ثلاثة عشر عاما مرت على ثورة الثلاثين من يونيو؛ عمر قد يبدو فى حساب الزمن قصيرا، لكنه فى تاريخ الأوطان ومساراتها كان حافلا بتحولات جذرية وعميقة، بدأت هذه السنوات بإنقاذ تاريخى لهوية الدولة ومؤسساتها من مشروع كاد يعزل مصر عن محيطها، لتنطلق بعدها البلاد فى ماراثون شاق لإعادة بناء البنية التحتية وتثبيت أركان الدولة الأمنية والسياسية فى ظل إقليم يعج بالصراعات، لكن اليوم وبعد انقضاء هذه السنوات الـ13 يفرض الواقع الاقتصادى أسئلته الصعبة والمشروعة بجرأة: أين يقف الاقتصاد المصرى الآن؟، ولماذا ما زلنا نتحرك فى حلقة مفرغة بين أزمات الصرف واستحقاقات الديون رغم كل ما جرى تشييده من بنية أساسية؟
لأجل البحث عن إجابات حقيقية، التقينا بالدكتور سمير رضوان، وزير المالية الأسبق والمفكر الاقتصادى البارز، والمدير السابق لمنتدى البحوث الاقتصادية في البلاد العربية وإيران وتركيا ومستشار مدير عام منظمة العمل الدولية لسياسات التنمية والدول العربية سابقا، وعن عمد جاء هذا الحوار بعيدًا قدر المستطاع عن الأرقام الجافة والمسكنات الموضعية؛ ليذهب مباشرة نحو تفكيك «البنية الهيكلية للاقتصاد» فإلى نص الحوار:
توليت حقيبة المالية فى فترة بالغة الحساسية عقب يناير 2011، فكيف تقيم المشهد من منظور المقارنة التاريخية والسياسية بين ما قبل 30 يونيو وما بعدها؟ وهل هناك تطابق؟
بالتأكيد لا يمكن القول بأن الوضع متطابق؛ فهناك تغيرات جذرية حقيقية حدثت وإذا أردنا تقسيم المشهد إلى مراحل زمنية واضحة، فإننا نجد أن المرحلة الممتدة من 25 يناير 2011 وحتى 30 يونيو 2013 كانت مرحلة عدم استقرار سياسى واقتصادى بلا أدنى شك، وإحصائيا كان النشاط الاقتصادى فى تلك الفترة شبه متوقف، لكن فى المقابل حدثت نقلة نوعية فى قدرة المجتمع المدنى على التعبير عن أنفسهم والنشاط بحرية، ونحن جميعًا استبشرنا خيرًا بـ 30 يونيو وليس من دافع عاطفى فقط، بل من واقع معلومات مؤكدة أن هذا البلد كان يراد به شر نهائى وتدمير كامل.
بالعودة إلى كواليس تلك المرحلة، شهدنا ترتيبات وتحركات دولية لفرض الإخوان الإرهابية على مصر وعزلها عن محيطها، كيف تقرأ هذا التكالب الخارجى فى سياقه التاريخى؟
لقد كتبت هيلارى كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة فى مذكراتها ما معناه: «إننا كنا نخطط لكى يسيطر الإسلاميون على مقاليد الحكم فى منطقة الشرق الأوسط بأكملها من طنجة وحتى باكستان»، هذا الكلام مكتوب بالحرف تقريبًا فى مذكراتها، ولكن جاءت ثورة 30 يونيو والكل يتذكر كيف نزلت الملايين واحتشدت فى الميادين وحطمت آمالهم جميعًا، وهذا الأمر وحده يكفى للاحتفاء بـ 30 يونيو؛ يكفيها فخرًا أنها أحدثت عملية «إنقاذ كامل لهوية مصر».
