الأمر الذى شهد توجيهات الرئيس السيسى للحكومة بتكثيف جهودها لتوفير أحدث الخدمات الرقمية للمواطنين فى إطار استراتيجية الدولة لمضاعفة قدرات البنية المعلوماتية الرقمية والسعى إلى نشر وتوطين خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فى مختلف المشروعات لخدمة الاقتصاد الوطنى عبر استراتيجية متكاملة وتدشين قواعد بيانات كاملة لمصر بهدف القضاء على الفساد وتسهيل حياة المواطنين وتحسين أحوال المواطنين المادية والاجتماعية، وهو ما يسعى المهندس رأفت هندى، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إلى ترجمته على أرض الواقع فى كل القطاعات.
وشهد قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فى مصر خلال السنوات من 2014-2025 طفرة غير مسبوقة حوّلته من قطاع خدمى تقليدى إلى محرك رئيسى للنمو الاقتصادى والتنمية المستدامة حافظ القطاع على صدارته كأعلى القطاعات نموًا لثمانى سنوات متتالية، محققًا معدلات نمو تراوحت بين 14 بالمائة و16بالمائة سنويًا وزادت مساهمته فى الناتج المحلى الإجمالى من نحو 32 بالمائة إلى 6 بالمائة وتعكس هذه الإنجازات رؤية استراتيجية متكاملة تحت مظلة مصر الرقمية ركزت على البنية التحتية والمهارات البشرية والابتكار والتصدير.
ونجحت وزارة الاتصالات فى ربط 1100 قرية بمبادرة حياة كريمة من أصل 1400 فى المرحلة الأولى ومن المقرر إتمامها بالكامل خلال أشهر قليلة.. للوصول إلى 50 فى المائة من المواطنين فى القرى وتم ربط 21 ألف مبنى حكومى بالألياف الضوئية من أصل 33 ألف مبنى ومستهدف الانتهاء من المشروع خلال عامين إلى ثلاثة أعوام، وتقوم استراتيجية الوزارة على استكمال تطوير البنية التحتية لرفع جودة شبكة الإنترنت واستبدال الكابلات النحاسية بالفايبر فى المنازل والمناطق السكنية لضمان كفاءة الخدمة
وفى مجال الاتصالات والبنية التحتية ضُخت استثمارات تجاوزت 6 مليارات دولار منذ 2019 لتطوير شبكات المحمول والإنترنت الثابت ارتفع متوسط سرعة الإنترنت الثابت أكثر من 16 مرة ليصل إلى نحو 85-91 ميجابت/ثانية محافظًا على صدارة مصر للقارة الإفريقية وزاد عدد أبراج المحمول من نحو 7 آلاف إلى أكثر من 37 ألف برج مع إطلاق خدمات الجيل الخامس 5G بعد تخصيص ترددات بقيمة 675 مليون دولار وأصبحت مصر ممرًا حيويًا لحركة البيانات العالمية إذ يمر عبرها أكثر من 90 فى المائة من حركة الإنترنت بين آسيا وأوروبا عبر 21 كابلًا بحريًا دوليًا.
أما مجال البريد فقد تحول إلى منصة رقمية متكاملة تدعم الشمول المالى والخدمات الحكومية توسعت شبكته إلى نحو 4700 منفذ مع تطوير أكثر من 85 فى المائة من المكاتب ونشر آلاف الصرافات الآلية وزيادة الخدمات الرقمية من 15 إلى أكثر من 170 خدمة
وفى بناء القدرات الرقمية أنشئت مراكز إبداع مصر الرقمية Creativa التى بلغ عددها أكثر من 20-23 مركزًا فى مختلف المحافظات أسهمت هذه المراكز فى تدريب مئات الآلاف من الشباب سنويًا فى مجالات الذكاء الاصطناعى وعلوم البيانات والأمن السيبرانى مع احتضان مئات الشركات الناشئة ودعم العمل الحر.
