رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حدود المسئولية الجنائية فى جرائم الاضطرابات النفسية


31-7-2026 | 13:45

.

طباعة
تقرير: نور عبدالقادر

لم تكن الواقعة التى شغلت الرأى العام خلال الأيام الماضية مجرد جريمة جنائية جديدة، بل تحولت إلى قضية إنسانية وقانونية معقدة أثارت تساؤلات واسعة داخل الأوساط القضائية والحقوقية والنسائية، فحين يرتبط اسم محامية بالنقض وناشطة عُرفت بالدفاع عن حقوق الإنسان ومناهضة العنف باتهامات فى قضية لا تزال قيد التحقيق، تتجاوز أصداء الواقعة حدود ساحات القضاء لتطرق أبواب علم النفس والاجتماع، وتطرح أسئلة يصعب تجاهلها حول طبيعة النفس البشرية وقدرتها على الصمود أمام الصدمات القاسية.

 

وتكتسب هذه القضية خصوصيتها من المفارقة التى فرضتها على الرأى العام؛ إذ وجد كثيرون أنفسهم أمام مشهد يصعب استيعابه، لا لكونه يتعلق بشخصية عامة فحسب، وإنما لأنه أعاد فتح ملف بالغ الحساسية يتعلق بالعلاقة بين الضغوط النفسية المتراكمة والسلوك الإنسانى فى أقصى درجات اضطرابه، دون أن يعنى ذلك التسليم بأى تفسير أو إصدار أحكام مسبقة بشأن واقعة ما زالت كلمة الفصل فيها للقضاء وحده، وتعيد هذه الواقعة طرح تساؤلات حول أثر الصدمات النفسية فى السلوك الإنسانى، وحدود المسئولية الجنائية عند وجود اضطرابات نفسية أو عقلية، والدور الذى يمكن أن تقوم به الأسرة والمجتمع فى تعزيز الوعى بالصحة النفسية واللجوء إلى الدعم المتخصص، وهنا لا نسعى إلى تفسير أى واقعة بعينها أو إصدار أحكام بل لنتخذها مدخلًا لمناقشة أثر الصدمات النفسية، ودور الأسرة والمجتمع فى الاكتشاف المبكر والوقاية، من خلال آراء أساتذة الطب النفسى وعلم الاجتماع وخبراء القانون.

وقال الدكتور وليد هندى، أستاذ الصحة النفسية، إن الدوافع النفسية للقتل لا ترجع إلى سبب واحد، وإنما تمثل مزيجًا معقدًا من العوامل الوراثية والتفاعلات البيئية، وأنماط الشخصية والأمراض النفسية، وأساليب التنشئة الاجتماعية، فجميع هذه العوامل تتفاعل معًا ولا يمكن فصل أحدها عن الآخر، والدراسات الحديثة أظهرت أن نحو 50 فى المائة من السلوك العدوانى والميول إلى القتل قد يرتبط بعوامل وراثية كوجود جينات مثل MAOA وCDH13 ارتبطت بزيادة احتمالات السلوك العنيف، وهناك دراسة أجريت عام 2018 على عدد من السجناء المتهمين بجرائم قتل فى فنلندا، والتى أظهرت وجود هذين الجينين لدى عدد من مرتكبى الجرائم.

وأشار إلى أن الجينات وحدها لا تدفع الإنسان إلى القتل، وإنما تظهر آثارها مع وجود عوامل أخرى مثل التنشئة غير السوية أو اضطرابات الشخصية، أو تعاطى المخدرات أو الضغوط الحياتية، وأن بعض الاضطرابات النفسية والعقلية قد ترتبط فى ظروف محددة بسلوك عنيف، مثل نوبات الهوس فى الاضطراب الوجدانى ثنائى القطب، والفصام المصحوب بضلالات اضطهادية، ونادرًا بعض حالات الصرع والوسواس القهرى، فهذه الاضطرابات لا تعنى بالضرورة ارتكاب جرائم، وإنما تزداد الخطورة مع عوامل أخرى مثل تعاطى المخدرات، وعدم الالتزام بالعلاج، والاستعداد الشخصى أو الاضطرابات السلوكية المصاحبة.

