رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بين طفرة الاستثمار وحقوق الملاك.. هل آن الأوان لقانون ينظم العلاقة بين المطور والمالك؟


30-7-2026 | 15:52

.

طباعة
بقلم: د. عبد المنعم السيد

يشهد الساحل الشمالى المصرى واحدة من أكبر الطفرات الاستثمارية فى تاريخه، بعدما تحول من منطقة موسمية لا تنبض بالحياة إلا خلال أشهر الصيف إلى مركز اقتصادى وسياحى متكامل يمتد نشاطه على مدار العام؛ فمع إطلاق مشروعات قومية واستثمارية عملاقة مثل مدينة العلمين الجديدة ومشروع رأس الحكمة، تجاوزت الاستثمارات العقارية والسياحية المعلنة والمخطط لها فى المنطقة حاجز 200 مليار دولار، لتصبح المنطقة أحد أهم محركات النمو الاقتصادى فى مصر، ومن أكثر المناطق جذبًا للاستثمارات العربية والأجنبية.

 

لا تعكس الأرقام فقط حجم الإنفاق الرأسمالى، بل تؤكد أيضًا تغير خريطة الاستثمار العقارى فى مصر؛ إذ استحوذ الساحل الشمالى على نحو 36 فى المائة من إجمالى مبيعات السوق العقارية المصرية خلال العامين الماضيين بقيمة تجاوزت 1.2 تريليون جنيه، وهو رقم يعكس ثقة المستثمرين فى مستقبل المنطقة، كما يعكس نجاح الدولة فى تحويل الساحل إلى مقصد استثمارى عالمى، وليس مجرد وجهة لقضاء الإجازات.

وتتجاوز أهمية هذه الاستثمارات القطاع العقارى نفسه؛ إذ تمتد آثارها إلى عشرات القطاعات الاقتصادية الأخرى، من التشييد ومواد البناء والصناعات الهندسية، إلى الخدمات المالية والتأمين والسياحة والتشغيل والنقل، فضلًا عن توفير مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وزيادة حصيلة الدولة من الضرائب والرسوم، وتعزيز تدفقات النقد الأجنبى عبر جذب المستثمرين الأجانب.

لكن فى المقابل، تبرز قضية أصبحت تتكرر بصورة لافتة، وقد تتحول مستقبلًا إلى أحد العوامل المؤثرة فى ثقة المستثمرين، وهى طبيعة العلاقة بين المطور العقارى أو شركة الإدارة من جهة، ومالك الوحدة من جهة أخرى.

فالسؤال الذى يتردد اليوم بين آلاف الملاك هو: هل أصبح امتلاك شاليه فى الساحل الشمالى يعنى أنك لا تملك حق استقبال ضيوفك؟

خلال السنوات الأخيرة، بدأت بعض إدارات القرى السياحية فى فرض رسوم متزايدة على دخول ضيوف الملاك أو وضع قيود مشددة على استقبالهم، أو منعهم من استخدام الشواطئ أو بعض المرافق، رغم أن هذه الخدمات كانت ضمن الأسباب الرئيسية التى دفعت المالك إلى شراء الوحدة. وفى بعض الحالات، أصبحت الرسوم المفروضة تفوق القيمة الفعلية للخدمة المقدمة، بما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى قانونية تلك الإجراءات ومدى توافقها مع حقوق الملكية.

واقتصاديًا لا تمثل هذه الممارسات مجرد خلاف تعاقدى، وإنما تمثل ما يعرف فى الاقتصاد المؤسسى بارتفاع تكلفة الامتلاك وهى جميع التكاليف التى يتحملها المالك بعد شراء الأصل؛ فكلما زادت الرسوم غير المنظمة، أو القيود غير المبررة، انخفضت جاذبية الاستثمار، وبدأ المستثمر يعيد حساباته بشأن الاحتفاظ بالعقار أو شراء وحدات جديدة.

كما أن المستثمر الأجنبى والمحلى الذى تستهدفه الدولة بقوة خلال المرحلة المقبلة، لا ينظر فقط إلى سعر الوحدة أو موقع المشروع، وإنما يدرس البيئة التشريعية، ووضوح الحقوق والالتزامات وسهولة الانتفاع بالأصل، ومدى استقرار العلاقة بين جميع الأطراف. لذلك، فإن حماية حقوق المالك أصبحت جزءًا من حماية مناخ الاستثمار نفسه.

ولا شكّ أن لإدارات المشروعات حقًا أصيلًا فى تنظيم الدخول، والحفاظ على الأمن، وحماية الممتلكات العامة، وضمان جودة الخدمات. لكن هذا الحق يجب أن يمارس وفق قواعد واضحة وعادلة، وليس من خلال قرارات منفردة أو رسوم متغيرة لا تستند إلى معايير معلنة أو رقابة مستقلة؛ فهناك فرق كبير بين تنظيم الاستخدام وتقييد حق الانتفاع.

