فى سوق الانتقالات الكروية العالمية، هناك صفقات عادية، وصفقات استثنائية، وهناك صفقات تغير تاريخ نادٍ بأكمله، وانتقال محمد صلاح إلى أى فريق فى العالم يقع بوضوح فى الفئة الثالثة، فقد عاد اسم محمد صلاح، للظهور بقوة على طاولة المفاوضات، وهذه المرة من بوابة نادى بشكتاش التركى، والسؤال هنا لا يتعلق بـ«هل يستحق صلاح اللعب فى الدورى التركي؟».. فالإجابة محسومة سلفًا.
السؤال الحق هو: ماذا سيكسب أى نادٍ يضم محمد صلاح؟ والإجابة تأتى فى ثلاثة محاور لا يمكن فصلها: محور فنى بحت، ومحور تسويقى اقتصادى، ومحور مؤسسى يتعلق بالهيبة والاحتراف.
فعند انتقال محمد صلاح لليفربول فى 2017، باع النادى أكثر من مليون قميص فى أول 24 ساعة، ولذا فإن وجود صلاح فى أى نادٍ يفتح سوقًا جديدًا بالكامل، مصر، الشرق الأوسط، شمال إفريقيا، والعالم العربى، سوق تعداده 400 مليون نسمة، والشركات العالمية تبحث عن «سفير» له تأثير، وصلاح لديه أكثر من 60 مليون متابع على منصات التواصل الاجتماعى مجتمعة، ولذا فإن أى عقد رعاية يتم توقيعه فى وجود صلاح ترتفع قيمته بنسبة لا تقل عن 40 فى المائة.
والدورى التركى فى حال انضمام صلاح سيشهد قفزة فى قيمة حقوق البث، والقنوات فى 180 دولة ستطلب شراء حقوق مباريات بشكتاش تحديدًا؛ فمباراة واحدة لصلاح تساوى فى المشاهدات 5 مباريات عادية، والدراسات التسويقية تؤكد أن التعاقد مع لاعب «سوبر ستار» يرفع القيمة السوقية للنادى بنسبة تتراوح بين 15 فى المائة إلى 25 فى المائة خلال عام واحد فقط، وبشكتاش التركى يدرك هذه المعادلة، إذن فالتعاقد مع صلاح ليس تكلفة، بل هو استثمار بعائد مباشر يغطى الراتب خلال موسم واحد، وفكرة القدم الحديثة صناعة، وفى هذه الصناعة، محمد صلاح يمثل «منتجًا» تسويقيًا من الدرجة الأولى.
وبعيدًا عن العواطف، فإن لغة كرة القدم الأولى هى الأرقام، وأرقام محمد صلاح تتحدث عن لاعب من طراز نادر فى الاستمرارية؛ فمنذ انضمامه إلى ليفربول فى صيف 2017 وحتى نهاية موسم 2025-2026، سجل أكثر من 210 هدفًا فى الدورى الإنجليزى الممتاز، وتُوج بجائزة الحذاء الذهبى 3 مرات 2018 مناصفة، 2019 مناصفة، 2022 مناصفة، وهو أول لاعب فى تاريخ ليفربول يسجل 20 هدفًا على الأقل فى 7 مواسم متتالية، مسجلاً أكثر من 100 تمريرة حاسمة فى البريميرليج، ليصبح أول لاعب إفريقى يحقق 100 هدف و100 أسيست، ومع منتخب مصر فهو الهداف التاريخى بأكثر من 60 هدفًا دوليًا، والأهم من الأرقام هو «نمط الأداء»، صلاح لاعب لا يعتمد على الانفجار البدنى فقط. يعتمد على الذكاء الحركى، التمركز، وإنهاء الهجمات بكلتا القدمين والرأس.
ولأى مدرب، التعاقد مع صلاح يعنى ضمان 25 هدفًا و15 تمريرة حاسمة كحد أدنى كل موسم، وهذا يعنى امتلاك لاعب يجيد اللعب على الطرفين، ويجيد التحولات، ويجيد الضغط العالى، باختصار لاعب يمثل منظومة متكاملة.