ونوه إلى أن الاكتئاب بعد فقد أحد الأبناء لا يتعدى ثلاثة أشهر ويعود الشخص تدريجيا لممارسة حياته ولكن فى بعض الحالات خاصة إذا كان ناتجًا عن صدمة عنيفة ولم يُعالج بشكل صحيح ولم يحصل المريض على الدعم النفسى الكافى، يؤدى إلى اضطرابات فى التفكير وردود فعل عنيفة أو غير متوقعة، وقد يصاحب ذلك عصبية شديدة قد تدفع المريض إلى ارتكاب أفعال مؤذية وهو غير مدرك تمامًا لما يفعل، فبعض الجناة يلجأون إلى تقطيع الجثة بعد القتل، ولا يرتبط بالاكتئاب فى حد ذاته ولكن يحدث غالبًا بعد وقوع الجريمة نتيجة حالة من الخوف والهلع والارتباك، حيث يحاول الجانى التخلص من الأدلة أو إخفاء معالم الجريمة، وقد يكون فى بعض الحالات تعبيرًا رمزيًا عن الرغبة فى محو الضحية وذكراها، من خلال تقطيع الجثمان أو حرقه أو دفنه، وبعض الشخصيات المضطربة مثل الشخصية السادية، قد تقدم على تقطيع الجثة بدافع الاستمتاع بإيذاء الآخرين، كما قد يكون التقطيع فى حالات أخرى جزءًا من خطة مدروسة مسبقًا لإخفاء آثار الجريمة، وهوما يتم بدم بارد.

وفى نفس السياق، أكدت الدكتورة هبة الطماوى، أستاذ الصحة النفسية، أن بعض الاضطرابات الذهنية قد تؤدى إلى انفصال المريض عن الواقع، فيعانى من هلاوس سمعية أو ضلالات اضطهادية تجعله يعتقد أن هناك من يهدده أو يسعى لإيذائه، فيتصرف بناءً على هذه المعتقدات وكأنها حقائق، وهذه الحالات قد تدفع المريض فى بعض الاضطرابات الذهنية الشديدة، إلى ارتكاب سلوك عنيف اعتقادًا منه أنه يدافع عن نفسه بارتكابه الجرائم، وهذه الاضطرابات لا تظهر فجأة بل تسبقها علامات تحذيرية، مثل الشعور الدائم بالاضطهاد، وسماع أصوات أو رؤية أشياء غير موجودة، وهى أعراض تستوجب المراقبة الدقيقة من الأسرة والمحيطين والتدخل الطبى العاجل. عن طريق الجلسات والعلاج المعرفى السلوكيCBT .

وشددت على ضرورة التفرقة بين الاضطرابات الذهنية والأمراض النفسية الشائعة، مؤكدة أن مرضى الاكتئاب أو القلق ليسوا بطبيعتهم أشخاصًا عنيفين، وأن ربط المرض النفسى بالجريمة يعد تصورًا خاطئًا، كما أن تفسير أى جريمة على أنها ناتجة عن اضطراب نفسى أو عقلى لا يجوز إلا بعد تقييم دقيق يجريه المتخصصون، والمريض إذا استعاد إدراكه بعد انتهاء النوبة الذهنية قد يصاب بصدمة شديدة من أفعاله، إلا أن مثل هذه التصرفات لا تصلح وحدها للحكم على حالته العقلية، إذ يظل الفيصل هو التقييم الطبى والشرعى المتخصص، مشيرة إلى أهمية دور الإعلام والفن فى تصحيح المفاهيم المغلوطة عن العلاج النفسى، وتشجيع المواطنين على طلب المساعدة المتخصصة مبكرًا، بما يسهم فى الوقاية من تفاقم الاضطرابات النفسية، وعندما تكون القضايا التى يكون أطرافها من أصحاب المكانة المهنية أو الاجتماعية أو الشخصيات العامة تحظى عادة باهتمام مجتمعى وإعلامى أكبر، لأن الصورة الذهنية السابقة عن الشخص تجعل الرأى العام أكثر ميلًا إلى طرح تساؤلات عديده.

