نعم.. إن عودة الروح للحياة الحزبية فى دولة 30 يونيو، بعد 60 عامًا أو يزيد عانينا خلالها من تبعات احتكار تنظيم أو حزب بعينه للمشهد السياسى؛ تسبب فى تفجير اضطرابات سياسية أعاقت إحياء العمل الحزبى.. هى واحدة من أهم الإنجازات السياسية التى ولّدت مشاركات حقيقية أوسع لجموع القوى السياسية فى الحياة العامة، باعتبارها جزءًا مهمًا فى بناء الجمهورية الجديدة.
نعم.. يُحمد لدولة 30 يونيو أنها كتبت شهادة وفاة الجدل السياسى والاستقطاب غير المسبوق، الذى عاشته مصر خلال الأيام العجاف لحكم جماعة الإخوان الإرهابية، تلك الأيام والشهور الكبيسة ألقت بظلالها الكثيفة وظلامها الحالك على الحياة الحزبية ومناخ العمل السياسى بشكل عام، فى تجربة كان عنوانها اختفاء التوافق الوطنى وتسيد الاستقطاب السياسى بين مؤيدى الجماعة الإرهابية ومعارضيها، إلى الحد الذى أوشك أن يمزق أوصال نسيج الوطن، ومن ثم.. اختفى الحوار وتراجعت فرص التوافق بين القوى السياسية فى مشهد لم نعهده من قبل، مشهد انعكست آثاره السلبية على الشارع المصرى.
لقد رأينا فى تلك المرحلة المشؤومة من تاريخ البلاد، كيف احتكر حزب الحرية والعدالة الإخوانى الإرهابى المشهد السياسى، وكيف أغلق قنوات الاتصال مع سائر الأحزاب الأخرى سواء كانت مؤيدة أم معارضة، ليستأثر منفردًا بصنع القرار، لا سيما ما تعلق بالأمور الدستورية أو المهام السياسية مثل صياغة دستور لم يحظَ بتوافق وطنى، نتيجة انسحاب غالبية تلك الأحزاب ومعها العديد من القوى السياسية، التى رفضت المشاركة فى أية حوارات أو مناقشات، دعت إليها الجماعة الإرهابية، لتشهد مصر فاصلًا من صراعات سياسية مست القضايا المهمة للمواطنين، وأسهمت فى تعميق الانقسام المجتمعى وتأجيج الغضب الشعبى، ما أسفر عن اندلاع تظاهرات ثورة 30 يونيو التى أنهت حكم الإخوان فى عام 2013.
إن قراءة الأحداث السياسية التى سبقت ثورة 30 يونيو قد بيّنت رفض المجتمع المصرى اختزال إرادته فى حزب أو تيار واحد مهما بلغت شعبيته أو قدرته على الحشد، وأنه بطبيعته مجتمع متنوع سياسيًا وفكريًا، لذلك جاءت دولة 30 يونيو لتعبر عن رغبة شعبية جارفة فى استعادة التوازن داخل الحياة السياسية وإتاحة الفرصة أمام جموع القوى الوطنية للمشاركة فى رسم مستقبل البلاد.
لقد مثلت ثورة 30 يونيو نقطة فاصلة وجذرية فى مسار الحياة السياسية المصرية، عندما أكدت على مبدأ التعددية السياسية ورفض احتكار العمل العام من قبل أى تيار أو فصيل سياسى.
من هذا المنطلق، برزت مرحلة جديدة أنهت عمليًا فكرة «الحزب الواحد» أو مرحلة الهيمنة الأحادية وما نتج عنها من توتر مجتمعى، وانتقلت إلى مشهد يعتمد على التعددية المؤسسية، وتعزيز دور الأحزاب، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية لتشمل تمثيلًا أوسع للمرأة والشباب.
ولأن الحياة الحزبية إحدى أهم ركائز العمل السياسى فى أى دولة تسعى إلى ترسيخ الديمقراطية، بدأت مصر فى عام 2014 عهدًا جديدًا ودولة جديدة ودستورًا جديدًا نص فى المادة (74) على أن:
للمواطنين حق تكوين الأحزاب السياسية، بإخطار ينظمه القانون. ولا يجوز مباشرة أى نشاط سياسى، أو قيام أحزاب سياسية على أساس دينى، أو بناءً على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو على أساس طائفى أو جغرافى، أو ممارسة نشاط معادٍ لمبادئ الديمقراطية، أو سرى، أو ذى طابع عسكرى أو شبه عسكرى، ولا يجوز حل الأحزاب إلا بحكم قضائى.