ماذا عن فترة حكم الجماعة الإرهابية التى سبقت الثورة؟ وكيف تقيم معالمها الإدارية والاقتصادية؟ ولماذا سقطوا بهذه السرعة؟
فترة حكم الإخوان تميزت فى الحقيقة بأمر كنت أستغربه كثيرًا وهو فشلهم التام فى إدارة شئون البلاد، والسبب فى ذلك يكمن فى آلية الاختيار فعندما كنت أدرس فى جامعة لندن بالمملكة المتحدة كان هناك عدد كبير جدًا من زملائى المبعوثين المنتمين إلى تيار الإخوان، وكانوا بلا استثناء على مستوى علمى ومهنى عاليا جدًا فى مجالات الطب والهندسة المتقدمة كـ (هندسة الفضاء)، وكان لدينا عدد كبير منهم أيضًا فى معهد التعليم بلندن، ولكن المفاجأة أنه عندما تشكلت حكومتهم فى مصر لم أجد وجهًا واحدًا من تلك الوجوه والكفاءات المتعلمة فى الخارج، وعندما تساءلت واستفسرت من بعض المعارف عن غياب فلان وفلان جاءت الإجابة بأن «هؤلاء ليسوا قطبيين» مما يعنى وجود أجنحة داخلية لديهم، وأنهم اختاروا «أهل الثقة» واستبعدوا «أهل الخبرة»، وهو ما أدى مباشرة إلى فشلهم، أضف إلى ذلك عدم إدراكهم لطبيعة وخصوصية الشخصية المصرية لأنهم خلطوا خلطًا فادحًا بين مفهوم الأمة ومفهوم الدولة؛ فالشخص الذى يدير دولة لا يمكنه القول «لا يهمنى إن جاء ماليزى ليحكم مصر»، بل فى إدارة الدولة هذا الأمر يهم وجوهرى للغاية، ومن هنا كانت تلك الفترة كاشفة لقصور وافتقار هذا التيار لآليات الحكم وصيانة الدولة.
بالانتقال لمرحلة ما بعد 30 يونيو وتحديدًا منذ عام 2014 وحتى الآن، كيف ترى البدايات والمسار الذى اتخذته الدولة لاحقًا؟
البدايات فى الحقيقة كانت مبشرة للغاية، وجاءت مباشرة عبر مجموعة التوجهات السياسية التى أنقذت مصر من التحول إلى دولة منحازة لفريق دون آخر، وصانت مفهوم المواطنة وعملية بناء الدولة وإعادة هيكلتها، وحقيقةً لعبت القوات المسلحة دورًا محوريًا مهمًا، كما لعب المجتمع المدنى دورًا حيويًا ومؤثرا خلال تلك الفترة، وبدأ الناس يستبشرون خيرًا ويكتسبون الثقة فى هذا الاتجاه العام ولكن المسار الاقتصادى شهد تغييرات بالتدريج لاحقًا.
ما هو تقييمك لمعدلات النمو المحققة مقارنة بالنمو السكاني؟ وما مصادر هذا النمو؟
بلغ متوسط معدل النمو الاقتصادى على مدار الـ 12 سنة الماضية نحو 4 فى المائة فقط، فى حين أن معدل نمو السكان يبلغ 2 فى المائة وهذا يعنى أن الصافى المتبقى للتنمية هو 2 بالمائة فقط، وهو معدل ضئيل للغاية ولا يمكن بأى حال من الأحوال أن يؤدى إلى تنمية ملموسة للمواطنين، وهذا أحد الأسباب الرئيسية للأزمة الراهنة، أما عن المصادر فالواقع يظهر اعتماد النمو على «المصادر الريعية» والمقصود بها هى التدفقات المالية القادمة من الخارج والتى لا تملك الدولة سيطرة كاملة أو تحكمًا مباشرًا فى استدامتها؛ مثل قطاع السياحة الذى يمر بمراحل تذبذب بالرغم من تحسنه الحالي، ومثل الهبات والمساعدات من الدول العربية الشقيقة، والاعتماد على الهبات أمر لا يمكن الاستناد إليه مطلقًا؛ وأذكر هنا كمعلومة موثوقة وليس مجرد تحليل أنه فور تولى الرئيس السيسى والحكومة (عقب الثورة)، صدرت أوامر وضغوط من أمريكا وأوروبا وتحديدًا من بريطانيا موجهة لبعض الدول لمنع ووقف تقديم المساعدات المالية لمصر، وبالتالى فإن الاعتماد على مصدر ريعى خارجى متقلب وهو خلل استراتيجى.
