إننى أكتب هذه الكلمات اليوم عبر صفحات «المصور» العريقة، التى طالما وثَّقت تاريخ مصر الحديث، لأقول بكل ثقة عسكرية ووطنية «ما حدث فى 30 يونيو 2013 لم يكن مجرد مظاهرات، بل كان انتفاضة شعبية متكاملة الأركان، حطمت مشروعًا تغلغَل فى شرايين الدولة، وأعادت صياغة الأمن القومى المصرى من جديد».
الأجواء قبل العاصفة.. كيف كادت مصر تسقط؟
لن أبالغ إن قلت إن الأشهر التى سبقت ثورة 30 يونيو كانت الأسوأ فى تاريخ مصر الحديث، ليس بسبب الحصار الاقتصادى أو انهيار الخدمات فقط، بل بسبب محاولة منهجية وممنهجة لتفكيك الدولة الوطنية من الداخل. الجماعة التى تسلَّمت زمام الأمور لم تكن تريد حكم مصر، بل كانت تريد تحويلها إلى كيان تابع لأجندة خارجية، لتنفيذ حلم قديم فى «الخلافة» التى تبدأ من النيل وتنتهى فى الخليج.
الأجهزة السيادية رصدت تحركات خطيرة، منها:
محاولة تغيير هوية الجيش المصري: لا يخفى على أحد أن القوات المسلحة المصرية كانت حجر الزاوية فى استقرار مصر لقرون. فجأة، ظهرت مخططات لتأسيس ما يُسمى «الحرس الثوري»، وهو كيان موازٍ يتبع الجماعة وليس الدولة. تخيلوا معى – أيها القراء – أن تكون هناك كتيبة أو لواء مسلح لا يتبع وزير الدفاع، ولا يؤدى الولاء للرئيس بصفته القائد الأعلى، بل يتبع مرشد الجماعة وإرشادات الخارج. هل هذا هو الجيش الذى نعرفه؟ الجيش الذى حطم العدو فى 73 ويحمى التراب الوطني؟
التفريغ فى سيناء وتحويلها إلى بؤرة إرهاب، وتدمير الاقتصاد بغرض السيطرة.
الفصل الثاني: يوم الحسم.. لماذا 30 يونيو بالذات؟
يتساءل البعض: لماذا كان يوم 30 يونيو هو تاريخ الانتفاضة؟ الإجابة ببساطة: لأن الشعب وصل إلى نقطة اللاعودة. لقد صبر الناس عامًا كاملًا على وعود لم تُنفذ، على دستور أُعد من طرف واحد، على إقصاء لكل الأصوات الوطنية، حتى خرج العلماء والمفكرون والفنانون والرياضيون ورجال الأعمال والنقابات فى حركة «تمرد» لا تهدف إلا لجمع توكيلات تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة.
وعندما تجاوز عدد التوكيلات 22 مليون توكيل – وهو رقم يفوق عدد من صوتوا للرئيس المعزول أصلًا – علم الجميع أن اللحظة قد حانت. لم يكن من السهل على القوات المسلحة أن تتدخل، لأن دستور 2012 كان مقيدًا بقفص حديدي، لكن القيادة العامة كانت تتابع الموقف عن كثب. وكان الفريق أول عبدالفتاح السيسى -وزير الدفاع آنذاك- يدرك أن الصمت يعنى ضياع مصر.
فى 30 يونيو، نزل الشعب بكامل إرادته الحرة. لم تجبرهم جهة، لم يوجههم حزب بعينه، بل خرجوا كرجل واحد عندما أدركوا أن الكيان الوطنى فى خطر. لقد شاهدت بعينى مشاهد لا يمكن لأى استراتيجى عسكرى أن يخطط لها: طفل يحمل زجاجة ماء ليسقى جندى شرطة، سيدة عجوز تقف فى الشمس لساعات ترفع المصحف، عمال وبورجوازية وأكاديميون على قلب رجل واحد. هذا هو الجيش الشعبى الحقيقي، جيش الملايين الذى لا يقهر.
الفصل الثالث: ماذا بعد الثورة؟ ثلاثة عشر عامًا من الإنجازات
الآن، وبعد 13 عامًا، ننظر إلى الوراء بفخر، وننظر إلى الأمام بأمل. كانت رحلة شاقة، مليئة بالتضحيات، من دماء شهدائنا الأبرار فى سيناء وفى الداخل، لكن الثمار كانت مبهرة.
أولًا: الأمن القومي: سيناء نموذجًا
من أعظم ما أنجزته مصر بعد 30 يونيو هو تطهير سيناء من الإرهاب. عندما تولى الرئيس السيسى زمام الأمور، كانت سيناء تعانى من وجود خلايا إرهابية تسيطر على مساحات شاسعة. واليوم، وبعد عمليات عسكرية دقيقة «حق الشهيد»، «العملية الشاملة»، أصبحت سيناء بؤرة استقرار وتنمية وليس بؤرة إرهاب. تم حفر أنفاق عملاقة أسفل قناة السويس لتسهيل المرور من وإلى سيناء، وإنشاء مدن جديدة مثل «مدينة السلام» و«مدينة رفح الجديدة»، وتحويل أرض العريش والشيخ زويد إلى لوحة بناء متكاملة. لقد تحولت العبارة التى كان يرددها الإرهابيون «سيناء ثغرة مصر» إلى «سيناء درع مصر وسيفها».