الأمر الذى انعكس على تطور المشهد الحزبى وفَتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمل السياسى المنظم، الذى يقوم على التعددية السياسية والحزبية بوصفها واحدة من أهم ركائز النظام الديمقراطى، وُلدت معها أحزاب جديدة وتحالفات واندماجات خلقت كيانات حزبية قوية قادرة على المنافسة والمناقشة والتأثير مثل «تنسيقية شباب الأحزاب» التى تعدّ من أنجح التجارب السياسية فى مصر، والتى قدمت كوادر سياسية شابة قادرة على المشاركة فى صنع القرار، وأسهمت فى ضخّ عناصر جديدة إلى قوام المجالس النيابية والتنفيذية، وربما يشهد المستقبل مزيدًا من الاندماجات والتحالفات بين الأحزاب السياسية، بما يسهم فى تكوين كيانات حزبية أكثر قوة وتأثيرًا، كيانات قادرة على المنافسة وتقديم برامج واقعية تعبر عن احتياجات المواطنين. فليس بالضرورة أن يكون للعدد الكبير من الأحزاب، فاعلية أكبر، بل إن قوتها الحقيقية تقاس بمدى قدرتها على التواصل مع المواطنين، ونجاحها فى طرح حلول عملية لمشكلاتهم القائمة.
إن تلك التغيرات المهمة قد كتبت فصلًا جديدًا لحياة حزبية لعبت فيها الأحزاب جميعًا -وليس حزبًا واحدًا- دورًا أكثر إيجابية تحت قبة البرلمان بغرفتيه (الشيوخ والنواب)، الأمر الذى أثرى النقاشات التى تناولت التشريعات والقضايا كافة.
إن من أهم مكاسب الحياة الحزبية فى دولة 30 يونيو أيضًا تحقيق الاستقرار.. ليس الأمنى فقط بل السياسى أيضًا.. استقرار وفّر بيئة صحية شجعت الأحزاب بمختلف اتجاهاتها الفكرية والسياسية على العودة لممارسة نشاطها تحت مظلة دستور نص صراحة على التعددية الحزبية؛ فشاهدنا لأول مرة تحالفات سياسية وانتخابية بين الأحزاب فى الاستحقاقات الدستورية من انتخابات رئاسية وبرلمانية ومحلية لتحقيق تمثيل أكبر داخل المجالس النيابية، كما شهدت الحياة الحزبية مشاركة وحضورًا أوسع للأحزاب فى المؤتمرات والندوات والبرامج السياسية، لا سيما فى الحوار الوطنى الذى وجه بإجرائه الرئيس عبدالفتاح السيسى كخطوة مهمة لتعزيز التواصل بين القوى السياسية المختلفة، ومنصة ديمقراطية شهدت مناقشة حقيقية وجادة لمختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتقديم رؤىً ومقترحات للإصلاح والتطوير أُخذت بعين الاعتبار، ولم تكن «طق حنك» أو مجرد ثرثرة فى الهواء.
لقد نجح الحوار الوطنى فى جمع ممثلين عن الأحزاب والقوى السياسية المختلفة، وأتاح لهم مساحة أوسع للتواصل، وعزز ثقافة التوافق حول القضايا التى تمس حياة المواطن المصرى دون حجر على رأى أو مصادرة لفكر أو انحياز لفصيل دون الآخر.
إن الحياة الحزبية فى دولة 30 يونيو لم تحيا فقط، بل باتت إحدى أهم الأدوات التى تعتمد عليها الدولة فى تعزيز المشاركة السياسية وإثراء الحوار العام حول القضايا الوطنية المختلفة، بمشاركة أحزاب تمثل اتجاهات فكرية متنوعة تعبر عن أطياف المجتمع.
وفى هذا السياق علينا أن نثمن للدولة المصرية اهتمامها الواسع بالشباب باعتبارهم القوة الحقيقية المحركة للتنمية وصناعة المستقبل، هذا الاهتمام انعكس جليًا على الحياة السياسية والحزبية، بفتحه المجال أمام الأجيال الجديدة للمشاركة فى العمل العام، وإعداد كوادر قادرة على تحمل المسئولية باعتبارها إحدى أهم ركائز الحياة الحزبية فى دولة 30 يونيو، التى راهنت على طاقاتهم وأفكارهم فى دعم مسيرة التنمية وبناء الجمهورية الجديدة، ومن ثم.. شهدت السنوات الماضية توسعًا ملحوظًا فى مشاركة الشباب داخل الأحزاب السياسية، التى أولت اهتمامًا أكبر باستقطاب العناصر الشابة وإتاحة الفرصة لها للمشاركة فى صياغة البرامج السياسية أو التواصل مع المواطنين، كما وفرت دولة 30 يونيو مبادرات وبرامج التأهيل والتدريب السياسى للمساهمة فى إعداد جيل جديد يمتلك المعرفة والخبرة اللازمة للعمل العام، وكان من أبرز تلك المبادرات الأكاديمية الوطنية للتدريب، المنوطة بوضع برامج لإعداد القيادات الشابة وتعزيز الوعى السياسى لديهم، كما اهتمت بتنمية مهارات القيادة والإدارة.