فى تمويلها للتنمية لجأت الحكومات المتعاقبة لثورة يونيو إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولى والأسواق المالية الخارجية، ما تبعات هذه الخطوة؟
كانت الدولة بحاجة للذهاب إلى الصندوق، وبالرغم من أن وزارة المالية بها رجال مهنيون يفهمون جيدًا ويحاولون إدارة ملف الديون، ومصلحة الضرائب تبذل جهودًا كبيرة، فإن هناك غياب الاستراتيجية التفاوضية، والإجابة الواضحة مسجلة فى تقارير الصندوق نفسها تحت ما يسمى «مراجعة المادة الرابعة» وما حدث هو أن الحكومة طبقت الإجراءات القاسية التى لم يكن الصندوق يضعها في قمة الأولويات، وفى المقابل لم تنفذ الإصلاحات الهيكلية التى يهتم بها الصندوق ويصر عليها، وأهم نقطة تتكرر هى «تخارج الدولة من النشاط الاقتصادى» وإفساح المجال للقطاع الخاص، هذا التخارج لم يحدث كما ينبغى و«وثيقة ملكية الدولة» التى رحبنا بها جميعًا لم تنفذ فعليًا على أرض الواقع؛ فأين هى الطروحات الحقيقية؟
فى المقابل، النقطة التى كان ينبغى على مصر فرضها والتمسك بها والصندوق كان يمكنه قبولها هى «عدم الاندفاع غير المدروس فى تحرير وتمرير زيادات الأسعار بشكل عشوائى دون كبح التضخم»، فمستهدفات السياسة النقدية والمالية غاب عنها التنسيق الكامل لضبط الأسواق، نعم لدينا برامج مثل «تكافل وكرامة» وهى جيدة ولكنها ليست حلًا جذريًا لأزمة الغلاء.
وماذا عن الاقتراض الخارجى هل نحن فى مستويات آمنة؟
إجمالى الديون الخارجية يتراوح بين 163 إلى 165 مليار دولار، وهو رقم يفرض ضغوطًا هائلة على الموازنة العامة للدولة وعلى الأجيال القادمة، وهنا أستحضر قاعدة صارمة كانت مطبقة قبل ثورة يناير: «لا قروض من الخارج دون خطة سداد واضحة ومسبقة» والمخرج الجذرى من هذه المنطقة غير الآمنة يبدأ بوقف الاقتراض، وإعادة ترتيب أولويات المشروعات القومية فنستكمل ما شارف على الانتهاء منها ونرجئ المشروعات الأخرى، كما يجب ألا نعتمد على «إعادة جدولة وتمديد آجال الديون» كحل وحيد لأنها مجرد مسكن موضعى يخفف الضغوط الآنية ويرحل العبء المالى للمستقبل، بل يجب دمج السياسة فى لعبة التفاوض الاقتصادى؛ فمصر تلعب دورًا استراتيجيًا وجيوسياسيًا هائلًا فى حماية أمن المنطقة ولذا يجب وضع رقم واضح وتكلفة محددة لهذا الدور كبند رئيسى فى تفاوضنا المالى مع القوى الدولية والأشقاء فى الخليج، لفرض ما يُعرف اقتصاديًا بـ «عائد السلام» خاصة أننا نملك مصادر قوية داعمة مثل تحويلات المصريين بالخارج التى تجاوزت 41 مليار دولار فى 10 أشهر فقط، ما يمنحنا أوراق قوة حقيقية إذا أحسنّا استخدامها.
لديك تجربة موثقة فى ملف «مبادلة الديون» تنمويًا فهل يمكن تكرارها أو تكرار سيناريوهات إسقاط الديون التاريخية استنادًا لوزن مصر الجيوسياسى؟
نجحنا سابقًا فى صياغة اتفاقيات لمبادلة الديون مع فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وتحويل تلك الديون إلى عملة محلية وضعت فى صندوق تنموى مشترك، ووجهت بالكامل لتنمية الصعيد عبر تمويل مشروعات زراعية تحويلية ومحو أمية الفتيات تكنولوجيًا كعمل إنتاجى يحفظ كرامة المواطن. فنيًا، الديون السيادية والسندات الدولية غير قابلة للمبادلة لكن تذكرى أن مصر أُعفيت من 50 فى المائة من ديونها لدى «نادى باريس» (عامى 1991 و2003) تقديرًا لدورها المحورى فى حرب الخليج، واليوم تلعب مصر دورًا استراتيجيًا هائلًا فى حماية أمن المنطقة؛ ولذا يجب وضع رقم واضح وتكلفة محددة لهذا الدور الاستراتيجى كبند رئيسى فى تفاوضنا المالى مع القوى الدولية.
وكيف تقيم بيع الأصول كأداة لتمويل عملية التنمية؟
أدعم التوجه لزيادة الاستثمار وإفساح المجال للقطاع الخاص كشريك تنموي، ولكن السؤال الجوهري: ما الذى نقوم ببيعه؟ ومتى نبيع؟ وهل توجد أشكال وصيغ تمويلية أخرى بديلة لبيع الأصول؟، والحقيقة أننى أرى أن الإشكالية الكبرى هنا تكمن فى «ضبابية المعلومات» لأن غياب المعلومات الرسمية يفسح المجال واسعًا لانتشار الشائعات وتضخيم المخاوف.
