رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الشرق الأوسط بـ«توقيـــت الـحـرب»

30-7-2026 | 15:48
طباعة

لم يعد خفيًا على أحد أن الصراع الأمريكى الإيرانى الذى دخل الشهر الخامس دون الوصول إلى تفاهمات جدية أو الاتفاق على مسار واضح لكى تضع الحرب أوزارها، هو حيلة جديدة فى المخططات الصهيوأمريكية لإنهاك دول الشرق الأوسط، وإضعاف قدراتها تدريجيًا، وإرهاق مقدراتها خطوة بخطوة، وتخريب ثرواتها على مراحل، مما يضاعف الضغوط على الحكومات والشعوب معًا نتيجة للتداعيات الاقتصادية القاسية، والمستفيد من كل هذه التوابع الكارثية دولة الاحتلال، سواء بتقليم أظافر طهران وأذرعها لتظل تحت السيطرة، أو بتشتيت الرأى العام العالمى عن جرائمها فى حق أصحاب الأرض من الفلسطينيين واللبنانيين، وصولًا إلى استنزاف إمكانيات العواصم العربية، وهنا علينا جميعًا التحلى بالفطنة، والتمسك بالوعى الصحيح لمواجهة هذه المؤامرة الخبيثة، وتفويت الفرصة على كهنة تل أبيب وحلفائها من أهل الشر.

 

ويومًا وراء يوم، تؤكد الشواهد، وتثبت ردود الأفعال من مسؤولى الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال أن الضبابية تغلف المواقف، والنية على استمرار التوتر مُبيَّتة، وبالرغم من الخسائر التى تكبدتها واشنطن وتل أبيب على مستويات عدة، هناك شبه توافق على عدم وقف الحرب، والحيلولة دون نجاح المفاوضات لإنهاء هذه المرحلة الكارثية فى عمر الشرق الأوسط، فرغم تتابع الوساطات من الشركاء الإقليميين، وفى مقدمتهم مصر وباكستان وقطر وتركيا، على مدى عدة شهور، وتوالى الاجتماعات فى القاهرة وإسلام آباد وغيرهما، لفتح الأبواب أمام الوصول إلى مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران لوقف الحرب، وتمهيد الطريق أمامها بتذليل نقاط الخلاف، وتقريب وجهات النظر، وهو ما تمت ترجمته فى جلسات مثمرة فى إسلام آباد، وتوقيع هذه المذكرة على هامش قمة مجموعة السبع فى فرنسا بقصر فرساي، ورغم موافقة الطرفين على مختلف البنود، والتأييد الدولى والإقليمى لهذا الاتفاق، عاد الخلاف من جديد، وتصاعدت وتيرة المواجهة مرة أخرى، فصمتت الدبلوماسية وتحدثت البنادق، لتعود الأزمة إلى المربع «صفر»، والبحث عن مذكرة تفاهم جديدة قبل انفلات الأمور، ودخول المنطقة - المنكوبة أصلًا بالصراعات والمشتعلة بالأزمات - إلى حرب إقليمية لا تبقى ولا تذر.

ومن المؤكد أن المؤامرات الإسرائيلية لن تتوقف لإفساد ذات البين بين الأمريكيين والإيرانيين، وكذلك بين كل القوى الإقليمية بعضها البعض، وهذا أمر طبيعى وسلوك معلوم بالضرورة عن حكومة المتطرفين بقيادة مجرم الحرب نتنياهو وحلفائه من نوعية المتطرف بن غفير أو الحقير سموتريتش، فهؤلاء تتار العصر الحديث، ويحاولون بشتى الطرق تغيير خريطة المنطقة وإقامة مخطط الشرق الأوسط الجديد الذى يحقق أوهامهم من خلال إعادة رسم التوازنات عبر الحروب والصراعات الضخمة، ومنها حربا غزة وإيران، مع دفع مسار ما يعرف بالاتفاقيات الإبراهيمية كأساس لتغيير طبيعة العلاقات مع عواصم المنطقة، لتكون المحصلة هى الهيمنة الصهيونية بتثبيت دولة الاحتلال كقوة إقليمية كبرى فى الشرق الأوسط بدمجها فى تحالفات اقتصادية وأمنية، على حساب القوى الإقليمية الحقيقية، وطالما الصراع الأمريكى الإيرانى لم يصل إلى إسقاط النظام الإيراني، سيواصل نتنياهو ألاعيبه الخبيثة لاستمرار دوامة الحرب، ولن يكل ولن يمل من محاولات إقناع الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس ترامب باستئناف الضربات بزعم تعافى البنية العسكرية الإيرانية، ناهيك عن اللعب على وتر أن ترامب هو الرئيس الأمريكى الوحيد الذى نجح فى منع طهران من امتلاك القنبلة النووية.