فالمالك عندما اشترى الوحدة لم يشترِ مجرد مبنى، وإنما اشترى حقًا قانونيًا فى الانتفاع بها، واستقبال أسرته وضيوفه فى حدود الضوابط الأمنية الطبيعية. ومن ثم، فإن فرض قيود مبالغ فيها أو رسوم متكررة ومغالى فيها قد يؤدى إلى تقليص القيمة الاقتصادية للوحدة نفسها، ويؤثر على سوق إعادة البيع، وهو ما ينعكس فى النهاية على المطور قبل المالك.

ومن أكثر الملفات التى تحتاج إلى تنظيم عاجل ملف ودائع الصيانة؛ فخلال السنوات الأخيرة فوجئ كثير من الملاك بارتفاع فروق ودائع الصيانة بنسب كبيرة، دون وجود إفصاح مالى كافٍ يوضح أسباب تلك الزيادات، أو كيفية استثمار الوديعة، أو حجم العوائد التى حققتها، أو أوجه الصرف الفعلية.

ومن منظور مالى ومحاسبى، فإن ودائع الصيانة تمثل أموالًا مملوكة لغرض محدد، وليست إيرادًا للمطور أو شركة الإدارة، ولذلك ينبغى أن تخضع لأعلى درجات الحوكمة والشفافية، من خلال إعداد قوائم مالية مستقلة، وإجراء مراجعة سنوية بواسطة مراقب حسابات مستقل، والإفصاح للملاك عن الإيرادات والمصروفات والعوائد الاستثمارية بصورة دورية.

كما أن الرسوم التى تحصلها إدارات القرى مقابل دخول الضيوف أو استخدام بعض الخدمات يجب ألا تتحول إلى مصدر ربح مستقل، بل ينبغى توجيهها إلى حسابات الصيانة والتشغيل، باعتبارها إيرادات تخفف الأعباء المستقبلية عن الملاك، وتسهم فى تقليل فروق ودائع الصيانة، وتحسين جودة الخدمات داخل المشروع.

ومن هنا، فإن السوق العقارية المصرية أصبحت فى حاجة إلى إصدار قانون متكامل لتنظيم العلاقة بين المطور العقارى، وشركات الإدارة، واتحادات الشاغلين، وملاك الوحدات، على غرار التشريعات المنظمة للملكية المشتركة فى العديد من الدول.

ويجب أن يتضمن هذا القانون توحيد الحد الأدنى لعقود البيع، ومنع البنود المجحفة أو ما يعرف بعقود الإذعان، ووضع قواعد واضحة لتنظيم دخول الملاك وضيوفهم، وتحديد ضوابط عادلة للرسوم، وتنظيم آلية إدارة واستثمار ودائع الصيانة، وإلزام شركات الإدارة بالإفصاح المالى الكامل، وإقرار حق الملاك فى الاطلاع على الميزانيات السنوية والتصويت على القرارات الجوهرية المتعلقة بإدارة المشروع.

كما أصبح من المناسب إنشاء جهة رقابية أو هيئة مستقلة لتنظيم العلاقة بين المطور والمالك وعمل حساب مشترك ومتابعة عملية البناء والإنشاء، وأيضا لتلقى شكاوى الملاك والفصل فى النزاعات بصورة سريعة، بما يحقق التوازن بين حماية المستثمرين والحفاظ على استقرار المشروعات السياحية، ويجنب اللجوء إلى نزاعات قضائية طويلة تؤثر على سمعة السوق.

إن مصر تمتلك اليوم فرصة تاريخية لتصبح واحدة من أكبر الأسواق العقارية والسياحية فى المنطقة، لكن نجاح هذه التجربة لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشروعات، بل بقدرتها على بناء منظومة تشريعية حديثة تحقق العدالة والشفافية وتكافؤ الحقوق.

فالاستثمار الحقيقى لا يقوم على الخرسانة وحدها، وإنما يقوم على الثقة. والثقة لا تُبنى بالإعلانات أو المبيعات القياسية، وإنما تُبنى عندما يشعر المستثمر والمالك بأن حقوقه مصونة، وأن القانون يحكم العلاقة بين جميع الأطراف بعدالة وشفافية.

إن حماية حقوق المطور ضرورة لاستمرار الاستثمار، وحماية حقوق المالك ضرورة لاستمرار الثقة. وبين الحقين لا بد أن يكون القانون هو الحكم، لأن الملكية ليست مجرد عقد شراء بل منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات، وصون هذه الحقوق هو الضمان الحقيقى لاستدامة الاستثمار وتعزيز مكانة مصر كوجهة عقارية وسياحية عالمية.

أخبار الساعة