رجعت من العمل كعادتي، توضأت وصليت، وجلست أشاهد التلفاز وأقلب بين القنوات؛ لعلى أجد فيلمًا أجنبيًا أشاهده، ولكنى لم أجد، فتركت «الريموت» ودخلت إلى حجرتى ونمت على سريري، وفجأة وجدت نفسى مثل الآلة عندما يفصل عنها تيار الكهرباء، لم أشعر بجسدي، وكأن كل طاقتى اختفت مرة واحدة، وكأننى فى غيبوبة، عيناى تريان وعقلى يعمل، ولكنه غير قادر على التفسير: ماذا يحدث لي؟ فجسدى لا يستطيع التحرك، حاولت أن أنادى على زوجتى أو بناتي، فاكتشفت أن صوتى لا يخرج، لم أعرف ماذا أفعل؟
أغمضت عينى محاولًا التركيز وأنا أقول لروحي: يا رب، فأسمع نبضات قلبى وهى تدق، أفتح عينى وأحدق فى سقف الغرفة المظلمة، ولا أستوعب ما يحدث لي! أحاول أن أتحرك، ولكن إشارات المخ لم تصل لجسدي، أغمض عينى مرة أخرى فهى لا تزال تعمل وتستجيب، وأحاول أن أقيس مدى الطاقة بداخلي، فلا أجد إلا صفر طاقة.
لا أعرف ماذا حدث لي، أسمع دقات قلبى عالية، وأتساءل: متى أصبحت بهذا العلو؟ أحاول أن أعى ماذا يحدث لي، ولا أجد أى تفسير، هل أنا أحلم؟ لا أعتقد، أنا أعى الواقع حولي، أتنفس بصعوبة وكأن الأكسجين ينفد مني، أقول: يا رب، أحاول أن أبكى فلا أجد دموعًا، أسمع صوت حركة خارج غرفتي، أحاول أن أناديهم، ولكن صوتى لا يخرج، استسلمت أخيرًا وأغمضت عينى لكى أعطى لعقلى برهة لإعادة التفكير، بعد نفس طويل شعرت بالراحة وحاجتى إلى النوم.
وبالفعل غفوت لحظات، استيقظت بعدها معافًى وأشعر بطاقة فى جسدي، ولكن وجدت غرفتى ممتلئة بأسرتى وإخوتى وعائلتى يبكون حولي، حاولت أن أقول لهم: ماذا يحدث؟ ولكن ما زال صوتى محبوسًا وجسدى لا يتحرك، حاولت أن أغمض عينى وأفتحها كثيرًا حتى يرانى أحد أو تلتقى الأعين، وكنت أرى اللقاء، ولكن بدون أى تعبير على وجه الآخر، فهل عينى لا تتحرك؟ هل أتوهم؟ زوجتى تبكى ومنهارة فى حضن ابنتي، وبجانبهما أختى الصغرى، وأخى يتحدث فى المحمول متأثرًا هو أيضًا بالدموع، ماذا يحدث؟ هل أنا ميت؟ ولو أنا ميت، فكيف لى أن أسمع وأرى؟ ولا أزال أسمع نبضات قلبي؟ أناس كثيرون يقتحمون غرفتى ينظرون إلي، بعضهم يبكى والآخر متماسك، أسمع صوت القرآن يتلى، أصرخ: أنا لست ميتًا، أنا لا أزال حيًا وأشعر بما يحدث حولي، وأحاول أن أصرخ من رائحة البخور فى الغرفة بعد أن تركونى وحيدًا، أحاول أن أكتم أنفاسى من الرائحة التى كادت أن تخنقنى.
وفجأة شعرت بقبلة حانية على رأسي، فنظرت فوجدته أبي، شعرت بفرحة غامرة كالأطفال، قائلًا: وحشتنى يا بابا، متى وصلت؟ بحبك يا بابا، ولكنه لم يسمعنى واختفى، وعدت لانكساري، ماذا يحدث لي؟ أبى توفى منذ أكثر من ثلاثين عامًا، ولكنى لا أزال أشعر بحرارة قبلته، أنا فى حيرة وخوف كبير، لا أعرف هل أنا أحلم؟ متى أستيقظ؟ وكيف أستيقظ؟ هل أنا ميت حقًا؟ وهل ما يحدث لى يحدث لكل شخص يموت؟ وكيف لى أن أعرف؟ فأنا لم أمت من قبل، ولم يكتب أحد عن هذه التجربة من قبل، الثوانى تمر ببطء شديد جدًا، ولكن عقلى لا يزال يعمل، فأنا لست ميتًا، فلو كنت ميتًا فأين الملائكة والحساب؟ لا، أنا حي، وما يحدث لى هو مجرد كابوس فى حلم أنا عالق به، ولا أعرف كيف أستيقظ وأخرج منه.