ومن جانبها، أكدت الدكتورة سارة البلتاجى، أستاذ علم الاجتماع بكلية التربية, أن الجريمة ليست حكرًا على فئة أو طبقة اجتماعية بعينها، وإنما توجد فى مختلف الأوساط وبدرجات متفاوتة، وترتبط فى الغالب بتداخل عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وضغوط حياتية وظروف خاصة بكل حالة، ولذلك لا يجوز اختزال أسبابها فى عامل واحد أو إصدار أحكام عامة، كما أن تسليط الضوء على تفاصيل الجرائم وتكرار عرضها عبر مختلف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى يؤثر على وعى المجتمع، والاهتمام يجب أن ينصب على فهم أسباب الجريمة والوقاية منها، لا الاكتفاء بسرد تفاصيلها.

وأوضحت أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تغيير ثقافة المجتمع تجاه الصحة النفسية، من خلال نشر الوعى بأهمية طلب الدعم النفسى عند التعرض للضغوط، والقضاء على وصمة العلاج النفسى التى تمنع كثيرين من اللجوء إلى المتخصصين فى الوقت المناسب، والإعلام والفن شريكان أساسيان فى تصحيح المفاهيم المغلوطة عن العلاج النفسى وتشجيع المواطنين على طلب المساعدة مبكرًا، كما أن التوعية لا ينبغى أن تقتصر على وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعى، وإنما يجب أن تمتد إلى المدارس والجامعات وأماكن العمل والوحدات الصحية والمستوصفات، لضمان وصول رسائل التوعية إلى مختلف فئات المجتمع.

من ناحيته، أكد المستشار بهاء أبو شقة المحامى بالنقض والدستورية العليا ووكيل مجلس الشيوخ السابق، أن القانون رقم 71 لسنة 2009 بشأن رعاية المريض النفسى بمثابة نقطة تحول مهمة فى السياسة التشريعية الجنائية المصرية، إذ أعاد النظر فى مفهوم المسئولية الجنائية المرتبطة بالحالة النفسية والعقلية للمتهم، فلم يعد الأمر مقصوراً على حالات المرض العقلى بالمعنى التقليدى الذى كانت تعرفه المادة 62 من قانون العقوبات، وإنما امتد ليشمل الاضطرابات النفسية متى كان من شأنها التأثير على قدرة الشخص على الإدراك أو الاختيار وقت ارتكاب الفعل، فقد كان النص القديم للمادة 62 من قانون العقوبات يركز على حالة المرض العقلى باعتبارها السبب الذى قد يؤدى إلى انعدام المسئولية الجنائية، أما بعد تدخل المشرّع بالقانون رقم 71 لسنة 2009 فقد اتسع نطاق الحماية ليشمل حالات الاضطراب النفسي، إدراكاً منه بأن الإنسان ليس كياناً مادياً فقط، وإنما هو كائن تحكمه عوامل نفسية وعقلية قد تؤثر بصورة مباشرة على قدرته على فهم طبيعة أفعاله والسيطرة على إرادته، وهذا التطور التشريعى يعكس فهماً أكثر عمقاً لطبيعة الإنسان، فلم يعد المرض العقلى وحده هو الحالة التى يمكن أن تعصف بالإدراك أو الاختيار، فقد توجد اضطرابات نفسية شديدة لا تصل إلى مرحلة الجنون أو فقدان العقل الكامل، لكنها تؤثر تأثيراً جوهرياً فى قدرة الشخص على التحكم فى سلوكه أو تقدير نتائج أفعاله.

وأضاف أنه على سبيل المثال، قد يرتكب الشخص فعلاً إجرامياً أثناء نوبة لاضطراب نفسى حاد يؤدى إلى فقدانه القدرة على تقدير الواقع أو السيطرة على اندفاعاته، وقد يكون هذا الشخص فى غير أوقات تلك النوبة شخصاً طبيعياً مسئولاً عن تصرفاته، وهنا تظهر أهمية التشخيص الطبى الدقيق، لأن المسئولية الجنائية لا تُبنى على مجرد وجود مرض نفسى، وإنما على مدى تأثير هذا المرض فى الإدراك والاختيار لحظة ارتكاب الجريمة.

