بعد مرور أكثر من عقد على ثورة 30 يونيو، كيف تقرأ دور القوات المسلحة فى تلك اللحظة الفارقة، وهل ترى أن التدخل كان استجابة لحتمية تاريخية أم خيارًا استراتيجيًا مدروسًا لحماية الدولة من الانهيار؟
ثورة 30 يونيو كانت حتمية تاريخية بكل المقاييس، ولم تكن مجرد خيار عابر أو رد فعل لحظي، لقد جاءت نتيجة تراكمات خطيرة كادت تودى بالدولة المصرية إلى الهاوية، حيث تآكلت مؤسسات الدولة وتدهور الاقتصاد وتراجع الأمن، وأصبح الوطن فى خطر حقيقى يهدد وجوده ذاته، فى تلك اللحظة الفارقة لم تكن القوات المسلحة تتدخل فى السياسة ولكنها وقفت مع إرادة شعبية جارفة خرجت فى 30 يونيو تطالب بتصحيح المسار وإنقاذ الوطن، لقد كانت استجابة القوات المسلحة لتلك الإرادة الشعبية واجبًا وطنيًا لا خيار فيه لأن التردد كان يعنى انهيار الدولة بالكامل، والقوات المسلحة المصرية بتاريخها المجيد وتضحياتها العظيمة كانت ولا تزال الدرع الحامى للوطن وهى جزء أصيل من نسيج الدولة المصرية.
يتردد فى الأوساط السياسية والعسكرية مفهوم «القدرة الشاملة» للقوات المسلحة، فكيف يمكن ترجمة هذا المصطلح على أرض الواقع فى ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة؟
مفهوم «القوى الشاملة» هو الأساس الذى يقوم عليه الأمن القومى المصرى فى العصر الحديث، هذه القوى ليست مقصورة على القدرات العسكرية فحسب بل هى محصلة للقوى العسكرية والاقتصادية والسياسية والمجتمعية، بالإضافة إلى الموارد الطبيعية فوق الأرض وتحتها، وحين تتحدث مراكز الأبحاث الدولية عن تقييم أى دولة تضع الجانب العسكرى فى المقدمة، ثم تنتقل إلى باقى القطاعات، لأن القوة العسكرية هى الركيزة التى تحمى الإنجازات فى المجالات الأخرى، ومصر اليوم تمتلك قدرات عسكرية مصنفة عالميًا ضمن الأقوى، وهذا ليس كلامًا إنشائيًا بل حقيقة واقعة يعرفها العدو والصديق، لكن الأهم أن هذه القوة العسكرية تُستَخدم اليوم فى خدمة التنمية الشاملة، وليس فى الحروب غير المحسوبة، وعندما تواجه مصر تحديات إقليمية متسارعة فهى تتعامل معها من منطلق هذه القدرة الشاملة التى تجعلها قادرة على حماية مصالحها الوطنية دون أن تفرط فى أى شبر من أراضيها أو أى قطرة من مياهها.
الجيش المصرى يخوض اليوم معركة متعددة الجبهات، كيف تدير القوات المسلحة هذا التنوع من التهديدات فى آنٍ واحد؟
إدارة التهديدات المتعددة فى وقت واحد تتطلب رؤية استراتيجية متكاملة، وهذا ما تمتلكه القيادة السياسية والعسكرية فى مصر اليوم، فسيناء على سبيل المثال كانت بوابة مصر الشرقية طوال تاريخها سواء فى الفتوحات أو الهجرات أو الرحلات الدينية، وهى اليوم محور رئيسى فى استراتيجية الأمن القومي، والتهديدات الإرهابية التى واجهتها مصر فى سيناء كانت عنيفة ومعقدة، لكن القوات المسلحة تمكنت من دحرها بفضل التخطيط الدقيق والقدرات القتالية الفائقة، وفى الوقت نفسه تم تأمين الحدود الغربية والجنوبية عبر منظومة متطورة من المراقبة والتحصينات، وأيضًا من خلال العلاقات الدبلوماسية والسياسية مع الدول المجاورة، أما فى البحرين المتوسط والأحمر فمصر تمتلك سيادة كاملة على مياهها الاقتصادية وما تحتويه من موارد طبيعية، وهذه السيادة لا تعيق حركة الملاحة الدولية ولكنها تضمن عدم التعدى على حقوق مصر، وترسيم الحدود البحرية الذى أجرته مصر وصدقت عليه وفق القوانين الدولية أتاح لها مطلق الحرية فى البحث عن مصادر الطاقة واستثمارها فى البحر المتوسط. كل هذه الجهود تُدار بمنظومة واحدة تجمع بين العمل العسكرى والسياسى والقانوني.