ويبدو أن المؤسسات الأمريكية صاحبة غرض - والغرض مرض كما يقولون - فى بقاء الحال على ما هو عليه، وعدم وضع نهاية لهذه الحرب المدمرة للشرق الأوسط كله، بل ولها تبعات على الاقتصاد العالمى كله، رغم المعارضة فى العلن، لكن فى الغرف المغلقة، هناك رغبة خفية فى استنزاف المنطقة، وإشعالها بالصراعات من إيران إلى دول الخليج، ومن اليمن إلى لبنان، ومن فلسطين إلى العراق، لأن هذا الوضع المأسوى يخدم حليفتها الاستراتيجية دولة الاحتلال استجابة لتعليمات المنظمات الصهيونية، وعلى رأسها أيباك، باعتبارها أكبر جماعة ضغط لتوجيه السياسة الأمريكية لمساندة مصالح تل أبيب، كما أن دولة الاحتلال هى «كلب واشنطن» فى المنطقة تستخدمها وقتما تشاء لحماية مصالحها ونفوذها مع تبادل المعلومات الاستخباراتية فى تلك المنطقة المهمة لأمريكا وغيرها من القوى الكبرى، إلى جانب مصالح شركات السلاح الأمريكية التى تروج بضاعة الموت بزيادة التفرقة، وتأجيج الصراعات بين بلدان الإقليم، وهى مهمة قذرة تتقنها دولة الاحتلال.

وهذا قليل من كثير فى كواليس السياسة الأمريكية الإسرائيلية، والرغبة المشتركة فى نشر الفوضى فى الشرق الأوسط، والاستنزاف المتواصل لدوله، وتقطيع أوصال أقاليمه، وما خفى كان أعظم، وهو ما أكده الرئيس الأمريكى الأسبق جو بايدن خلال زيارة مجرم الحرب نتنياهو لواشنطن فى 2023 عندما قال بالحرف: «إنه لو لم تكن هناك إسرائيل لاخترعنا إسرائيل»، وهو الأمر الذى نبه إليه الباحث والأديب والمفكر الكبير د. عبدالوهاب المسيرى منذ سنوات طويلة، وشرح كينونة دولة الاحتلال فى الشرق الأوسط، بحكم أنها «دولة وظيفية»، دعمت بريطانيا إنشاءها ثم ورثتها الولايات المتحدة لأداء دور استعماري، وليست مجرد تحالف سياسى عابر، لدرجة أن إسرائيل تعتبر بمثابة «حاملة طائرات ثابتة» لا تسقط ولا تحتاج إلى بحارة أمريكيين على متنها بصفة دائمة، وتخدم مصالح الإمبريالية الغربية فى قلب العالم العربي، بل إنها قاعدة متقدمة لضرب أى مشروع نهضوى أو وحدوى عربي، ولتقسيم المنطقة وإبقائها فى حالة تبعية وتخلف، حسبما يرى د. المسيري.

كما أن محاولة الإدارة الأمريكية تصوير إيران كعدو استراتيجى تعمل على زواله، هى لعبة مكشوفة، ولن تنطلى على أحد فى المنطقة أو خارجها؛ لأن مراهقات وخطايا طهران السبب الرئيسى فى التواجد الأمريكى بالشرق الأوسط، وهى التى تتحجج بها لابتزاز العواصم الخليجية بزعم الحماية وتوفير الأمن، وقد كشفت أيام الحرب الطويلة ولياليها الصعبة أن المتغطى بالأمريكان عريان، وفى ذات الوقت، يعلم القاصى والدانى أن واشنطن ليست مهمومة بوقف التصعيد، ولا مانع لديها من اللجوء للخيار العسكرى مهما كانت السيناريوهات مروعة، حتى لو دخلت المنطقة كلها فى أتون حرب إقليمية مدمرة، لأن تكلفة الحرب ستتحول إلى مليارات الدولارات فى جيوب مصنعى السلاح الأمريكيين، أما «كعكعة» إعادة الإعمار فسيكون أغلبها من نصيب شركاتها، فهى كما يقول المثل الشعبي: «زى المنشار، طالع واكل نازل واكل»، والأدهى والأمر أن الأمريكيين لا يشبعون من جمع الإتاوات، وفرض العقوبات.

