غلوة يا عمرو؟! وفى أغنية «سلام كبير وتحية يا شهيدة يا ضحية» من تأليف أيمن بهجت قمر أيضا يقول: «عيدى وزيدى وصدقى نفسك لا ح ادافع ولا ابرر» ثم يخاطبها «يا مظلومة زمانك انا زعلان عشانك»، ثم يتجاوز وصلات العتب والتأنيب إلى مرحلة الغزل الصريح كما فى أغنية الألوان كلمات مصطفى حدوتة، فرغم طرافة الفكرة إلا أنه جنح إلى الغزل الفج حين يغنى ويقول: «الأحمر شكله عليكى خطير وجنان خالص، يا فراولة أنا نفسى أشربها عصير عطشان خالص»، ثم يقول «حلوة الضحكة وحلو الفستان آخر جمدان وجديد فى جديد، إزاى حلوة فى كل الألوان بابا كان فنان يا حبيبتى أكيد .
أما فى أغنية «لولا البنات» كلمات مصطفى البرنس فيقول: «متدلعين متعطرين، وحنينين متبخرين»، وربما من أجل حكاية متبخرين هذه اختار لها إيقاعا أقرب إلى الزار الشعبى، وهو لحن فى مجمله قريب بالفعل من الفولكلور الشعبى، والأغنية مليئة بالغزل والتدليل الذى يمكن أن نقبله إذا كان المقصود هنا بتدليل الأب لطفلته الصغيرة على طريقة الكحكات والغريبات والوردات وغزل البنات وست البنات وغيرها من تلك الكلمات البسيطة واشتقاقاتها غير المألوفة، وفيما يتعلق بالألحان فلا جديد، كلها تقريبا تشبه عمرو دياب فى ألبوماته السابقة، وكلها إيقاعية تكون فى كثير من الأحيان غير مناسبة لمعانى الكلمات وإن كان أحمد إبراهيم تحديدا قد بذل مجهودا طيبا فى توزيعها.