فى ظل توترات إقليمية غير مسبوقة، خصوصًا فى غزة ولبنان والبحر الأحمر، ما الرسائل التى يوجهها الجيش المصرى من خلال مناوراته العسكرية وتحديث ترسانته؟
المناورات العسكرية وتحديث الترسانة ليسا مجرد استعراض للقوة، بل رسالة واضحة لكل من تسول له نفسه المساس بأمن مصر القومي، الرسالة الأولى: أن مصر قادرة على حماية نفسها، وأن أى تهديد سيقابل برد حاسم، والرسالة الثانية: أن مصر دولة ذات سيادة كاملة، لا تسمح لأى جهة بالتدخل فى شئونها الداخلية أو انتهاك مياهها أو حدودها، أما عن عقيدة الدفاع المصرية فنحن أمام مرحلة جديدة بالفعل، حيث لم تعد العقيدة قائمة على الدفاع السلبى فقط، بل على القدرة الاستباقية والردع المتقدم، وحرب أكتوبر 1973 كانت نموذجًا رائعًا للعبور من الدفاع إلى الهجوم حيث نجحت القوات المسلحة فى عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف رغم صعوبة المانع المائي، وهذا الدرس ما زال حيًا فى وجدان القوات المسلحة، واليوم ومع التطور التكنولوجى الهائل فى مجالات التسليح والاستخبارات والحرب الإلكترونية أصبحت عقيدتنا أكثر مرونة وقدرة على مواكبة التطورات المتسارعة.
بات شعار «يد تحمى وأخرى تبني» واقعًا ملموسًا فى المشهد المصرى فكيف استطاع الجيش أن ينتقل من دوره التقليدى فى الحماية إلى قيادة ملف التنمية الشاملة بهذا الحجم؟
الانتقال من دور الحماية إلى قيادة التنمية لم يكن طفرة فى المهام، بل امتداد طبيعى لدور القوات المسلحة فى بناء الدولة المصرية، فالجيش المصرى لم يكن يومًا مجرد آلة حرب بل كان دائمًا جزءًا من مشروع النهضة الوطني، ولكن ما نراه اليوم فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى هو نقلة نوعية غير مسبوقة؛ حيث أصبحت سيناء محورًا رئيسيًا فى استراتيجية التنمية الشاملة من خلال تنفيذ أكبر خطة تنموية فى تاريخها الحديث، هذه الخطة تستهدف تحويل سيناء من منطقة ذات طبيعة أمنية إلى منطقة جذب واستثمار وتنمية مستدامة، وقد شملت هذه الخطة تطوير البنية التحتية على نطاق واسع، بما فى ذلك الطرق والمحاور والأنفاق التى تربط سيناء بالوادي، وإنشاء شبكات مياه وكهرباء وزراعة وتوطين سكاني، والقوات المسلحة وبخبرتها فى التخطيط والتنفيذ والإدارة أثبتت جدارتها فى قيادة هذه المشروعات العملاقة، لأنها تمتلك الكفاءات البشرية والهندسية واللوجستية التى تؤهلها لذلك، وهذا لا يعنى تجاهل دور القطاع الخاص بل هو تكامل بين كل مؤسسات الدولة لتحقيق التنمية المنشودة.