والوقائع المتتابعة سواء قبل هذه الحرب أو خلالها، توثق حقيقة مؤكدة وهى أن إيران ليست بريئة، بل يداها ملوثة بمخططات التآمر على سيادة الدول العربية، وخصوصًا العواصم الخليجية، فطهران أدمنت صناعة الأذرع العسكرية فى عدة بلدان عربية للتدخل فى شؤونها الداخلية، وإجبارها على الانصياع للمصالح الإيرانية، من العراق إلى سوريا، ومن البحرين إلى اليمن، ومن لبنان إلى فلسطين، ولم تسلم غالبية الدول العربية من المكائد الإيرانية على مدى أكثر من 40 عامًا، بل وقد تحالفت طهران مع واشنطن من أجل زيادة رقعة الهلال الشيعى لمواجهة العرب السنة، وتغيير موازين القوة الإقليمية لتوسيع نفوذ إيران على حساب الدول العربية، أما خلال الحرب الأخيرة، فقد ثبت بالدليل القاطع أن الإيرانيين لا يريدون للأشقاء فى الخليج الاستقرار، فقد تركوا إسرائيل والقطع الحربية الأمريكية المنتشرة حول مضيق هرمز، وراح الحرس الثورى يوجه مسيراته وهجماته على الدول الخليجية المجاورة، بمزاعم واهية لا محل لها من الإعراب، من نوعية أن هناك طائرات أمريكية تنطلق من القواعد الأمريكية فى هذه الدول، وهذا أمر مرفوض جملة وتفصيلًا، ولا بد من إعلاء مبادئ القانون الدولي، وفى مقدمتها احترام سيادة الدول وحسن الجوار والتسوية السلمية للنزاعات، ثم تزايدت الحماقة الإيرانية بالعدوان على المطارات والموانئ والبنية التحتية للنفط والطاقة والمياه فى دول الخليج، مما يؤكد سوء النية الإيرانية، ومحاولات توريط العواصم الخليجية فى حرب لا ناقة لها ولا جمل فيها، وتسعى بكل السبل مع القاهرة والشركاء الإقليميين لدفع مسار التفاوض وتمهيد الطريق نحو اتفاق نهائى وشامل يضع حدًا للتصعيد، ويعيد الأمن والاستقرار إلى المنطقة، كما أوضح الرئيس السيسى لنظيره الإيرانى مسعود بيزشكيان خلال اتصال معه فى مايو الماضي، إلى جانب الزيارات المتكررة للرئيس السيسى إلى الأشقاء فى دول الخليج فى رسالة واضحة مفادها للجميع أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصري».

والأغرب أن إيران لم تضبط سلوكها، وتصر على المواقف غير الصحيحة بمواصلة الاعتداءات على دول الخليج فى تصعيد بالغ الخطورة وانتهاك صارخ لسيادة الأشقاء، مع فتح جبهات جديدة كما يحدث من جماعة الحوثى ضد السعودية واستهداف ناقلات النفط التابعة للمملكة، وهو ما يهدد أمن واستقرار منطقة الخليج ويزيد من حدة التوتر الإقليمي، وعلى طهران أن تستمع لصوت العقل، ونداء الحكمة من القاهرة، بالتوقف التام عن أى اعتداء على سيادة دول الخليج الشقيقة أو تهديد سلامة أراضيها، والتحلى بالمرونة وتفادى الحسابات الخاطئة وإتاحة الفرصة الكافية للمسار الدبلوماسي، لأن ما يحدث من تدمير لقدرات الدولة الإيرانية ومقدرات شعبها بأكثر من 300 مليار دولار، سبق أن حذرت منه مصر، وحاولت بكل السبل التهدئة، ومنع انزلاق الشرق الأوسط إلى حرب لا منتصر فيها، وجميع الأطراف فيها خاسرون؛ لأن لغة القوة لا تفرض واقعًا، ولا تحقق استقرارًا، ناهيك عن الأضرار الاقتصادية والعسكرية والبشرية.

لقد آن الأوان أن تقف كل القوى العالمية الفاعلة وجميع المنظمات الدولية سواء كانت رسمية أو شعبية صفًا واحدًا مع الشركاء الإقليميين، لإجبار الطرفين فى هذه الحرب الملعونة على فتح قنوات التفاوض بلا مماطلات ماكرة أو مراوغات مخادعة، والتخلى عن النصر المزعوم، لأن الضرر طال كل العالم وليس دول الشرق الأوسط فقط، فالاقتصاد العالمى يعانى من التضخم بشدة نتيجة لانفلات أسعار النفط فى ظل إغلاق مضيق هرمز، مع تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، وفى حال بقاء الوضع الراهن، ستكون العاقبة هى الوقوع من حالق فى الركود التضخمي، والشلل الاقتصادى كما حدث فى ثلاثينيات القرن الماضى خلال الكساد العظيم، وما أخطرها من مأساة.

حمى الله مصر وشعبها

ومؤسساتها الوطنية من كل سوء

أخبار الساعة