رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الفتاوى الصيفية .. اللهم أجرنى من حرِّ أغسطس!


30-7-2026 | 15:49

.

طباعة
بقلم: حمدى رزق

يُستحبُّ عند اشتداد الحرِّ أن يُكثر المسلم من قول: «لا إله إلا الله»، وأن يستعيذ بالله تعالى من النار ومن حرِّ جهنم، وأن يسأله سبحانه العافية، فيقول: «اللهم أجرنى من حرِّ جهنم»، أو: «اللهم أجرنا من النار، ومن عذاب النار، ومن كلِّ عملٍ يُقرِّبنا إلى النار».

 

فتوى شائعة فى الفضاء الإلكترونى تُرطِّب الأجواء، أقله نفسيًا، مع التزام ستر العورة فى اللباس الصيفي، هكذا تحدثنا المراجع الفقهية عن المرطبات الدينية لحرارة فصل الصيف.

وعليه، دفعنى الفضول إلى تقصِّى فتاوى الطقس (المناخ)، سيما وأن المناخ المصرى يُغرى بالفتوى، كما تعودناه: «حار جاف صيفًا، دافئ ممطر شتاءً»، قاعدة مناخية مستقرة منذ عقود خلت، والفتوى تتغير بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، وهو أمر مقرر صحيح، ولكن قاعدة المناخ المصرى لا تتغير، رغم تغير الأحوال المناخية عالميًا.

ومثل الدعاء أعلاه، وقعتُ على أقوال وأحاديث تناسب الفصول جميعًا، وفتاوى مواجهة البرد وزمهرير الشتاء القارس، ومنها جواز التيمم لشدة برودة الماء إذا تعذر تسخينه، وخاف المسلم وقوع الضرر أو المرض، وجواز الصلاة بالقفازين (الجوانتي)، ولا حرج فى ذلك، ولا تُكره الصلاة بالقرب من المدفأة الكهربائية.

لم تُمرِّر المراجع الدينية الفصول جميعًا إلا عالجتها بمعالجات فقهية، ففى فصل الربيع الاستدلال بالبعث، والتذكير بنعيم الآخرة، وإباحة الخروج إلى المتنزهات وشم عبير الزهور، واللباس الخفيف مع مراعاة ستر العورة، وفى الخريف اعتبار وعظة، يُنظر إلى الخريف شرعًا على أنه آية من آيات الله الكونية التى تُذكِّر الإنسان بسرعة انقضاء الدنيا وذبول العمر، تمامًا كتساقط أوراق الشجر.

وهكذا دواليك، لا تترك المراجع الدينية فصلًا دون فتوى، أو عظة، أو اعتبار، أو ذكر وتذكير، وهذا غير منكور، ومن يتبعه مأجور، وثوابه عظيم، وتغير الفصول فى الإسلام آية من آيات الله الكونية الدالة على كمال قدرته وحكمته.

علماء الدين ينافسون خبراء الأرصاد الجوية فى تتبع درجات الحرارة والبرودة والأمطار والرياح، لم أعثر بعد، على فتاوى تعالج منخفض الهند الموسمي، والمنخفض القبرصي، ومنخفض السودان الموسمي، تقريبًا عشرة منخفضات تعتور الطقس المصري، وهذه يلزمها اجتهاد فقهي، وكما أفاضت دار الإفتاء فى موسوعة الفتاوى الموسمية، يمكن إصدار موسوعة الفتاوى المناخية، وما يلزم المسلم من فتاوى تخص اللباس ودرجات الحرارة والبرودة، وتغيرات المناخ من فصل إلى آخر.

تديين المجال العام هكذا، وكل فصل بفتوى، وعظة، وكل طقس بفتواه، هل هناك تفسير اجتماعى منطقى وواقعى لزيادة الطلب على الفتاوى المناخية؟

وما جديد الفتاوى الصيفية الذى تتكالب عليه المواقع الإلكترونية؟

وما الترجمة المجتمعية لزيادة معدلات طلب الفتوى حتى فى الأحوال الجوية؟

إقبال العامة على طلب الفتوى، حتى فى شئون المناخ، يترجم قلقًا نفسيًا يعتور الكثيرين، ومنسوب القلق مرتفع فى الحياض الشعبية، وتديين الحالة المجتمعية أخشى جد خطير، يترجم فرط تدين!