من شبكة الطرق إلى حفر القنوات وإنشاء المدن الجديدة، هل تراها مجرد مشروعات تنموية أم أنها امتداد للأمن القومى بمعناه الشامل؟ وكيف تساهم هذه المشروعات فى تعزيز القدرة الدفاعية للدولة؟
المشروعات القومية الكبرى ليست مجرد مشروعات تنموية بالمعنى التقليدي، بل هى امتداد حقيقى للأمن القومى بمعناه الشامل، فحين ننظر إلى مشروعات ربط سيناء بالوادى من خلال خمسة أنفاق؛ فإننا لا ننظر فقط إلى تسهيل حركة المواطنين والبضائع، بل ننظر إلى تحقيق التكامل الجغرافى والاقتصادى بين سيناء والوادى، مما يجعل سيناء جزءًا متصلًا وليس منطقة معزولة، وهذه المشروعات تعزز الوجود المصرى فى سيناء، وتدعم الاستقرار السكاني، وتحد من أى محاولات لتهجير أو تفريغ المنطقة من سكانها، وعندما تكتمل شبكة الطرق والمحاور الرئيسية أسفل قناة السويس؛ فإن ذلك سيعزز الربط بين الضفتين ويخدم حركة التنمية، خاصة مع تحول قناة السويس إلى «منطقة تنمية» تمتد شمالًا وجنوبًا، وهذا الاتجاه الاستراتيجى يرتبط أيضًا بقربه من العاصمة الجديدة، ما يمنحه أهمية إضافية فى رؤية الدولة للتنمية المستقبلية باعتباره محورًا استراتيجيًا بالغ الأهمية لمستقبل مصر الاقتصادى والعمراني، باختصار كل مشروع تنموى هو فى الواقع مشروع أمنى لأنه يعزز تماسك الدولة ويقوى قدرتها على مواجهة أى تحديات مستقبلية.
بعد ثورة 30 يونيو دخل الجيش المصرى فى مرحلة إعادة بناء شاملة لقدراته، شملت توطين الصناعات الدفاعية وتطوير المنظومة القتالية، أين وصلنا فى هذا الملف؟ وهل اقتربنا من مرحلة الاكتفاء الذاتى فى التسليح؟
ملف توطين الصناعات الدفاعية هو إحدى أولويات الدولة المصرية فى المرحلة الحالية، وقد شهدنا تقدمًا كبيرًا فى هذا الملف خلال السنوات الأخيرة، ومصر تمتلك الآن قدرات صناعية دفاعية متطورة، وتعمل على نقل التكنولوجيا وتوطينها بالتعاون مع شركاء دوليين موثوقين، وقطعنا شوطًا كبيرًا فى تصنيع العديد من المعدات والذخائر محليًا، ولكن الحديث عن الاكتفاء الذاتى الكامل يحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد لأن الصناعات الدفاعية ليست مجرد أرقام، بل هى منظومة متكاملة تشمل البحث والتطوير والتدريب والتصنيع والصيانة، ومصر تمضى بخطى ثابتة فى هذا الاتجاه، وبإذن الله سنصل إلى مرحلة متقدمة من الاعتماد على الذات، لكن الأهم من ذلك هو أن القوات المسلحة المصرية أثبتت قدرتها على حماية الوطن بكل ما تملك من إمكانات، سواء كانت محلية الصنع أو مستوردة، لأن العامل البشرى هو الأساس، وهو العنصر الذى لا يمكن تعويضه بأى تقنية.