فعلى سبيل المثال، خفض قيمة العملة المحلية (التعويم) أدى بالتبعية إلى تراجع قيمة الأصول المصرية، ولذا توقيت البيع بعد تراجع قيمة العملة المحلية مباشرة «غير موفق»، وبالمثل عندما ننظر إلى بيع بعض المصانع الحيوية والاستراتيجية مثل «مصانع الأسمدة»، نكتشف خطورة غياب الرؤية؛ فالأسمدة اليوم ليست مجرد سلعة تجارية، بل هى قضية «أمن قومى»، كذلك بيع 8 من أجمل وأعرق الفنادق التاريخية أمر محزن لأنها أصول تدر عوائد مستمرة بالعملة الصعبة، لذا أى حديث عن التنمية لابد أن يكون مصحوبًا بـ «استراتيجية واضحة ومدروسة لتمويل التنمية».
الضرائب مورد رئيسى للموازنة العامة وإحدى أدوات تمويل المشروعات التنموية فهل أسهمت الرقمنة فى كبح التهرب الضريبى وتحسين كفاءة التحصيل؟
بالتأكيد، الرقمنة ترفع كفاءة التحصيل وتغلق منافذ الفساد؛ فنحن لدينا حجم تجنب وتهرب ضريبى يُقدر بنحو 70 مليار جنيه، وسد هذه الفجوة بالتفاوض والتفاهم مع مجتمع الأعمال سيحقق طفرة مالية، والخلل الهيكلى التاريخى هو الاعتماد الأكبر على «الضرائب غير المباشرة»، وهى ضرائب تنازلية تضغط بقسوة على الفقراء والطبقة المتوسطة، فى حين أن الضريبة على الثروة لا تتجاوز 2 فى المائة من الحصيلة.. نحن نركز على هدف «الحصيلة» على حساب هدف «العدالة»، وليس منطقيًا أن يكون العبء الضريبى على المواطن البسيط أعلى نسبيًا من أصحاب الثروات المحققين لأرباح طائلة.
قبل الحديث عن البنية التنموية ومصادر تمويلها هل هناك عوائق للتنمية بخلاف التمويل؟
البيروقراطية هى منبع الفساد الذى حتما يعوق التنمية، والتحول الرقمى هو الحل لإغلاق هذه المنافذ إلى جانب تطوير منظومة الرقابة نفسها؛ فعلى سبيل المثال الجهاز المركزى للمحاسبات أصبح يركز على «الرقابة المستندية»، فإذا أنفقت الميزانية دفتريًا اعتبر المشروع ناجحًا بنسبة 100 فى المائة، دون قياس «كفاءة الإنفاق»؛ البيروقراطية تعطلنا؛ وفى عام 2010 أسسنا مشروع «إرادة» لتنقية التشابكات القانونية، وصُدمنا حين وجدنا فى وزارة الزراعة مثلًا 45 ألف موظف معينين فى «قسم الغابات»، رغم عدم وجود غابات فى مصر.
على ذكر العمالة الزائدة فى الجهاز الإدارى كيف يمكن تفكيك معضلة الـ 7 ملايين موظف فى الجهاز الإدارى للدولة دون تشريدهم؟
نحتاج لأفكار مبتكرة وتجارب التقاعد المبكر السابقة فشلت لأن الموظف استهلك مكافأته السائلة سريعًا وعاد لنقطة الصفر، والبديل هو النموذج التركى مع العمالة العائدة من ألمانيا: منح الموظف «مشروعًا إنتاجيًا أو خدميًا جاهزًا وممولًا»، فمصر بحاجة لمليون موظف كحد أقصى فى الجهاز الإدارى (بريطانيا وتركيا تدار حكوماتهما بـ 600 ألف موظف فقط) والـ 6 ملايين المتبقون يتم إعادة تأهيلهم ودمجهم فى شركات مساهمة خدمية لإنقاذهم من البطالة.
