رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الولايات المتحدة وإيران.. إيران والعرب.. الأرجح استنزاف طويل


30-7-2026 | 15:50

.

طباعة
بقلم: حلمى النمنم

رغم كل الجهود التى تُبذل من أجل إحلال السلام بالمنطقة، لا تزال أشباح الحرب تملأ الأجواء، طوال الأسبوعين الماضيين لم تتوقف الغارات التى شنتها الولايات المتحدة ضد إيران، وترد إيران بضرب الدول العربية؛ دول الخليج والمملكة الأردنية- حرب استنزاف متواصلة، عادة تتراكم الخسائر فيها، وتكون النتائج، على المدى البعيد، أشد سوءًا من الحرب الشاملة.

 

هذه المرة راحت إيران تحرك أذرعها، فى اليمن عبر ميليشيات الحوثى، التى بادرت بمهاجمة المملكة العربية السعودية وتهديد الملاحة فى البحر الأحمر، والتهديد بإغلاق باب المندب، تمت مهاجمة ناقلتى فقط، تتبعان المملكة العربية السعودية الشقيقة.

هناك جهود تُبذل من الوسطاء، لوقف القتال لمدة عشرة أيام، لكن الرئيس ترامب لم يقبل، وفى خطابه بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليو 1952، جدد الرئيس عبدالفتاح السيسى الدعوة إلى وقف كافة أشكال العنف والقتال، والعمل نحو بناء السلام بين دول المنطقة.

المعلن أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يدرس مجددا تحويل الغارات الليلية على إيران إلى حرب شاملة، يمكن أن تشارك فيها إسرائيل، التى استعدت كما يبدو وتتخذ إجراءاتها، وكان من المفترض أن تبدأ ليلة السبت، لكن الرئيس ترامب أجلها، وهناك تسريبات مخابراتية بأن إيران استعادت تجهيز معامل الطرد المركزى فى جبل الفأس، وأنه يمكنها زيادة معدلات تخصيب اليورانيوم من 60 إلى 90 فى المائة خلال شهور، ومن ثم تصبح قادرة على إنتاج قنبلة نووية، على الأقل قنبلة قذرة، توضع فى رأس صاروخ ويطلق على أى مكان، وحتى إذا لم يصل إلى هدفه فإنه سوف يُحدث دمارًا للحياة فى أى بقعة يسقط بها، هذه التسريبات وما يتعلق بها، تكون مبررًا أمام الرأى العام فى الولايات المتحدة وأمام الكونجرس ليمنح الرئيس ترامب الحق فى إعادة القصف الشامل على إيران وتدميرها، بضرب الجسور ومحطات الكهرباء والحياة، أى إصابة الحياة بالشلل.

ولكن إذا لم نصل إلى هذا الاحتمال، فإن ضربات الاستنزاف المتكررة لها مخاطرها على المدى البعيد؛ إذ تدمر البنية الأساسية وتُحدث انشقاقا فى الرأى العام والجبهة الداخلية الإيرانية.

فى المقابل، إيران هددت بأنها سوف ترد بضرب مصادر الطاقة فى بلاد المنطقة، وإغلاق الممرات المائية؛ مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وأعلن الحرس الثورى الإيرانى أن أى محطة سوف تضرب لديها، فإنها سترد بضرب محطة فى البلاد المجاورة، أى الدول العربية، على الخليج العربى.

والواضح أن إيران من الداخل فيها تياران.. الأول يمثله الحرس الثورى والمتشددون، هؤلاء من أنصار التصعيد، ويتحركون بمنطق الأرض المحروقة، شعارهم الانتقام لقتل المرشد الأعلى، ويرون فى استمرار الحرب صرف نظر الشارع عن قضايا وهموم الداخل، الكل سوف يقف إلى جوارهم ضد الغارات الأمريكية، وهذا التيار يمتلك القوة والسلاح والميليشيا.. هم المسيطرون بالفعل.

فى المقابل هناك تيار آخر يمثله الرئيس مسعود بزشكيان ومعه وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى، هؤلاء يدركون مخاطر الغارات، وأنها مع الوقت سوف تؤدى إلى انكشاف كامل للدولة وانهيار بطيء لمؤسساتها، وفى لحظة سوف يكون هناك السقوط ولن يتحمله الرأى العام، بما يؤدى إلى سقوط النظام بأكمله، تيار بزشكيان وعراقجى يدركون جيدًا أن هناك معارضة تتنامى فى الداخل، معارضة للنظام كله، وهناك جبهات تتكون فى الخارج لتكون البديل، خاصة المعارضة اليسارية التقليدية، ثم تيار نجل الشاه السابق، الذى تنازل عن فكرة عودة «ملكية دستورية» إلى إيران، ووافق على إجراء انتخابات لاختيار مَن يمثل الشعب، ويجد أنصارًا فى الداخل، وحتى الآن هذا التيار مازال ضعيفا، هو موجود لكن ليس فى يده نقطة الحسم، الحسم لدى المرشد الأعلى الذى دعا إلى الثأر من قتلة والده وسائر القيادات، ودعا إلى استهداف دونالد ترامب شخصيا.

ولا يجب أن ننسى وجود إسرائيل ودورها، هى تريد إيران بلا أى مشروع نووى ولا باليستى، ولديها تغلغل مخابراتى واسع وعميق فى الداخل الإيرانى، وهى قادرة على أن تقوم بعمليات هناك وتستعد لذلك، بمفردها إذا اقتضت الظروف أو بالتعاون مع الولايات المتحدة، وهذا هو الأفضل لها.

هناك دول فى المنطقة، على رأسها باكستان ومصر وقطر تعمل للحيلولة دون التصعيد فى المنطقة، والبدء بهدنة عشرة أيام، تعقبها مفاوضات بين الجانبين، لكن حتى هذه اللحظة فإن كل طرف ليس جاهزا لوقف القتال والدخول فى عملية سلام.

عادة تتجه الأطراف المتحاربة إلى التفاوض والهدنة حين تقتنع أنه لم يعد هناك ما تحققه أو تكسبه بالحرب، أو حين تكون عاجزة عن مواصلة القتال وتحمل الحرب، على طريقة أية الله خُمينى فى نهاية الحرب العراقية- الإيرانية سنة 1988، حين أعلن أنه يتجرع السم ويقبل وقف القتال مع العراق، فى إيران ليس هناك مَن لديه استعداد الآن لتجرع السم.

الطرف المهيمن فى إيران يريد أن يخرج من الحرب بمكاسب، أهمها السيطرة على مضيق هرمز، ويكون المرور فيه بشروطها هى ومقابل مالى تحدده هى وتقوم بتحصيله، وهذا ما لن يقبل به الرئيس دونالد ترامب، هو يريد أن تكون السيطرة على المضيق للولايات المتحدة، وإذا تم تحصيل شيء، يكون لهم هم فى المقام الأول.

تريد إيران كذلك عدم المساس بأذرعها فى المنطقة، خاصة فى لبنان، وإلا سوف يبقى الصدام فى الجنوب اللبنانى بين حزب الله وإسرائيل، عمليا احتلال الجنوب، وقد خسرت إيران سوريا بسقوط نظام بشار الأسد، وتريد تعويض هذه الخسارة بزيادة الارتباط لنقل السيطرة على لبنان والعراق.

وهكذا.. فإن إيران ليست جاهزة فى هذه اللحظة للتفاوض ولا للسلام، ومن ثم ليست مستعدة لوقف القتال، ذلك أن المشروع الإيرانى منذ سنة 1979، أى الثورة الإيرانية، تضع على رأس أولوياتها تصدير الثورة إلى بلاد المنطقة، وقد نجحت بالفعل فى خلق أذرع لها فى عدد من الدول، وفعلا تسيطر عليها وتتحكم فى قراراتها وسياساتها الداخلية، هذا واضح فى لبنان وفى العراق ثم فى اليمن.

الإدارة الأمريكية محكومة بتوجه دونالد ترامب، هو يريد أن يحقق ما لم تحققه الإدارات السابقة منذ سنة 1979، إدارة الرئيس كارتر، هو يرى أن هذه الإدارات فشلت فى التعامل مع إيران وتهديداتها، خاصة إدارة الرئيس باراك أوباما، الذى وقع الاتفاق النووى مع إيران، وحيث إن هناك انتخابات التجديد النصفى للكونجرس ومجلس الشيوخ، فإن الرئيس يريد لحزبه الاحتفاظ بالأغلبية المطلقة، وهذا يقتضى أن يحقق مكاسب مباشرة من الحرب، باختصار كل الشواهد تقود إلى استمرار القتال بطريقة الاستنزاف أو التصعيد إلى حرب شاملة.

سوف تلاحظ أن الطرفين -أقصد الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، كل منهما يسعى نحو توريط دول المنطقة فى الحرب، إيران تحاول أن تدفع دول الخليج لإعلان الحرب عليها، يكون لديها مبرر لمواصلة القصف وتدمير البنية التحتية بها وخلق أذرع لها هناك، وقد تم اكتشاف خلايا تابعة لها فى كل من البحرين والكويت.

إيران سوف تحقق مكسبا آخر لو أعلنت دول الخليج الحرب عليها، إنها سوف تخاطب الرأى العام بأنها تتصدى لإسرائيل، بينما دول الخليج فى الخندق الآخر، وقد ثبت أن الدول العربية مدركة الأمر جيدا، وتجنبت الانزلاق إليه، وفوتت الفرصة على إيران.

الإدارة الأمريكية ترى فى الحرب فرصة أن الدول العربية وأمريكا وإسرائيل تواجه العدو نفسه، ومن ثمّ هم فى الخندق نفسه، ومن ثم تكون الفرصة لاشتراك دول المنطقة فى اتفاقيات السلام الإبراهيمى، تحديدا المملكة العربية السعودية ثم الكويت، وقد تحملت السعودية ضغوطا هائلة من الإدارة الأمريكية لإتمام هذه الخطوة، لكن المملكة لديها شروطها الواضحة، وأهمها العمل بجدية على إقامة دولة فلسطينية، الكويت تجاهلت هذا الأمر تمامًا.

بقى احتمال آخر هو نشوب معارك فرعية أو جانبية، حروب بالوكالة، إيران تدفع الحوثيين لمهاجمة السفن فى البحر الأحمر وتهديد السعودية، وإغلاق باب المندب، بما يهدد الملاحة فى قناة السويس وتضار مصر اقتصاديا.

الواضح أن إيران تريد توسيع مناطق الاشتباك، شنت غارة على سوريا فى الأيام الماضية، باختصار إما أن تشتعل المنطقة بأكملها وإما تتم الاستجابة لمطالبها وطموحاتها، فى المقابل الولايات المتحدة تستعد لهجوم أوسع، الكونجرس وافق على زيادة المخصصات المالية للحرب، 100 مليار دولار إضافية.

الرئيس ترامب أوقف الغارات مساء السبت، فى المقابل أعلنت إيران تعليق غاراتها على دول الجوار، لكن ترامب أوقف الغارات مؤقتًا، انتظارًا لنتائج المفاوضات مع إيران، ومطلبه أن توافق إيران على كل مطالبه، وعلى الأغلب لن توافق وستعمل على إطالة أمد المفاوضات، وعادة يأمر ترامب بشنّ الغارات مع تعذر التفاوض، توقعًا منه أن تؤدى قسوة القصف إلى تنازل المفاوض، كل الشواهد تقول إننا بصدد أيام صعبة.

معنى هذا أن المنطقة تتجه إلى مزيد من الاضطراب والعنف، ارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات، تعذر سلاسل الإمدادات، سوف يكون هناك شحّ فى المواد المستوردة، معدلات الاستقرار والتنمية سوف تكون فى تراجع، وكذلك حركة السفر والانتقال والسياحة.

السؤال الكبير: ماذا عنا نحن فى مصر؟

مؤخرا أعلن وزير التموين أن لدينا مخزونا استراتيجيا من المواد الأساسية يكفى لمدة عام، ولدينا إنتاج زراعى متميز ومشروعات تنموية تعمل، وبعضها جارٍ العمل به..

الرئيس السيسى أكد عدة أمور... أهمها المطالبة بوقف كل الأعمال القتالية والدخول فى مفاوضات جادة.. لا تتوقف الدولة المصرية عن السعى فى هذا الجانب.

الأمر الآخر الذى أكدته مصر وعلى لسان الرئيس السيسى أن جمهورية مصر لن تتخلى عن الأشقاء العرب، نحن ضد العدوان عليهم، ونحن نقدم كافة أوجه المساندة، حتى نتجاوز تلك المحنة.

داخليا العمل بجد فى مجال تقديم الخدمات للمواطنين وبناء مشروعات التنمية وتوطين الصناعة والتوسع فى السياحة، والوفاء بكل التزاماتنا فى المنطقة ودوليا.

بقى أن مصر تنتبه جيدا إلى ما يمكن أن تسميه النتائج الجانبية للحرب الإيرانية، سواء حرب أمريكا عليها أو حرب إيران ضد الدول العربية المجاورة لها، وهو أن تستغل إسرائيل انشغال العالم بما يجرى فى مضيق هرمز وتحاول تنفيذ مشاريعها فى غزة والضفة الغربية، بما يجعل من إقامة الدولة الفلسطينية أمرا شبه مستحيل.

فى كل الأحوال يجب أن نتوقع استمرار الاضطراب فى المنطقة، ذلك أن كل عوامل الصراع والانفجار موجودة بها، مشاريع متصارعة وأحلام متداخلة، المشروع الإيرانى يهدف إلى السيطرة الكاملة على المنطقة، والمشروع الصهيونى يريد إضعاف كل دول المنطقة، بحيث تبقى إسرائيل القوة الوحيدة، لذا هناك انزعاج إسرائيلى من التقارب المصرى التركى، ومن تنامى قدرات الجيش المصري.

ومع الاضطراب ينشط عادة دعاة الفوضى والتشدد، أو ما نسميهم “أهل الشر”، ومن يتابع حملات السوشيال ميديا فى الفترة الأخيرة؛ يدرك أنهم يريدون التحرك والعودة بنا إلى المربع صفر.

كل هذا يفرض علينا التمسك بمقولة “خلى السلاح صاحى”، وأن نفتح أعيننا جيدا، وندرك أن المخاطر تتربص بنا.

أخبار الساعة