وأشار «أبو شقة»، أن المشرّع لم يأخذ بمنطق الثنائية المطلقة؛ فإما أن يكون الشخص سليماً مسئولاً مسئولية كاملة، أو يكون فاقداً لعقله غير مسئول، وإنما أدخل منطقة وسطى تتمثل فى حالة نقصان الإدراك أو الاختيار، وهذه الحالة تمثل إحدى أهم الإضافات التى جاء بها القانون، لأنها تعبر عن الواقع الإنسانى بصورة أكثر دقة، وقد يكون المتهم مدركاً لطبيعة الفعل الذى ارتكبه، لكنه يعانى فى الوقت ذاته من اضطراب نفسى أو عقلى أثّر على قدرته على التحكم فى إرادته أو تقدير خطورة سلوكه، ففى هذه الحالة لا يكون أمام فقدان كامل للإدراك، ولا أمام سلامة كاملة فى القدرات النفسية والعقلية، وإنما أمام حالة وسط بينهما ترك المشرّع تقدير أثرها للقاضى الجنائى.

وأوضح هنا تظهر أهمية التوازن بين دور القاضى ودور الخبير النفسى، فالقاضى هو صاحب الاختصاص الأصيل فى تطبيق القانون وتحديد المسئولية الجنائية، لكنه لا يستطيع أن يستبدل معرفته القانونية بالمعرفة الطبية المتخصصة، لأن تحديد طبيعة الاضطراب النفسى أو العقلى، ومدى تأثيره على مراكز الإدراك والإرادة، هى مسائل فنية دقيقة لا تُحسم إلا بواسطة الأطباء النفسيين والخبراء المختصين وتقدير ما إذا كان المتهم مصاباً باضطراب نفسى أو عقلى أثّر على وعييه وإدراكه وقت ارتكاب الجريمة أو انتقص منها، من المسائل الفنية البحتة التى لا يستطيع أن يقول مقولة فيها إلا أربابها من المتخصصين والفنيين فى هذا المجال بوضع المتهم تحت الملاحظة الفنية فى إحدى دور الاستشفاء المختصة فنياً فى هذا المجال.

وكشف عن أنه من التطبيقات العملية لذلك، أن شخصاً يعانى من اضطراب نفسى شديد قد يرتكب اعتداءً نتيجة تصور خاطئ أو حالة نفسية قهرية تجعله يفسر الواقع بصورة غير صحيحة، وهنا لا يكون السؤال القانونى فقط: هل ارتكب الفعل؟ وإنما يمتد السؤال إلى: هل كان وقت ارتكابه قادراً على إدراك حقيقة هذا الفعل والسيطرة على إرادته؟، ولهذا فإن التقارير الطبية النفسية لا تعد مجرد رأى استشارى عابر، وإنما تمثل عنصراً مهماً فى تكوين عقيدة المحكمة فى هذه المسائل، مع بقاء سلطة المحكمة فى تقدير هذه التقارير والأخذ بها أو طرحها متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة، ومن ثم فإن فلسفة القانون رقم 71 لسنة 2009 لم تكن منح المسئولية الجنائية لكل من يدعى وجود اضطراب نفسى، وإنما تحقيق العدالة الجنائية من خلال التفرقة بين من ارتكب الجريمة بإرادة واعية ومدركة، وبين من كان المرض النفسى أو العقلى قد أثّر تأثيراً حقيقياً فى قدرته على الإدراك أو الاختيار.

واختتم «أبو شقة» بقوله: إن العدالة لا تتحقق بمعاقبة كل من ارتكب فعلاً مجرماً دون النظر إلى حالته الإنسانية والعقلية والنفسية، كما أنها لا تتحقق أيضاً بفتح باب الإعفاء من المسئولية لكل من يدعى المرض، وإنما تتحقق من خلال العلم والخبرة والقانون مجتمعين، بحيث يُحاسب الإنسان بقدر ما كان يملك من إدراك واختيار وقت ارتكاب الفعل.

تجدر الإشارة إلى أن جميع الآراء الواردة فى هذا التحقيق تتناول التفسير العلمى والقانونى العام لظاهرة الصدمات النفسية وعلاقتها بالسلوك الإنسانى، ولا تمثل توصيفًا للحالة محل التحقيق أو حكمًا عليها، إذ يظل تحديد الحالة النفسية أو العقلية لأى متهم مسألة يختص بها القضاء والجهات الطبية المختصة فقط.

 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة