اندهشت للغاية حينما طالعت المشهد، والذى أعتقد أننى أشاهده لأول مرة بالملاعب وللطفلة المحجبة.. ورددت بعض المواقع على السوشيال ميديا أن الطفلة من أصول فلسطينية ربما دلالة على موقف إسبانيا الرائع فى دعم الفلسطينيين، وسواء صحت المعلومات أنها من أصل فلسطينى أم لا؛ فإن ما أريد تناوله ليس الجنسية والمواقف السياسية المحترمة والمقدرة من إسبانيا.
وإنما شىء آخر تماماً هو الصورة إلى نمط الفتاة المسلمة، وكأنها صورة الجميع من المسلمات، والإصرار على فرض صورة الطفلة الأنثى وبحجاب على أساس هويتها الدينية وكأنه الأصل للطفلة المسلمة، رغم وجود طفلات فى الطابور نفسه لا يرتدين ذلك، ومع عدم ظهور لتمثيل الهويات لأصحاب الديانات الأخرى السماوية الرسمية كدليل مثلا على التنوع.
بينما رأينا فى مباريات أخرى أقيمت بفانكوفر بكندا؛ حيث ينتمى جزء ممن يعيشون هناك إلى طائفة السيخ، ولذلك رأينا أطفالا من السيخ بغطاء الرأس الهندى لطائفة السيخ وللجميع وبدون تفرقة، للجميع فى الطابور وهنا القضية مختلفة؛ لأن غطاء الرأس للسيخ هو لجميع الأولاد أى تراث شعبى ودينى للجميع، ولكن غطاء الرأس للطفلات المسلمات غير معتاد للجميع وليس متفقا عليه حتى عند أغلب المذاهب الإسلامية، بل هناك بعض من الآراء الدينية ومن الأزهر تقول بغطاء الرأس عند البلوغ للمرأة فقط، وهناك حكم دستورى لدينا يخص منع ذلك لتلاميذ الابتدائى مستندا للرأى الدينى، ولذلك فمشهد الطفلة بحجاب لم أهضمه إلا لو كان الهدف هو لتعميم صورة محددة كأطفال للمسلمات ناهيك عن أنها فلسطينية، وتذكرت تعمد ترويج صورة الجمل الشهيرة عن المصريين بل والعرب كأننا خارج العلم والحداثة.
وقد يقول البعض إنها موجودة، وحتى لو كانت موجودة ببعض هذه الآراء الفقهية فإنها قليلة وربما شاذة كذلك، ولا تمثل إلا اجتهادات شخصية من بعض شيوخ السلفية أو فى أفغانستان، على الرغم من أنه ليس هناك نص دينى بحجاب الأطفال أو غيره وإنما هو للكبار كجزء من عادات اجتماعية وتراث كذلك، وليس هناك كذلك نص يعاقب من لا ترتدى الإيشارب أو الحجاب، وبالتالى فإن هذه الصورة لا تمثل الواقع المعيش حتى داخل بلادنا الإسلامية، وحتى المملكة السعودية تخففت من إجبارية الزى والإلزام به وعقاب من لا ترتدى الإيشارب أو الحجاب، وبالتالى فإن ظهور الطفلة بهذا الزى ربما تكون وراءه محاولة لربطه بهوية محددة وتكريسه تجاه المرأة تحديدا، وهو ما أتحفظ عليه وعلى صورته لأطفال.
فى نفس التوقيت علمت بوفاة المفكر البارز د. جون إسبوزيتو مؤخرا، والذى علمت الخبر من عمود الزميل عبد الله عبد السلام، وإسبوزيتو من كبار الداعمين الأكاديميين لصورة الإسلام فى أمريكا، بل والغرب وتذكرت لقاءاتنا به أثناء منحة تدريبية بالولايات المتحدة فى منتصف التسعينيات لوفد صحفى من نقابة الصحفيين ومن مختلف الصحف من الأهرام والأخبار والجمهورية ووكالة الشرق الأوسط، ومن المصور كنا ثلاثة؛ الزميل عبد الرحمن البدرى الله يرحمه والزميلة والصديقة العزيزة نهال الشريف وأنا، وكانت المنحة الصحفية عبارة عن عمل فى مؤسسات صحفية أمريكية، وتقديم إنتاج صحفى وليس مجرد زيارة والسلام، وهناك تعرفت لأول مرة على الكمبيوتر بل وحتمية العمل به واستخدامه، فلم يكن هناك وقتها بأمريكا استعمالات الورقة والقلم لتقديم العمل، فكنا مجبرين إذن، ويا لها من مغامرات ومفارقات لإتقان للعمل والكتابة به وتصلح قصة قصيرة.
وكان البرنامج والذى امتد لمدة أكثر من 3 أشهر يتضمن بجانب العمل الميدانى دراسة بكلية الإعلام ومحاضرات وزيارات وحوارات مع أقطاب السياسة والفكر كذلك. وكان من ضمن الكورس النظرى والذى لم تذهب تفاصيله من ذاكرتى بعد هو اللقاء مع جون إسبوزيتو تحديدا فى بوسطن، وهو من مشاهير الأكاديميين الأمريكيين المختصين بالشأن الإسلامى وتنظيماته، وكان من أوائل المتخصصين به رغم أنه مسيحى، وتربى تربية دينية ومن أصول إيطالية حتى إنه كان يمازح عادة بالقول إن شهرته أكاديميا وازدياد عمله البحثى ومحاضراته جاءت بعد ثورة الخمينى وآيات الله رغم أنه حصل على الدكتوراه بمنتصف السبعينيات وقبل ثورتهم.
وربما محاضرته لنا ونحن مسلمون أى ليس لدينا عقدة الإسلاموفوبيا هى ما جعلتنى أسأله عن ذلك، ولماذا مما لفت انتباهى لذلك؟! ثم تنبهت للحديث عن التيارات السياسية الإسلامية والصورة التى يتم ترويجها للمسلمين، بالمناسبة المسلمون الأمريكان والأغلبية منهم هم من ذوات البشرة السمراء وإسلامهم مختلف عن إسلام البلاد الإسلامية، وأذكر أننى تناقشت معه ربما لإحساسى بأن هناك تجميلا ما لصورة الإسلام السياسى وتنظيماته، وكان لى سؤال أيضا على تنميط المرأة تحديدا والزى أو الحجاب وأتذكر أنه لم يعجبه ربما كلامى، فقد كان صوتا مختلفا لا سيما وكان لدىّ معلومات عن الجهاد فى أفغانستان ودعمه وتخليصها من الاتحاد السوفييتى الذى سقط بعد ذلك، نعم التيارات الإسلامية موجودة ولم تخترع بالمجتمعات ولكن تم دعمها لصراعات دولية أكبر، ولكن أشهد أنه لم يعترض على ملاحظاتى، وأكملنا الحوار الطويل جدا مع المجموعة، وربما تكررت اللقاءات فى البرنامج، وأهدى لنا كتابه عن الإسلام وبعنوان (التهديد الإسلامى.. خرافة أم حقيقة)، ظللت أتابع المعلومات عنه فيما بعد خاصة أن إنتاجه العلمى كبير ومنتشر لا سيما بعدما حدثت وقائع 11 سبتمبر فى أمريكا، والتى أرى أنك عندما تربى وحشا، فيوما ما سوف يلتفت إليك أو نحوك، ولدينا مثال بقصة الرئيس السادات وتعاونه مع تيارات الإسلام السياسى، ثم اغتالته هذه التيارات العنيفة بعدها بسنوات فكيف نفرق بينهما كما قال؟ أو بين الاعتدال والإجرام والتطرف والقتل، نعم كان لابد أن تكون هناك صورة أخرى للمجتمعات الإسلامية أو المسلمين وعدم شيطنتهم وإنما بنظرة أكثر إنصافا وعلميّة، كانت اللقاءات مفيدة عموما وللغاية، ولذلك تذكرت هذه الحوارات وأنا أشاهد الحدث والصورة لطفلات مسلمات ليراها الملايين من المشاهدين حول العالم. كابتن إسبانيا بصحبة طفلة ومحجبة أى هنا غطاء الرأس فى حر الصيف وهو دليل على ديانة الطفلة وأنها مسلمة، وربما فلسطينية ولن يتم التعريف بأن هذا زى فردى ولكنه، ليس دينيا، فليس هناك تكليف للأطفال فى أركان الدين الإسلامى مثل الصلاة أو الصوم إلا عند البلوغ، وبعض المتشددين يقولون ليس قبل السابعة، فإذا كان ذلك هو المتفق عليه فلماذا الترويج لصورة الطفلة المسلمة هكذا وقبلها الإسلاموفوبيا.