وفى خدمات التعهيد والصادرات الرقمية قفزت الصادرات من حوالى 15-33 مليار دولار إلى 74 مليار دولار فى 2025 بنمو تراكمى 124 بالمائة منها 48 مليار دولار من خدمات التعهيد ارتفع عدد الشركات من 90 إلى أكثر من 240 شركة مع توقيع مذكرات تفاهم توفر عشرات الآلاف من فرص العمل وأصبحت مصر من أبرز ثلاث دول عالميًا فى ثقة التعهيد.
كما تقدمت مصر 14 مركزًا خلال عام واحد فى مؤشر الذكاء الاصطناعى لترتفع إلى المركز 51 عالميًا لتتقدم 60 مركزًا منذ 2019 حققت مصر قفزات ملموسة فى الذكاء الاصطناعى والتكنولوجيا الحديثة، حيث تقدمت عشرات المراكز فى مؤشرات الجاهزية العالمية مدعومة باستراتيجية وطنية شملت تطبيقات عملية فى القطاعات الحيوية مثل الصحة والعدالة.
كما قفز ترتيب مصر فى مؤشر نضج الحكومة الرقمية (GovTech Maturity Index) من البنك الدولي من المركز 69 (فئة B، درجة 0.751) فى 2022 إلى المركز 22 عالميًا (فئة A، درجة 0.911) فى 2025، بتقدم 47 مركزًا.
تحسن فى جميع المحاور (الأنظمة الأساسية، تقديم الخدمات، المشاركة المواطنية، التمكين). انتقلت مصر من فئة B فى 2020 إلى A. وذلك بالتزامن مع وصول عدد الخدمات المتاحة حاليًا على منصة مصر الرقمية إلى 220 خدمة يستفيد منها نحو 11.5 مليون مواطن مع إضافة 50 خدمة جديدة بنهاية 2026 وتستهدف وزارة الاتصالات التحول فى تقديم الخدمات الحكومية حصريا على منصة مصر الرقمية حيث تبدأ خطة الوزارة بتقديم 73 خدمة فى الوقت الحالي.
كما شهد سوق مراكز البيانات والاستثمارات نموًا سريعًا ليصل إلى 278 مليون دولار فى 2024 متوقعة الوصول إلى 694 مليون دولار بحلول 2030 (16.47 فى المائة) فى ظل دخول مستثمرين جدد ولدعم استثمارات ذلك المجال الواعد والرئيسى لتنمية الاقتصاد وتحقيق السيادة الرقمية كلف الرئيس السيسى بإعداد الاستراتيجية الوطنية لصناعة مراكز البيانات ووضع نموذج موحد يشمل الأماكن المتاحة ومصادر الطاقات المتجددة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والحوافز والمزايا الاستثمارية وجاهزية البنية الأساسية على صعيد قطاعى الطاقة الكهربائية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وكذا تسهيل الإجراءات للعمل على جذب الشركات العالمية فى هذا القطاع الهام للاستثمار فى مصر، لتعزيز السيادة الرقمية وتوطين صناعة مراكز البيانات وتوسيع نطاق تصدير الخدمات الرقمية، اعتمادًا على المقومات التنافسية، التى تحظى بها مصر ومن أبرزها شبكة الكابلات البحرية الدولية الممتد وموقع مصر الجغرافى الفريد الذى يضمن ربطًا رقميًا فائق السرعة وبأقل زمن استجابة بين مختلف قارات العالم. مع وضع خطة عاجلة لتركيز جهود الترويج الاستثمارى لهذا الملف فى الخارج من خلال مكاتب التمثيل التجارى وقطاع الترويج بالهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، لضمان جذب وتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة من الشركات العالمي..
وتستهدف وزارة الاتصالات زيادة إنتاج الهواتف المحمولة محلية الصنع إلى 15 مليون جهاز خلال العام المقبل بعد نجاحها فى جذب استثمارات عالمية من شركات مثل سامسونج وشاومى ورفع نسبة التصنيع المحلى إلى أكثر من 40 فى المائة مع زيادة كميات التصنيع المحلى سنويًا بما يساعد على خفض السعر مقارنة بالمستورد، خاصة بعد نجاح تجارب تصدير الهواتف محليه الصنع فى أسواق الخليج وأمريكا.
وقال الدكتور عبد العزيز البسيونى، أستاذ الاتصالات، إن معدلات تقدم مصر بمؤشرات قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات خلال السنوات العشر تمثل خطوة جيدة لدعم الحوكمة والتأثير الكامل. مقارنة بالدول الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، الهند، كوريا)، مشيرًا إلى أنه لا تزال مصر فى مرحلة «اللحاق»، لكنها تتقدم بسرعة أعلى من متوسط الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى، مؤكدًا أن الجهود المبذولة فى تلك الفترة جعلت مصر تدخل المنافسة الإقليمية (صدارة إفريقية فى سرعة الإنترنت، تقدم فى التعهيد)، وتسهم فى تعزيز المكانة العالمية كمركز رقمى ناشئ، ما يدعم الدبلوماسية الاقتصادية والاستثمار الأجنبى ليشكل تحولا قويا فى نموذج الرقمنة بشكل عام من تيسير الأعمال وتقديم الخدمات إلى احترافيتها.
وأكد «البسيونى» أن قطاع الاتصالات فى المرحلة الحالية يحتاج لتعزيز الابتكار والقيمة المضافة عبر زيادة الاستثمار فى البحث والتطوير (R&D)، والانتقال إلى خدمات عالية القيمة مثل الذكاء الاصطناعي، التحليلات، والسحابة بجانب تعزيز بناء المهارات من خلال تسريع تدريب ملايين الشباب لسد فجوة المهارات المتقدمة، موضحا أهمية مواصلة تعزيز الأمان الرقمي، مع توسيع النفاذ إلى الخدمات الرقمية وتحسين الجودة والتكلفة للوصول المعنى من خلال تحقيق الشمول والاستدامة عبر تغطية أوسع للمناطق الريفية، بما يسهم فى الاعتماد على قوة تلك المناطق لتعزيز مكانة مصر كقوة رقمية إقليمية وعالمية بارزة، مساهمة فى بناء اقتصاد معرفى مستدام يخدم كل المواطنين.
ولفت إلى أن جهود مصر فى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تعكس نموذجًا للتنمية الرشيدة، تعكس إرادة سياسية، وتنفيذًا فعالًا. مع الاستمرار فى هذه الوتيرة والتركيز على التحديات المتبقية، مبينا أن هذا التطور مناسب وواعد، مطالبا باستغلال الموقع الجغرافى والتى يتمتع بنسبة مرور كبيرة من إنترنت العالم عبر مصر بجانب العنصر البشرى من الشباب الوفير حوّل القطاع إلى مصدر للدخل الأجنبى وفرص العمل، ودعم الشمول الرقمى والحكومي.
وكشف الدكتور إسلام نصر الله، خبير تكنولوجيا المعلومات، أن جهود الحكومة المصرية فى مجال التحول الرقمي، أحدثت ضمن استراتيجية «مصر الرقمية»، نقلة نوعية فى تجربة المواطن مع الخدمات الحكومية، حيث أسهمت فى مضاعفة أعداد المستخدمين، ورفع جودة الخدمات، وتسريع إنجاز المعاملات بشكل ملموس.. مبينًا أن أبرز تجليات هذا التحول يظهر فى منصة «مصر الرقمية»، التى شهدت خلال عام 2025 فقط زيادة فى عدد المستخدمين من 8.1 مليون إلى نحو 10.4-10.7 مليون مستخدم بنسبة نمو تتراوح بين 28-32 فى المائة مع قفزة فى عدد المعاملات بنسبة تصل إلى 300 فى المائة، لتصل إلى أكثر من 23.8-25 مليون معاملة واستعلام، ارتفع عدد الخدمات المتاحة إلى أكثر من 200-210 خدمة، مدعومة بـ23-26 حزمة خدمية وتطبيقات موبايل زادت بنسبة 400 فى المائة.
وتابع «نصر الله» أسهمت هذه الجهود فى تحسين جودة الخدمات من خلال رقمنة شاملة للإجراءات (مثل خدمات التوثيق، المحاكم، التموين، السجل التجاري، والنيابة العامة)، مما قلل البيروقراطية وأتاح الوصول عن بعد باستخدام تقنيات التحقق الرقمى المتقدمة والتوقيع الإلكتروني.. مضيفًا أنه عزز الثقة من خلال منصات دفع رقمية متكاملة (مثل إنستاباى التى تجاوز مستخدموها 16 مليونا)، ما رفع معدلات الشمول المالى وسرعة التنفيذ.