ما البدائل التمويلية والمصادر الحقيقية للتنمية المستدامة؟
دعونا نتفق على حقيقة تاريخية واقتصادية دامغة؛ وهى أنه ليس هناك نموذج للتنمية نجح فى العالم، إلا وكان قائمًا بالأساس على قطاع «التصنيع» فالمشكلة البنيوية لدينا فى مصر أنه حدثت عملية تجريف مستمرة يمكن تسميتها بـ«تفكيك التصنيع»؛ والسبب فى ذلك هو استسهال عملية الاستيراد من الخارج وتحديدًا استيراد السلع منخفضة القيمة والنوعية من دول آسيا بدلًا من إنتاجها محليًا، وعملية التصنيع تبدأ أولًا بالنظر الدقيق والفاحص فى «قائمة الواردات» والواردات المصرية الحالية تمثل ضعف الصادرات؛ فنحن نستورد بنحو 83 مليار دولار فى حين أن صادراتنا كانت تدور حول 15 مليارا وتصل فى أفضل أحوالها لـ 48.5 مليار دولار ولم يحدث أى تغيير هيكلى فى هذا النمط التقليدى العقيم والحل العملى يكمن فى إحضار قائمة السلع ومستلزمات الإنتاج التى نستوردها، والجلوس الفورى مع اتحاد الصناعات وجمعيات رجال الأعمال، ونوجه لهم سؤالًا مباشرًا ومحددًا: «هذه هى السلع التى نستوردها ونستنزف بها الدولار، فماذا تحتاجون لإنتاجها محليًا؟ وما تسهيلات الائتمان أو الإجراءات المطلوبة؟»، هذا بالضبط ما فعلته ماليزيا وسنغافورة وفيتنام التى باتت تنافس الصين بقوة.
التصنيع بحاجة لتكنولوجيا، كيف ندمج مصر فى سلاسل الإمداد العالمية لتوطين التكنولوجيا بدلًا من مجرد التجميع؟
توطين تكنولوجيا الصناعة لا يأتى بإطلاق الشعارات دون آليات؛ فالتجارة الدولية تسيطر على 80 إلى 90 فى المائة منها الشركات متعددة الجنسيات، والدول التى حققت طفرات حقيقية كالهند والصين وفيتنام وجنوب إفريقيا والبرازيل نجحت لأنها انخرطت ودمجت نفسها فى «سلاسل الإنتاج العالمية» وشركة مرسيدس لا تنتج سيارتها بالكامل فى ألمانيا بل تنتج أجزاءها فى 30 دولة مختلفة، والدراجة الهوائية البسيطة تُنتج فى 12 دولة فيجب أن ندخل فى هذا النظام، ولقد بدأنا بالفعل هذه المحاولة فى عام 2010 ودخلنا بقوة فى قطاعات الغزل والنسيج والأثاث والصناعات الهندسية، ووصلنا لإنتاج قطع غيار شديدة الدقة والقيمة لشركة «بورش» للسيارات الفارهة، لكننا تراجعنا ووقفنا فى مكاننا لاحقًا، لأن الدخول فى سلاسل الإنتاج العالمية ذات القيمة المضافة العالية يتطلب شرطًا حاسمًا وهو «الجودة والنوعية الصارمة والالتزام الكامل»، ولا مجال للتهاون فيها، وطوال الـ 12 عامًا الماضية لم تكن هناك محاولات حقيقية لتوطين التكنولوجيا بل كلها عمليات «تجميع»، وقد رأيت التجربة الصينية بعينى فى الثمانينات عندما كان يأتى الاستثمار الأجنبى كان يوضع شرط صارم بنقل التكنولوجيا عبر جدول زمنى قد يمتد لـ 20 سنة.
يبدو أنك تؤمن بأن القطاع الخاص هو من يقود التنمية فإلى أى مدى ترى مزاحمة الدولة للقطاع الخاص فى العملية الإنتاجية؟
أنا لست ضد أن يكون للحكومة دور أو نشاط اقتصادي، بل على العكس تمامًا دور الحكومة التنموى والرقابى والسيادى سيكون أكبر وأعظم بكثير لو تبنينا استراتيجية تنموية حقيقية ومختلفة عن السابق لكن الخلل الراهن هو أن الحكومة تلعب دورًا إنتاجيًا ومنافسًا ليس دورها الأصيل، فمثلًا قبل عام 2014 وتحديدًا فى حدود عام 2000 وما بعدها كان نصيب القطاع الخاص من إجمالى القروض والتسهيلات الائتمانية الممنوحة من النظام المصرفى يبلغ 70 فى المائة، فى حين كان نصيب الحكومة 30 بالمائة فقط، اليوم انقلبت الآية تمامًا وأصبح المشهد معكوسًا.