البعض يرى أن التهديدات القادمة لمصر لن تكون عسكرية بالضرورة، بل ستكون اقتصادية ومائية وإلكترونية، فكيف تستعد القوات المسلحة لهذا الجيل الجديد من الحروب غير التقليدية؟
أؤمن بأن الأمن القومى الشامل هو الذى يحمى الدولة فى مواجهة كل أنواع التهديدات، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو مائية أو إلكترونية، والقوات المسلحة المصرية ليست غائبة عن هذه الملفات، بل هى جزء من المنظومة الوطنية التى تتعامل معها، ففى ملف الأمن المائى مصر تدرك خطورة التحديات التى تواجهها فى حصة مياه النيل، وهناك تنسيق مستمر بين القوات المسلحة ووزارة الموارد المائية والرى لضمان حماية المصالح المائية المصرية، وفى ملف الأمن الإلكترونى تم إنشاء وحدات متخصصة فى الحرب الإلكترونية والسيبرانية، وهى تتابع عن كثب أى محاولات لاختراق البنية التحتية الرقمية للدولة، أما التهديدات الاقتصادية فالقوات المسلحة تساهم فى دعم الاقتصاد الوطنى من خلال مشروعاتها التنموية واستثماراتها التى توفر فرص عمل وتدعم الناتج القومي، باختصار نحن نتعامل مع التهديدات بعقلية شمولية لا تفرق بين جبهة وأخرى، لأن كل هذه الجبهات تؤثر فى النهاية على أمن مصر القومي.
كيف تحافظ القوات المسلحة على هذه الثقة الشعبية، وما آليات التواصل مع المواطن فى الجمهورية الجديدة؟
العلاقة بين الشعب المصرى وقواته المسلحة علاقة تاريخية لا نظير لها، وهى مبنية على الثقة المتبادلة والإخلاص للوطن، فثورة 30 يونيو جاءت لتؤكد هذه العلاقة، حيث خرج الملايين فى الشوارع مطالبين بالخلاص وكانت القوات المسلحة عند حسن ظن الشعب بها، فوقفت مع إرادته ولم تتخلَ عن دورها فى حماية الدولة، والحفاظ على هذه الثقة يتم من خلال الالتزام بالمبادئ التى تأسس عليها الجيش المصري: الوطنية، والانضباط، والاحترافية، وعدم الانحياز لفئة دون أخرى. فالقوات المسلحة تعمل دائمًا على إيصال رسالتها للشعب عبر وسائل الإعلام المختلفة، وتنظيم الندوات والزيارات الميدانية للوحدات العسكرية، وإتاحة الفرصة للشباب للالتحاق بالكليات العسكرية، كما أن المشاركة الفعالة للقوات المسلحة فى مشروعات التنمية والإغاثة فى أوقات الأزمات، مثل مواجهة جائحة كورونا أو التعامل مع الكوارث الطبيعية تعزز هذه الثقة وتجعل المواطن يشعر بأن الجيش هو سنده الحقيقي.
فى كلمة أخيرة بمناسبة ذكرى 30 يونيو، ما الرسالة التى تود إيصالها إلى الشعب المصرى حول مستقبل الوطن وقدرة جيشه على حماية مكتسبات الثورة والتنمية؟
رسالتى إلى الشعب المصرى العظيم فى ذكرى 30 يونيو هى رسالة أمل وثقة ويقين، فهذا الوطن الذى ضحى أبناؤه بدمائهم وأرواحهم عبر التاريخ، من 1967 إلى حرب الاستنزاف إلى نصر أكتوبر 1973 إلى ثورة 30 يونيو هو وطن يستحق التضحية والفداء، والقوات المسلحة المصرية التى شاركت فى كل هذه الملاحم هى اليوم أكثر قوة وتماسكًا واستعدادًا لحماية مكتسبات الثورة والتنمية، ونحن نمضى قدمًا فى بناء دولة حديثة قوية تعتمد على اقتصاد متين، ومجتمع متماسك، وجيش قادر على ردع أى معتد، ولكن لا بد من التنبيه إلى أن الحفاظ على هذه المكتسبات مسئولية الجميع وليس القوات المسلحة وحدها، والشعب المصرى هو صمام الأمان وهو القوة الحقيقية لهذا الوطن، وعندما يكون الشعب والجيش يدًا واحدة لا يمكن لأى قوة أن تمس مصر بسوء.