من هنا علينا أن نذكر بكل الشكر والامتنان للرئيس عبدالفتاح السيسى تبنيه وحضوره الشخصى مؤتمرات الشباب التى لعبت دورًا مهمًا فى تعزيز مشاركتهم فى الحياة السياسية، وأتاحت لهم فرصة ذهبية للتعبير عن آرائهم، ومناقشة القضايا الوطنية مع سيادته وبقية المسئولين عن صناعة القرار، ما أسهم فى ترسيخ ثقافة الحوار وإرساء مبدأ إشراك الشباب فى رسم السياسات العامة للدولة.
وإذا كنا نتحدث عن حاضر مُبهر للحياة الحزبية فى دولة 30 يونيو؛ فمن واجبنا أن نتساءل عن مستقبلها، ومدى قدرتها على مواكبة التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والقيام بدورها فى تمثيل حقيقى للمواطنين والمشاركة فى صنع القرار.
لا شكّ أن تلك الأمور مرتبطة بقدرة الأحزاب على تجديد خطابها، ومشاركتها الفاعلة فى مواجهة التحديات الوطنية، وكذلك قدرتها على بناء قواعد شعبية حقيقية، وتقديم برامج واقعية تعالج التحديات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب استمرار جهود الدولة فى توسيع المشاركة السياسية وتعزيز ثقافة الحوار والتعددية؛
فكلما ازدادت فاعلية الأحزاب وقدرتها على تمثيل المواطنين، أصبحت الحياة السياسية أكثر حيوية فى دعم مسيرة التنمية والاستقرار، من بينها الحاجة إلى زيادة الوعى بأهمية العمل الحزبى؛ إذ لا يزال الكثيرون ينظرون إليه باعتباره نشاطًا يقتصر على النخب السياسية، الأمر الذى قلل من معدلات مشاركتهم أو بالأحرى انضمامهم إلى الأحزاب السياسية، وتطوير أدوات التواصل مع الأجيال الجديدة، وتشجيع مزيد من الشباب على الانخراط فى العمل السياسى المنظم، بما يضمن استدامته، فضلًا عن تجديد دماء الأحزاب وتعزيز المشاركة الشعبية فى صنع القرار.
ولكن.. رغم التطورات التى شهدتها الحياة الحزبية، فإن بعض الأحزاب ما زالت تعانى من ضعف القواعد الجماهيرية، حيث تتركز أنشطة عدد منها فى المدن الكبرى، بينما يظل حضورها محدودًا فى العديد من المحافظات والقرى، فضلًا عن محدودية الموارد المالية والتنظيمية وحاجتها الماسة إلى تجديد الخطاب السياسى وزيادة التفاعل مع القضايا اليومية للمواطنين.
وفى الختام أقول: إن مستقبل تلك الأحزاب بات مرهونًا بقدرتها على استيعاب التطور التكنولوجى ووسائل التواصل الاجتماعى، وتوظيفها كأدوات رئيسية للتفاعل مع المواطنين ونشر الأفكار والبرامج السياسية، والأحزاب الأكثر قدرة على توظيف التكنولوجيا ستكون الأقرب إلى جذب الأجيال الجديدة وتعزيز حضورها الجماهيرى.
إن المستقبل السياسى فى مصر أصبح يعتمد بشكل كبير على الالتزام بالقيم القانونية والشفافية السياسية، وعلى تحمل الأحزاب السياسية لمسئولياتها نحو تحقيق الإصلاحات الضرورية التى تسهم فى بناء دولة ديمقراطية حقيقية قادرة على مواجهة التحديات العالمية والمحلية على حد سواء.
إن نجاح هذا المسار يتطلب الإرادة السياسية للأحزاب وقياداتها، كذلك التعاون البنّاء بين جميع فئات المجتمع، ما يسهم فى تحسين الحياة السياسية وزيادة مشاركة المواطنين فى العملية الديمقراطية، وهو ما يؤدى فى نهاية المطاف إلى بناء مصر المستقبل.
إن مستقبل الحياة السياسية فى مصر سوف يظل مرتبطًا بالتعددية والشراكة الوطنية، وليس على هيمنة حزب واحد أو تيار بعينه، وإن دولة 30 يونيو ستظل بحاجة إلى وجود أحزاب قوية، متنوعة تعبر عن مختلف فئات المجتمع وتسهم فى بناء توافق وطنى حول القضايا القومية كافة، فهل تستغل أحزابنا تلك الفرصة الذهبية وتنجح فى التغلب على ما يواجهها من تحديات؟.. أتمنى ذلك.