إزاء إلحاح مجتمعى على طلب الفتوى، أخشى حالةً نفسانية أصابت البعض بين ظهرانينا، لا تمر مناسبة شخصية أو وطنية أو دينية أو حتى مناخية، إلا تصادف أسئلة ظاهرها اختيارية، لكنها إجبارية، مجبر أخوك لا بطل على مطالعة الفتاوى المناخية فى هجير صيف أغسطس.

نستعيد من المعجم ما يسمى اصطلاحًا «الإلحاف»، بمعنى التكرار والإلحاح، وألحف يعنى ألح، ومنها اللحوح، بمعنى الكثير السؤال المديم.. طلب الفتوى مقرر علينا، من المقررات الموسمية، ما يمكن تسميته «الهسس الديني»، والهسس، معجميًا، صوت الإنسان الخفي، الهسس الذى يعتور الحالة المجتمعية، يعالجونه عادة بالسؤال، وهذا يحتاج إلى دراسة مجتمعية نفسية معمقة، ماذا يقض مضاجع المصريين دينيًا؟!

أقراص الفتاوى كأقراص السلفا، تعالج عرضًا مؤقتًا، لا تعالج مرضًا مقلقًا، وهذا ليس من أدوار مؤسسات الفتوى، ولكنه من أدوار مؤسسات بحثية غائبة عن المشهد.. ماذا حدث للمصريين يظل سؤالا بلا إجابة، سؤال أطلقه طيب الذكر الدكتور «جلال أمين» آنفا، ولا يزال يراوح محل .

هل هناك تفسير اجتماعى منطقى وواقعى لزيادة الطلب على الفتوى؟ هل هى نوبة تدين طارئة، وكأن المصريين يتعرفون مجددًا على دينهم؟ وما هو جديد الفتوى الذى تكالب عليه المصريون فى السنوات الأخيرة؟

دار الإفتاء المصرية أصدرت ما يسمى بـ«موسوعة الفتاوى الموسمية»، فى أحد عشر مجلدًا، تجمع بين دفتيها كل الفتاوى التى تهم المسلم فى المناسبات الدينية.

يقينًا، عرجت الإفتاء فى موسوعتها على «فتاوى الأحوال المناخية»، باتت من الفتاوى الموسمية المقررة علينا من قبل سلفيى العصر والأوان، عادة ما ينشطون فى الأعياد والمواسم الدينية والفصول، لفتنة المجتمع حول ما يمكن تسميته «محدثات الأمور»، باعتبار كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ولا يعيرون البدعة الحسنة التفاتًا.

ما يقلق قلقلة الاستقرار المجتمعى ببرامج الفتاوى الفضائية والإذاعية، ما الذى يقلق المصريين دينيًّا إلى حد طلب (3500 فتوى يوميًا) من دار الإفتاء، وعبر آلياتها البشرية والإلكترونية؟ وما الترجمة المجتمعية لزيادة معدلات طلب الفتوى؟

إقبال العامة على طلب الفتوى يترجم فرط تدين، معلوم أن الفتاوى تصدر لأصحابها، وتنشر على العامة، فإذا صدرت مليون فتوى، فهناك ملايين يستقبلونها على هواتفهم النقالة، تصدر الفتاوى لتشيع كالوصفات الطبية، التى يبثها نفر من (الأطباء المستشيخين) على وسائل التواصل الاجتماعي، وخطرها داهم.

نزوع المصريين إلى طلب الفتوى بشراهة مفرطة يشى بأن كثيرين باتوا مقلقلين حلالًا وحرامًا، صار السؤال: حلال أم حرام؟ السؤال الرئيس فى حياة الناس، ويخرق السؤال أدق الخصوصيات، وفى قضايا أبعد ما تكون عن الحلال والحرام، أخشى أن عيشتنا أصبحت بين حلال وحرام.

المفتي، بالمعنى العام (وليس فضيلة الدكتور نظير عياد، مفتى الجمهورية)، صار رقمًا صعبًا فى حياة المصريين، أخشى، من خشية البعض من أنصار الدولة المدنية، أن سؤال الحلال والحرام يعطى رجال الدين سلطةً ليست لهم فى تيسير الحياة، وهكذا يتحكمون فى حياة البشر، وإذا استمر حال المصريين فى رهن إرادتهم الحرة عند المفتين، ستكون آثارها وخيمة، فتديين الحياة على هذا النحو خطير جدًا، وتسييد المراجع الدينية سيخلّف آثاره فى مقتبل الأيام.

 
 
 

أخبار الساعة