أحاول أن أركز فى أشياء أخرى، أسترجع ذكريات جميلة من الطفولة، وأيام الشقاوة، أرى نفسى عندما كنت طفلًا فى لحظات السعادة والفرح، وأبحث عن أكثر لحظة سعادة عشتها فى حياتي، هل النجاح فى التعليم؟ هل الحب؟ هل يوم زفافي؟ أحاول أن أركز فى الذكريات التى تمر بعقلي، ولا أعرف لماذا تسيطر على صورة أبى وهو مريض، لماذا؟ أنا أبحث عن مصدر للفرحة وليس للحزن والألم، أحاول أن أستجمع صورتى يوم زفافي، ولكن صورة أبى لا تزال بارزة وواضحة فى تفاصيلها، أشعر بحاجتى للبكاء ولا أعرف كيف؟ أحاول أن أوقف عقلى عن التفكير، أفتح عينى لكى أرى حجرتي، ولكنى أرى أشخاصًا غرباء يدخلون حجرتي، وأسألهم: من أنتم؟ ولا أحد يجيب، وأرى منضدة من الخشب تم نصبها، وأرى ابن عمى يدخل الغرفة، يااااااااه لم أره منذ سنوات طويلة، رغم أن علاقتنا جيدة جدًا، لماذا أتذكر حديثه عن يوم وفاة أبى التى لا أتذكر منها أى شيء سوى طيف صغير كشريط سينمائى يحتوى على مشاهد غير مرتبة قبل المونتاج.
أرى حركة غريبة بالغرفة بعد إغلاق الباب، ما هذا؟ لماذا تخلعون عنى ملابسي؟ ما هذا؟ لماذا تضعوننى على المنضدة الخشبية عاريًا؟ ما هذا البخار؟ من أين يأتي؟ لا، إنه ماء ساخن، من هذا الرجل الذى يمسح جسدى بالماء الساخن؟ انتظروا، هل تقومون بتغسيلي؟ لا، لا، انتظروا، أنا حي، لم أمت، أنا ما زلت أعى ما يحدث حولي، أفتح عينى كى يرانى أحد، ولا مستجيب، أشعر بسخونة الماء على جسدى الذى يرتعش، ولا يشعر به أحد، ويتم تقليبى على جانبيّ بعنف، أنظر إلى مغسلى وأقول له: تعامل معى برفق، ولكنه لا يراني، أركز فى ملامحه، فهو صاحب وجه دائرى يميل إلى السمرة، وكأنه من أبناء الجنوب، ويملك جسدًا مكتظًا يهتز بشكل غريب مع حركة اليد، أركز أكثر فى ملامح الوجه التى لا تحمل أى تعبير سوى حركة الشفايف التى تصدر تَمْتَمَاتٍ وكأنها آيات قرآنية لا أستطيع تمييزها، أنظر إلى أخى وابن عمى الواقفين وعيناهما ممتلئتان بالدموع، محاولًا الاستنجاد بهما، ولكنهما لا يرياني، وأصرخ بدون صوت، وأبكى بحرقة بدون أى دموع، لا، هذا ليس كابوسًا، ولكنها الحقيقة التى يجب أن أعترف بها: أنا ميت، ويتم تغسيلى استعدادًا لتكفينى بالأبيض الذى سيلتف حول جسدى ويغلق على وجهي.. نعم، أنا ميت، لقد استسلمت للحقيقة.
وعلى أن أغمض عيني.. ماذا أرى؟ ما هذا الضباب؟ يا الله، إنها ابنتى يوم مولدها ورؤيتى الأولى لها، الله على هذا الإحساس البديع الذى لا أجد له كلمات لوصفه، لا أعرف لماذا لا أتمالك نفسي؟ هل أبكى من الفرحة؟ هذا أنا وأنا أأذن وأُقيم الصلاة فى أذنها الصغيرة.. ما أجمل ابتسامة الأبناء وهم أطفال، وأتساءل: لماذا حبنا لأولادنا يكون أكبر فى الطفولة؟ لا، اعتقادى خاطئ، فحبى لبناتى يزداد كل يوم، حتى تمردهم الشبابى الذى قد أرفضه، لا علاقة له بمشاعر الحب نحوهم، وأعود لأقول لنفسي: لقد مررت أنا أيضًا بحالة التمرد مع أبي، فهل هذا أثر فى مشاعر حب أبى تجاهي؟ بالطبع لا، وهنا جال بخاطري: هل رفض أبى لتمردى جعلنى ساخطًا على تقييد أبى لحريتي؟ ولم أعد أحبه كما كنت؟ وكانت إجابتى قاطعة بالنفي، فرغم تقدمى فى العمر لا أزال أحن إلى أبى وأتمنى الجلوس معه.
ما هذا؟ أسمع الأذان بصوت ابنتيّ ترددان وترددان ولا يتوقفان، رغم أن إخوتى يحملون جسدى النحيل لمشوارى الأخير فى صندوق خشبي، وكثيرون يرفعون الصندوق لوضعه فى سيارة الإسعاف لنقلى إلى مسقط رأسي، ويجلس بجانب الصندوق أخى الأكبر، وأرى بناتى وزوجتى والدموع تنهمر منهن، وأنا أستحلفهم ألا يبكون، وأتمنى أن أمد يدى من كفنى لأمسح دموعهم، وأنا أبكي، ولكن بكائى ما زال متعلقًا بصورة ضحكة ابنتيّ، وما زلت أسمع الأذان بصوتهما فى الطريق، وأرى خشبة النعش مفتوح جزء منها، وكل بضع دقائق يرش أخى الكولونيا على جسدي، نعم، أنا مستسلم بأنى ميت، ولكنى ما زلت محتارًا، ولا أعرف هل ما يحدث لى يحدث مع كل الموتى، أم أننى ظما زلت متعلقًا بأمل بداخلى أن أكون عالقًا فى حلم؟ ولماذا أتعلق بأمل الحياة وأهرب من الموت رغم أنه حقيقة وهو بداية الخلود؟ هل أنا خائف من الموت؟ أم أننى خائف من الله والحساب؟ هل ميزان أعمالى يتوجه بى نحو الجنة أم نحو النار؟ أشعر بالخوف الشديد.
يتبع