أحدثت هذه الخطوة مخاوف لدى الجماعة الإرهابية أن يستمر اتجاه الإدارة الأمريكية للتصعيد وتضييق الخناق على شبكات تمويل الجماعة الإرهابية، أو أن يتم تطوير تلك الخطوات لتصنيف الجماعة ذاتها كيانًا إرهابيًا، فالجماعة تدرك أن ملاحقة التمويل لم تعد مجرد خطابات إعلامية مستهلكة، بل بهذا القرار أصبحت الجماعة أمام تفعيل حقيقى للعقوبات على الأشخاص والكيانات، سواء كانت جمعيات، أو شركات تجارية، أو شبكات التحويل المالي، وحتى العملات المشفرة، مما يعنى اختناق الجماعة.
حماس ليست القضية
ليست القضية حماس وتمويلها، فحماس تحصل على التمويل عبر إسرائيل وبنوك إسرائيل، وهذا لا يسبب لها مشكلة ولا اعتراضاً من الإدارة الأمريكية، بل الأزمة الحقيقية أن الجماعة تخطت الخطوط الحمراء، مما دعا الإدارة الأمريكية إلى استهداف البنية المالية لجماعة الإخوان الإرهابية، وملاحقة الأفراد والكيانات التى يشتبه فى قيامها بجمع الأموال أو نقلها أو توفير غطاء قانونى لتحويلها (أو بدون إذن وليست تحت الرقابة الأمريكية الإسرائيلية)، كما تدرك الجماعة أن هذا التصعيد يمثل أحد أكثر الإجراءات تأثيرًا على اقتصادات الجماعة، إذ يؤدى إلى تجميد أى أصول أو مصالح مالية خاضعة للولاية القضائية الأمريكية، ويحظر على الأفراد والشركات الأمريكية إجراء أى تعاملات مع المدرجين، كما يفتح الباب أمام قيود مصرفية أوسع بسبب التزام كثير من المؤسسات المالية الدولية بقوائم العقوبات الأمريكية، وهو ما يزيد من صعوبة الحركة المالية ويحد من القدرة على إدارة شبكات التمويل الإخوانية.
لماذا محمود الإبيارى وليس الإخوان؟
هنا يطرح السؤال نفسه: لماذا اهتمت الإدارة الأمريكية بتصنيف رجل الإخوان الأهم فى التنظيم الدولى ولم تصنف الجماعة ذاتها؟ الإجابة أن الإدارة الأمريكية لا ترغب فى تصنيف الجماعة ككيان إرهابي، ولكنها لا تريد منها أن تتجاوز خطوطها الحمراء ولا تتصرف وكأنها تملك إرادتها، لهذا كان اختيار الإبيارى وليس أحد مساعديه، لأنه شخصية مهمة داخل التنظيم، ويشغل منصب الأمين العام للتنظيم الدولى للإخوان، وهو موقع وصل إليه بعد سنوات من التدرج داخل الهيكل التنظيمي، واستهداف شخصية بهذا المستوى من القيادة يعنى أن هناك رسالة غاضبة من إدارة الجماعة لملفاتها المالية، فالإبيارى هو حامل الخزائن المالية السرية للجماعة، وأن ثمة تهديدًا للتمويل الذى يعد الركيزة الأساسية التى تمكّن الإخوان من مواصلة نشاطهم، فالعمليات الإرهابية ما كان لها أن تقع من دون المال.
القرار وتأثيره على «الإرهابية»
التنظيم قد يضطر إلى إعادة توزيع بعض صلاحياته أو نقلها إلى شخصيات أخرى أقل تعرضًا للملاحقة، كما أن الخوف من تجميد أى أصول داخل الولايات المتحدة، يجعل كثيرًا من البنوك والمؤسسات المالية الدولية أكثر حذرًا فى التعامل مع الشخصيات الإخوانية المدرجة فى قائمة الإرهاب الدولي، فنتيجة للقرار الأمريكى سيتم حظر جميع الممتلكات والمصالح فى ممتلكات الأشخاص المصنفين أو المحظورين والموجودة فى الولايات المتحدة أو فى حوزة أو سيطرة أشخاص أمريكيين، ويجب الإبلاغ عنها إلى مكتب إدارة السوق، بالإضافة إلى ذلك، أى كيانات مملوكة بشكل مباشر أو غير مباشر، فرديًا أو بشكل إجمالي، بنسبة 50 فى المائة أو أكثر من شخص محظور يتم حظرها أيضًا. ما لم تكن معتمدة من OFAC أو معفاة، فإن لوائح OFAC تحظر عمومًا جميع المعاملات التى يقوم بها أشخاص أمريكيون أو داخل (أو عابرون) الولايات المتحدة والتى تتعلق بأى ممتلكات أو مصالح فى ممتلكات أشخاص، ونظرًا للخوف من التعرض لعقوبات ثانوية أو لمخاطر عدم الامتثال، وبالتالي، تصبح حركة الأموال أكثر تعقيدًا، وقد تضطر الشبكات إلى استخدام قنوات جديدة أو وسطاء آخرين.
كما يحمل القرار رسالة سياسية إلى الدول الأوروبية، وخاصة بريطانيا التى يقيم فيها الإبياري، مفادها أن واشنطن ترى أن بعض الشخصيات المقيمة فى أوروبا تستحق الاستهداف بالعقوبات، ولا يعنى ذلك بالضرورة أن بريطانيا أو الاتحاد الأوروبى سيتبنيان الموقف الأمريكى تلقائيًا، لكن القرار قد يزيد من التدقيق على بعض الأنشطة والكيانات المرتبطة بالأشخاص المدرجين.
أكثر ما تخشاه «الإرهابية»، أن تتبع هذه الخطوة خطوات أخرى وعقوبات جديدة تطال شخصيات أخرى فى القيادة الدولية أو مؤسسات يُعتقد أنها تؤدى أدوارًا مالية أو لوجستية، فقد يصبح التأثير تراكميًا، ويؤدى إلى تضييق أكبر على قدرة التنظيم على إدارة شبكاته العابرة للحدود.
التأثير على «الإرهابية» داخل مصر
لن يتأثر الإخوان فى مصر أكثر من ضعف الإنفاق على أنشطتهم، فالإبيارى منذ سنوات وهو بعيد عن التنظيم المصري، وبالتالى التنظيم العالمى هو من سيتأثر وكذلك الإخوان الهاربون فى أوروبا وتركيا حيث كان الأبيارى قناة التواصل بينهم، لكن من الناحية المعنوية، فإن إدراج الأمين العام للتنظيم الدولى على قائمة العقوبات يمنح القرار رمزية أكبر من استهداف شخصية محلية أقل وزنًا.
من المتوقع أن يلجأ تنظيم الإخوان الإرهابى إلى الأساليب التى اعتاد استخدامها لتجاوز القيود، عبر واجهات وكيانات بديلة، واستخدام هياكل تنظيمية ومالية يصعب تتبعها، بهدف الالتفاف على العقوبات والإفلات من إجراءات المراقبة والحظر. أما إذا واصلت واشنطن مراجعة أنشطة الجماعة، بما قد يفضى إلى فرض عقوبات وإجراءات إضافية خلال المرحلة المقبلة تستهدف شخصيات أو كيانات أخرى مرتبطة بها، فسنكون أمام لحظة حصار للجماعة الإرهابية.