وفقًا لمؤشر البنك الدولى يبلغ مؤشر مصر لرأس المال البشرى 49 بالمائة فقط، كيف ترى إدارة هذا الملف؟
الميزة النسبية والمصدر الأساسى الوحيد للنمو الحقيقى فى مصر هو «العامل البشرى ورأس المال الإنساني»؛ فنحن لا نملك بحارًا من البترول والغاز، ولكننا نملك ثروات بشرية ومعادن غير مستغلة يجب إحداث نقلة نوعية وجذرية من نموذج النمو الحالى القائم على «العقار والبيع والمضاربة» إلى نموذج إنتاجى حقيقي، وهذا المؤشر الصادم (49 بالمائة) يعنى أن المواطن المصرى يسهم بنصف طاقته الإنتاجية المفترضة فقط نتيجة قصور مستويات التعليم والصحة، فى المقابل تبلغ هذه النسبة فى سنغافورة 88 فى المائة، وإسرائيل 73 بالمائة، والصين 65 بالمائة، ونحن نصدر عمالة مؤهلة كالأطباء والمهندسين والمصرفيين ينجحون فى أى مكان فى العالم، لكننا بحاجة لعملية ثورية للارتقاء بكفاءة العامل للإنتاج المحلى والتصدير، فالقطاع الخاص اليوم يعانى من أزمة خانقة فى العثور على عمالة فنية مدربة وماهرة.
ولكن عجز الموازنة يحول دون تمويل عملية تطوير منظومتى الصحة والتعليم؟
المشكلة أن الإنفاق على التعليم والصحة فى مصر يذهب بالكامل كأجور للموظفين والإداريين وليس على تطوير المعلمين والأطباء والمناهج والمستشفيات، وقد يظن البعض أن تطوير التعليم يستلزم عقودا فى حين أن تجربة ماليزيا استغرقت سنتين فقط حيث تم تركيز الإنفاق على التخصصات الفنية والتكنولوجية التى يحتاجها سوق العمل بدقة لإنتاج المهندسين والفنيين والأطباء والممرضين، مع الاستعانة المباشرة بخبراء دوليين صاغوا المنهج ودربوا الكوادر، فالإصلاح الشامل يستلزم توجيه الموازنة نحو مراحل ما قبل الحضانة والابتدائى والإعدادي، وتطبيق النظام الألمانى أو السويسرى الصارم بفرز الطلاب بعد الثانوية العامة وتوجيه الكتلة الأكبر نحو التعليم الفنى والتكنولوجى المتقدم واللغات والكمبيوتر، بدلًا من طوفان شهادات الجامعات النظرية والدكتوراه لأشخاص لا يجيدون كتابة جملة سليمة، ففى منتدى دافوس تم التأكيد أن 250 مهنة تكرارية ستختفى تمامًا بفعل الذكاء الاصطناعي، ونحن بحاجة لثورة تعليمية تعيد للعنصر البشرى كفاءته وجديته.
كيف تقيم مستويات الدخل وآلية وضع الحدين الأدنى والأقصى للأجور فى مصر؟
مصر كانت من أوائل الدول التى وضعت نظامًا للأجور عام 1940 بناءً على تقرير الخبير الدولى «هارولد باتلر» الذى وصف أجورنا آنذاك بـ «الفوضى»، وقد خضع النظام فيما بعد لترقيع سنوى تجسد فى عهد مبارك بإعلان «العلاوة الرئاسية» السنوية كمنحة استعراضية مفرغة من القيمة، وأثناء تولى الوزارة فى المرحلة الانتقالية وضعت مع وزير العمل آنذاك الدكتور أحمد حسن البرعى نظامًا علميًا للحد الأدنى للأجور، فقامت الدنيا ضدى وأُغلق الملف فور خروجى من الحكومة، والآلية العلمية المتبعة دوليًا هى ربط الحد الأدنى للأجور تلقائيًا وبشكل دورى بـ«خط الفقر» الحقيقى إذا كان خط الفقر الفعلى المقدر لتعيش الأسرة بكرامة هو 7000 جنيه (على سبيل المثال) يصبح الحد الأدنى فورًا وبقوة القانون 7000 جنيه للجميع، ثم يرتفع هذا الحد تلقائيًا وبشكل دورى كل عام بناءً على معدلات التضخم المعلنة؛ دون الحاجة لقرارات جمهورية متكررة، وهذا النظام يتم إدارته عبر لجنة ثلاثية دائمة تضم (الحكومة، أصحاب الأعمال، والنقابات العمالية) مع وجود محكمة عمالية متخصصة للفصل فى النزاعات.
ألا ترى أن برامج الدعم المختلفة مثل «تكافل وكرامة» تعوض عدم التوازن فى هيكل الأجور؟ وما البديل الذى يغنى عن الدعم؟
برامج الدعم جيدة ولكن يلتهمها التضخم تمامًا ويفقدها قيمتها، وأنا مع الدعم النقدى كفلسفة، ولكن «بشروط صارمة ومقيدة تشمل المراجعة المستمرة والدورية الدقيقة وفق مستويات التضخم وانخفاض قيمة العملة»، لضمان عدم تآكل القوة الشرائية للدعم (بحيث لا تتحول الألف جنيه لخمسمائة جنيه فجأة) على أن يكون الهدف الاستراتيجى النهائى للدولة هو الانتقال الشامل من تقديم الدعم إلى توفير فرص الإنتاج والعمل والكرامة الإنسانية، لكى تختفى الحاجة لوجود الدعم تمامًا.