ثانيًا: الاقتصاد: من الانهيار إلى الريادة
كان الاقتصاد المصرى على شفا الهاوية قبل الثورة. الاحتياطى النقدى بلغ مستوى حرجًا، والعجز كبير، والبطالة ترتفع. اليوم، وبفضل الإصلاحات الجريئة، استعاد الاقتصاد عافيته. المشروعات القومية العملاقة التى يراها الجميع: العاصمة الجديدة التى تمثل نقلة نوعية فى مفهوم المدن الذكية، ميناء شرق بورسعيد العملاق، حقل ظهر للغاز الذى جعلنا نكتفى ذاتيًا من الطاقة بل ونصدر للخارج، الطريق الدائرى الإقليمى الذى يربط مصر بطولها وعرضها. هذه لم تأت صدفة، بل جاءت نتيجة رؤية استراتيجية خططت لمصر 2030.
ثالثًا: سياسة خارجية مستقلة
لم تعد مصر بعد 30 يونيو تابعة لأى محور. عادت القاهرة لتكون قبلة العرب وفارس المنطقة. العلاقات مع روسيا والصين وأمريكا وأوروبا اتخذت مسارًا متوازيًا يحقق المصالح القومية. كما تمكنت مصر من فضح أكاذيب الجماعة الإرهابية دوليًا، حتى أدركت معظم دول العالم أن ما حدث فى 30 يونيو ثورة شعبية حقيقية، وأن القوات المسلحة قامت بدورها الوطنى فى حماية الإرادة الشعبية.
الفصل الرابع: القوات المسلحة والشرطة – الدرع والسيّف
اسمحوا لى أن أتوقف قليلًا عند رجال يرتدون الزى العسكري، يقفون لحماية هذا الوطن. لقد دفعنا ثمنًا باهظًا فى حربنا ضد الإرهاب بعد 30 يونيو. فنحن نتحدث عن آلاف الشهداء والمصابين من خيرة أبناء مصر، الذين فضلوا الموت على أن تهان كرامة دولتهم أو يحتلها شرذمة من التكفيريين.
ما يربطنى بهؤلاء الرجال ليس مجرد تقاسم المهنة السابقة، بل روح الأب التى تشفق على أبنائها. كم من جنازة عسكرية شيعتها؟ كم من أم باكية لابن ضابط أو جندى عانقتها كل قطرة دم نزفت فى أرض سيناء أو فى كمائن الداخل كانت ثمنًا للكرامة. ولا يمكن أن ننسى دور الشرطة الباسلة التى كانت خط المواجهة الأول فى فض المظاهرات المسلحة التى حاولت اقتحام المنشآت الحيوية بعد الثورة.
الفصل الخامس: الجمهورية الجديدة – حلم تحقق على الأرض
نحن اليوم فى عصر «الجمهورية الجديدة»، مصطلح لم يعد شعارًا سياسيًا بل واقع معيشى. فالجمهورية الجديدة تعنى: دولة القانون والمؤسسات، لا دولة الفرد والهوى.
ودولة التنمية الشاملة، من الإسكندرية إلى أسوان، ومن العريش إلى السلوم.
ودولة الحقوق والمواطنة المتساوية، حيث لا فرق بين مسلم ومسيحي، ولا بين رجل وامرأة، فالجميع مصريون.
لقد رأينا نموذجًا مبهرًا فى حياة كريمة، التى غيرت وجه الريف المصري، وفى مبادرة 100 مليون صحة التى أنقذت الملايين من فيروس «سي»، وفى المدن الجديدة التى امتدت لتستوعب الزيادة السكانية المتسارعة. هذه ليست إنجازات عابرة، بل هى ثمار شجرة غُرست فى تربة 30 يونيو.
الفصل السادس: نظرة إلى المستقبل.. ماذا ينتظر مصر فى العقد القادم؟
كمستقبلى لا يزال يقرأ الخرائط والتوجهات، أستطيع أن أقول بكل ثقة: أفضل أيام مصر لم تأتِ بعد. ما زلنا فى بداية الطريق نحو التصنيع الكامل، نحو الاكتفاء الذاتى من السلاح، نحو الريادة فى الطاقة المتجددة، نحو أن تكون مصر مركزًا لوجستيًا عالميًا يربط ثلاث قارات.
ولكن كل هذا يتوقف على شيئين رئيسيين: استمرار الوعى الشعبى بعدم الانسياق وراء الدعوات المغرضة للتشكيك فى الإنجازات. فمن يزرع الشائعات اليوم هو نفس من كان يحرق المساجد والكنائس قبل 13 عامًا. دعم القوات المسلحة والشرطة، فهما الضامن الوحيد لاستقرار هذا البلد فى بحر مضطرب من حولنا.