وشدد على أن ذلك أدى إلى تسريع الحصول على الخدمات بشكل دراماتيكي؛ إذ أصبح بإمكان المواطن إنجاز معاملات كانت تستغرق أيامًا أو أسابيع فى دقائق معدودة عبر الهاتف المحمول، مع توفير خدمات خاصة للمصريين بالخارج.. عكست هذه النتائج تقدمًا دوليًا لافتًا، خاصة مع تقدم مصر 47 مركزًا فى مؤشر نضج الحكومة الرقمية للبنك الدولى لتصل إلى المركز 22 عالميًا (الفئة A).. لافتًا إلى أن هذا النموذج يمثل رؤية استراتيجية ناجحة تجمع بين البنية التحتية القوية، بناء القدرات، والتركيز على المواطن، وتضع مصر على مسار الريادة الإقليمية فى الحكومة الذكية، مع آفاق أوسع للاقتصاد الرقمى المستدام.
تحديات التحول الرقمى أمام الحكومة المصرية:
يعترض طريق التحول الرقمى فى مصر عددًا من العقبات التى قد تؤثر على تنفيذ عملية الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة يأتى فى مقدمتها تطوير البنية التحتية، حيث أوضح الدكتور حمدى الليثى، نائب غرفة صناعة تكنولوجيا المعلومات باتحاد الصناعات المصرية السابق أن التحدى الأبرز أمام عملية التحول الرقمى هو البنية التحتية فى مصر، مشيدًا بالجهود حكومية التى تمت مؤخرا فى ذلك الصدد، والتى يجب أن تشمل سرعة زيادة الاعتماد على الألياف الضوئية فى محطات التجميع الذكى مع ربط المحطات بالسنترالات بكابلات الألياف، وحدد «الليثى» أن تطوير البنية التحتية لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمصر يحتاج لدعم عمليات الصيانة اللازمة وإتاحة ترددات جديدة للشبكات والدعم الفنى الخاص بأبراج الإشارات، إضافة إلى زيادة الحيز الترددى لها.
من جانبه أوضح الدكتور أحمد الحفناوى، مستشار وزير الاتصالات السابق، أن التحدى الثانى يتركز حول كفاءة العنصر البشرى فى تنفيذ عمليات الرقمنة نفسها بما يفرض ضرورة توفير برامج تدريبية على أعلى مستوى وتأهيل الكوادر التقنية فى ذلك الصدد مع وجوب الاستعانة بالخبرات العالمية، ودمج العنصر المحلى معها للاحتكاك بها ونقل تجاربها. كما يرى «الحفناوى» أن الأنظمة التشريعية تعد أحد العوائق التى تعترض طريق توطين الرقمنة فى مصر خاصة فى ظل عدم مناسبة القوانين والتشريعات المنوطة بتشجيع المستثمرين الأجانب والمحليين على ضخ أموالهم بالمشروعات، بالإضافة إلى عدم تحفيزهم من خلال تقديم التسهيلات وتوفير الدعم اللازم.
وقال: تمثل جودة البيانات تحديا بارزا لأن البيانات التى استخرجت خلال الـ15 سنة الماضية فى الجهات الحكومية لم تراع الجودة والترابط مع البيانات الأخرى، وهو ما تطلب مجهودا كبيرا، مشيرا إلى أنه تم استخدام هذا المجهود فى تنقية بيانات برامج كثيرة مثل تنقية بطاقات التموين، والذى أسهم فى توفير 10 أضعاف قيمة المشروع «منصة البيانات» نفسه، لافتا إلى أن التوعية والتثقيف من أبرز متطلبات عملية التحول الرقمى فى مصر، لذلك يمثل استحداث ثقافة التعامل الرقمى أمام المواطن تحديا قويا يتطلب تغيير السلوك الجماهيرى والحصول على ثقة المستخدم.