وبعيدًا عن الأهداف والأموال، هناك عنصر حاسم فى بناء الفرق الكبرى «ثقافة الاحتراف»، وخلال 9 سنوات فى ليفربول، لم يسجل على محمد صلاح حالة انضباطية واحدة.
لا غياب عن التدريب، لا تصريحات مثيرة للجدل، لا مشاكل فى غرفة الملابس؛ فالنموذج الذى يقدمه صلاح هو نموذج «اللاعب المحترف» الذى يصل أولًا ويغادر آخرًا، ووجود لاعب بهذا الالتزام داخل الفريق يرفع معايير التدريب.
اللاعبون الشباب يرون قدوة حية، والإدارة تملك وجهًا إعلاميًا محترمًا يمثل النادى فى المحافل الدولية، هذا الجانب لا يظهر فى الميزانية، ولكنه يظهر فى النتائج على المدى الطويل.
أما الحديث عن مفاوضات بشكتاش التركى مع صلاح منطقى من عدة زوايا؛ فالمستوى الفنى للدورى التركى، فهو دورى تنافسى وبدنى، لكنه أقل كثافة من الدورى الإنجليزى، وهذا يمنح لاعبًا بخبرة صلاح أفضلية واضحة فى صناعة الفارق والاستمرار فى تسجيل الأرقام القياسية، كما أن بشكتاش يشارك بانتظام فى الدورى الأوروبى ودورى أبطال أوروبا، ووجود صلاح يمنح الفريق ثقلاً هجوميًا يضمن له الذهاب لأدوار متقدمة، وبالتالى دخل إضافى كبير.
فنيًا، طبيعة الدورى التركى تعتمد على المساحات خلف الدفاعات والتحولات السريعة والعرضيات. وهذه هى بالضبط «منطقة امتياز» محمد صلاح. خبرته 9 سنوات فى البريميرليج تجعله قادرًا على استغلال أى مساحة وتحويل نصف فرصة إلى هدف. بشكتاش لا يبحث عن لاعب.. يبحث عن حل هجومى جاهز، ومن الناحية الجماهيرية، فإن ملعب «فودافون بارك» من أكثر الملاعب حماسًا فى أوروبا، واندماج صلاح مع هذه الأجواء سيخلق حالة جماهيرية غير مسبوقة فى تاريخ النادى، كما أن التوقيت أيضًا مناسب، وصلاح فى 2026 يمتلك خبرة 9 سنوات فى أعلى مستوى، ولا يزال بدنيًا قادرًا على العطاء 3 مواسم على الأقل فى دورى مثل الدورى التركي.
وبعيدًا عن مفاوضات الأندية، هناك دور يجب أن تقوم به المؤسسات الرياضية والإعلامية فى مصر، محمد صلاح ليس لاعبًا عاديًا. هو واجهة الكرة المصرية فى العالم.
مساندته لا تعنى المديح المطلق، بل تعنى إعلاما مهنيا من خلال التركيز على التحليل الفنى وتجنب المزايدات والشخصنة، واتحاد كرة داعم بتسهيل أى إجراءات وتوفير الحماية الإعلامية والقانونية عند الحاجة، فلا شك أن نجاح صلاح فى أى نادٍ هو نجاح للكرة المصرية ويصبّ فى مصلحة المنتخب الوطنى، وفى المقابل فإن التقليل من قيمة صلاح أو المزايدة عليه يضر بالصورة العامة للكرة المصرية، بينما دعمه يعزز من مكانة اللاعب المصرى فى سوق الانتقالات العالمية، فالأندية التى تفاوض صلاح اليوم تدرك أنها لا تتعاقد مع «جناح أيمن»، إنها تتعاقد مع مشروع نجاح متكامل، مع علامة تجارية، مع ضمانة فنية، محمد صلاح ليس مجرد لاعب كرة قدم. محمد صلاح قيمة اقتصادية، قيمة تسويقية، قيمة فنية، وقيمة وطنية عظيمة.
وإذا نجح بشكتاش التركى فى إتمام الصفقة، فإنه لا يكسب لاعبًا فقط، إنه يكسب مركزًا متقدمًا فى خريطة كرة القدم العالمية، والكرة الآن فى ملعب الإدارات، من يدرك قيمة «الأيقونة»؟