ما الآلية التى يمكن من خلالها الاستغناء عن الدعم؟
الآلية الوحيدة التى تغنى عن الدعم هى «التشغيل»؛ بأن يكون هناك فرد أو فردان أو أكثر فى الأسرة يعملون، وزيادة نسبة مساهمة المرأة المصرية فى قوة العمل، فهى حاليا تتراوح ما بين 20 إلى 25 فى المائة فقط وفى بلد مثل مصر بدأ التعليم فيه منذ القرن التاسع عشر، وبالإضافة إلى ذلك هناك إشكالية عدم المساواة فى الأجر بين النساء والرجال المتساويين فى نفس الوظيفة فلا يعقل أن تكون النسبة هكذا فى بلد بحجم مصر لذلك فإن المناقشة الوطنية لابد أن تكون عملية وتركز على رفع نسب التشغيل.
على ذكر تآكل الدخول بفعل التضخم وهو ملف يمثل تحديا يؤرق صانعى القرار كيف ترى إدارة هذه المنظومة؟
التضخم أثره واحد ومدمر وسلبى فى أى مكان والناس بطبيعتها تكره الغلاء، ومحافظ البنك المركزى الحالى حسن عبدالله عندما تولى منصبه حاول بقدر الإمكان وبأدوات السياسة النقدية استهداف التضخم والاستعانة بمحافظ بنك مركزى تدرّج فى قلب النظام المصرفى كانت خطوة موفقة؛ فالرجل يفهم أصول اللعبة المصرفية وتحمل ضغوطًا هائلة، ولكن البنك المركزى بمفرده ليس السلطة الوحيدة ولا يملك العصا السحرية؛ فالسيطرة على التضخم تتطلب منظومة متكاملة تشمل المحليات والرقابة على الأسواق وهياكل الإنتاج، والغريب هنا أنه عندما تنخفض الأسعار العالمية للغذاء لا نجد أى انخفاض لها فى السوق المحلى، «إدارة الأزمات».
وصفت الوضع الراهن بأننا «أمة فى خطر»، ما محددات هذا الخطر داخليًا وخارجيًا فى ظل المشهد الجيوسياسي؟
على المستوى الخارجي فنحن محاطون بملفات إقليمية وجيوسياسية ملتهبة؛ وتاريخيًا القوى الكبرى لم تغفر لمصر مسار 30 يونيو الذى أحبط مشروع تقسيم المنطقة، وسيحاولون دائمًا الضغط عبر ملفات النقد، واللوائح الجاهزة لـ«حقوق الإنسان والمرأة»، فضلًا عن محاولات الجانب الإسرائيلى لتصدير أزماته الداخلية إلينا؛ لذا وجب التحسب وإدارة هذه الأخطار مبكرًا، وأما عن الصعيد الداخلى فالأزمة تتلخص فى تفاقم الفجوة وعدم المساواة وتراجع جودة قطاعى التعليم والصحة واهتزاز الإحساس بالأمان الاجتماعى والمؤسسى.
وهل يمثل صعود التيار اليمينى بعد ولاية ترامب الثانية خطرًا علينا؟
العالم لا يعيش حاليًا فى نظام متعدد الأقطاب، بل يمر بحالة تمزق نتيجة الصراع العنيف بين أمريكا والصين لبسط السيادة، وفى ظل ولاية ترامب الثانية الحالية لعام 2026 تُنفذ بصرامة ما يسمى بـ«أجندة 2025» الصادرة عن مؤسسة «هيريتيجفاوندشين» المحافظة، وهى خطة من ألف صفحة تم إعدادها بالأسماء والقرارات لتقهقر وتحجم المؤسسات الدولية والإقليمية وتفرض رسوم إغراق، والتعامل مع الشرق الأوسط من منظور اقتناص المقدرات لدعم مصالحهم، وفى ظل هذا المناخ الدولى الممزق الدول يجب أن تتخذ قرارًا مصيريًا وتحدد خياراتها وهويتها الاقتصادية بوضوح إما عبر التحالف الواضح أو لعب «لعبة الأمم» الذكية والتوازنات التى برع فيها جمال عبد الناصر فى الستينيات، وتلعبها الهند اليوم بجدارة مع ترامب وبوتين والصين معًا.
المؤثرات الدولية الخارجية (كورونا، حرب أوكرانيا، حرب غزة، حرب إيران) أثرت بعنف على مصر، فكيف ننتقل إلى «إدارة المستقبل»؟
المؤثرات الدولية الخارجية أثرت علينا بشكل عنيف ولا يمكن إنكار ذلك، ولكن من منظور إدارة الاقتصاد وتوجيهه للمستقبل، يجب أن نقول بوضوح إن «ما حدث قد حدث» ونحن الآن نقف أمام فرصة ذهبية مع وجود حكومة جديدة، ونحتاج بشكل ملح وصارم الانتقال من «إدارة الأزمات اليومية» إلى عالم أرحب وأوسع وهو «إدارة المستقبل»، ويجب أن نخرج من غرفة الإنعاش المرتبطة ببرامج صندوق النقد الدولي، فعشر سنوات من البقاء تحت وصاية وتحت مظلة هذه البرامج كافية تمامًا، وأتمنى ألا تتجدد هذه الاتفاقيات التمويلية؛ وهذا لا يعنى أبدًا مقاطعة الصندوق فمصر عضو مؤسس، ولكن يجب أن يقتصر دورنا على الاستفادة من «التعاون الفنى» والخبرات الاستشارية فقط.
المخرج الاقتصادى للأجل القصير (حتى عام 2030) يتطلب ثلاثة محاور: إعادة توازن الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدنى، الاستقرار التشريعى للمستثمرين، ووقف الاقتراض مع إعادة ترتيب أولويات المشروعات القومية فنستكمل ما شارف على الانتهاء، ونرجئ المشروعات الأخرى لتقليل النزيف المالي، وتضخم الديون قاد سابقًا لطباعة النقود مما فاقم التضخم وهنا أستحضر قاعدة صارمة كانت مطبقة فى حكومات ما قبل 2011: «لا قروض من الخارج دون خطة سداد واضحة».
هل ترى أن وضعنا الجيوسياسى جيد بما يكفى للخروج من عنق الزجاجة؟
الموقف الجيوسياسى لمصر تحسن دوليًا بوضوح، ولقد رأينا فى اللقاءات الأممية الأخيرة كيف تعامل الرئيس الأمريكى ترامب بتقدير كبير مع الرئيس السيسي، وكذلك رئيسة وزراء إيطاليا ميلونى وهى مسائل محسوبة بدقة فى السياسة الدولية وتثبت استقرار الدولة، يضاف إلى ذلك العوامل الإيجابية كافتتاح المتحف المصرى الكبير الذى يعتبر صرحًا عالميًا يدار بكفاءة ممتازة وبدء تحسن عوائد السياحة والصادرات، والبنية الأساسية من طرق وكبارى نُفذت بالكامل وأصبحت واقعًا ولا داعى لاستمرار الجدل حول جدواها.
بعد التهدئة فى الشرق الأوسط.. كيف تلعب قناة السويس دورا في التجارة العالمية؟
قناة السويس الجديدة ستبهر الجميع بأهميتها فور عودة حركة التجارة الدولية لطبيعتها بعد التهدئة في المنطقة، بشرط تحويلها إلى منظومة متكاملة من الخدمات اللوجستية والسياحية المتطورة، والإصلاح يتطلب ركيزتين: بناء القوة الذاتية الاقتصادية الوطنية جنبًا إلى جنب مع القوة الأمنية وتنويع العلاقات الدولية بذكاء حتى لا نكون أسرى أو رهائن لدى فريق دولى دون الآخر.
رغم كل هذه الصعوبات والمحاذير، ما زلت تحتفظ بلقبك الشهير فى الوسط الاقتصادى «الوزير المتفائل»، ما مصدر هذا التفاؤل؟
إيمانى المطلق بالعبقرية الكامنة فى هذا الشعب، فالمصريون ينجحون بامتياز متى توفرت لهم البيئة الصحية؛ ورأيت ذلك بنفسى فى مدير مصرى يدير أفخم فنادق الدنمارك بكفاءة مبهرة، وفى مسيرة الراحل أحمد زويل والدكتور مصطفى السيد، والمهندس المصرى الذى صمم شبكة مواصلات برلين، وكانت ميركل تشيد به، حتى الفلاح البسيط إذا أمن لكِ وتحدثتِ معه تكتشف ذكاءً فطريًا وتحليلًا يفوق شهادات الدكتوراه؛ هذا البلد يستحق مكانة أفضل بكثير، ومن هنا ينبع تفاؤلى دائمًا.