رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«دبلوماسية 30 يونيو».. «استراتيجية متوازنة وشراكات متنوعة»


1-7-2026 | 13:22

.

طباعة
تقرير: سلمى أمجد

لم تكن ثورة 30 يونيو 2013 مجرد حدث سياسى عابر فى تاريخ مصر، بل شكلت نقطة تحول فارقة أعادت صياغة مسار الدولة المصرية، ومهدت لمرحلة جديدة لم تتوقف آثارها عند حدود الداخل فحسب، بل امتدت إلى إعادة إحياء الدور المصرى إقليميًا ودوليًا عبر سياسة خارجية أكثر توازنًا وفاعلية، فمنذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى، شهدت العلاقات الخارجية المصرية نقلة نوعية، إذ تبنت الدولة رؤية دبلوماسية متوازنة تقوم على حماية المصالح الوطنية، وتنويع الشراكات الاستراتيجية، وترسيخ الدور المصرى إقليميًا ودوليًا، وقد انعكس هذا التوجه فى نشاط دبلوماسى مكثف تضمن سلسلة من اللقاءات والقمم والزيارات الرسمية، بهدف تعزيز التعاون، وتوطيد العلاقات الثنائية، وتنسيق المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية.

يُعد الموقف المصرى من القضية الفلسطينية أحد ثوابت السياسة الخارجية المصرية، إذ ترفض مصر بشكل قاطع أى محاولات لتهجير الفلسطينيين قسرًا أو توطينهم خارج أراضيهم، وتدعم حق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وقد استضافت مصر العديد من الاجتماعات الإقليمية والدولية الهادفة إلى إنهاء الحرب وبدء إعادة إعمار قطاع غزة، وكان من أبرزها «قمة شرم الشيخ للسلام» التى انعقدت فى أكتوبر من العام الماضى، كما تضطلع مصر بدور فاعل فى جهود التهدئة وتخفيف حدة الأزمات المتفاقمة فى المنطقة العربية، عبر تحركاتها الدبلوماسية المستمرة واتصالاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، بما يسهم فى دعم الاستقرار ومنع اتساع رقعة الصراعات.

فى الإطار ذاته، واصلت مصر تعزيز حضورها داخل القارة الإفريقية عبر ترسيخ التعاون مع دول القارة ودعم القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفى مقدمتها الأمن المائى والتنمية المستدامة، كما تبنت نهجًا متوازنًا فى إدارة علاقاتها مع القوى الدولية الكبرى، فحافظت على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بالتوازى مع توسيع مجالات التعاون مع روسيا الاتحادية والصين والاتحاد الأوروبى، بما عزز من مرونة تحركاتها الدولية.

ويعكس الحضور الدولى للكفاءات المصرية حصادًا لجهود دبلوماسية متواصلة، استطاعت من خلالها مصر تعزيز ثقة المجتمع الدولى فى كفاءاتها، وهو ما تجلى فى وصول شخصيات مصرية بارزة إلى مواقع قيادية فى منظمات أممية، من بينها الدكتور خالد العنانى المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، والدكتورة رانيا المشاط وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والأمين التنفيذى للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، والدكتورة ياسمين فؤاد منصب السكرتير التنفيذى لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، والدكتور مينا رزق رئيس المجلس التنفيذى لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو).

فى هذا السياق، قال السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق: خلال فترة حكم الإخوان، بدأت نظرة بعض الدول تتغير تجاه مصر، نتيجة عدم وضوح الرؤية السياسية والاقتصادية، سواء على مستوى العلاقات الإقليمية أو الدولية، ما أدى إلى حالة من الترقب والانتظار، وبعد أحداث 30 يونيو، حدث نوع من سوء الفهم لدى بعض الأطراف الدولية، لكن بعد الانتخابات الرئاسية وتولى الرئيس السيسى، عادت مصر إلى الاتحاد الإفريقى، وبدأت تمارس دورها وتشارك فى جميع القمم الإفريقية بوصفها دولة رئيسية فى الاتحاد، ودولة مؤسسة لها دور فعال سواء فى التنمية البشرية أو تسوية المنزاعات أو تقديم المساعدات، كما تم استئناف التعاون والمساعدات بين مصر والاتحاد الأوروبى وفقًا لاتفاقية الشراكة بين الجانبين. وراجعت الولايات المتحدة موقفها، وأعلن الرئيس باراك أوباما آنذاك عودة العلاقات بين البلدين، ومن هنا بدأت مصر تأخذ دورها المعهود على الساحة الدولية.

وعن دور الوساطة المصرية فى خفض التصعيد الإقليمى، أوضح «حسن» أن «مصر تؤمن بسياسة السلام، وأن الحروب مهما طالت ستنتهى إلى مفاوضات سلام، وإذا نظرنا إلى القضية الفلسطينية، سنجد أن الدولة المصرية تتعامل معها على أساس أنها جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى، لأنها على بوابة مصر الشرقية، من ناحية أخرى، والشعب الفلسطينى شعب شقيق له الحق فى الاستقلال والحصول على دولته المستقلة، وفقًا للقرارات الشرعية الدولية، وفى مقدمتها قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فضلًا عن القرارات الصادرة عن مؤتمرات القمم على مستوى الجامعة العربية والاتحاد الإفريقى ومنظمة التعاون الإسلامى».

وتابع: فيما يتعلق بالسودان، فإنها تمثل الامتداد الاستراتيجى لمصر، ومعبر مياه النيل، الذى نعتمد عليه بنسبة 95 فى المائة فى تلبية احتياجاتنا المائية، لذلك تولى مصر اهتمامًا كبيرًا بالتطورات الجارية فى السودان، وتؤكد على أهمية التوصل لحل سياسى للأزمة، وفيما يخص ليبيا، فهى على حدود مصر الغربية وترتبط بأمنها، ومن هذا المنطلق، تعقد مصر دائمًا اجتماعات مع الدول المجاورة ومنظمة الأمم المتحدة لحل الأزمة الليبية وعودتها إلى الوحدة والاستقرار. وشاركت مصر، إلى جانب أطراف إقليمية ودولية أخرى، فى الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، لما لها من تداعيات على دول الخليج العربى الشقيقة.

كما لفت«رخا» فى حديثه إلى إيمان مصر بسياسة التوازن فى العلاقات الدولية، وسعيها إلى تنمية المصالح المشتركة مع القوى الدولية الفاعلة، وخاصة القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، مشددًا على أن ذلك التنوع يعطى نوعا من الاستقلالية والحرية فى اتخاذ القرارات خاصة إذا ما حاول أحد الأطراف الكبرى ممارسة ضغوط سياسية. وقد تجلى ذلك عندما مارست الولايات المتحدة ضغوطًا على مصر، ما دفعها إلى التوجه إلى فرنسا واقتناء طائرات «رافال» بدلًا من «إف16».

من جانبه، قال الدكتور طارق البرديسى، خبير العلاقات الدولية، إن«الدفعة القوية التى شهدتها العلاقات المصرية العربية والإفريقية ما كانت لتتحقق لولا حكمة الرئيس السيسى، وثورة 30 يونيو، ودولة 3 يوليو، التى استجابت للثورة، وكانت بمثابة سفينة نوح التى حمت الدولة المصرية وحافظت على أركانها وتماسكها وسط الأمواج التى اجتاحت المنطقة».

«البرديسى» أضاف أن «العلاقات المصرية الدولية شهدت نقلة، أشبه بالانتقال من الملح الأجاج إلى العذب الفرات، فبعد حالة من التشكك، باتت الدول تسعى إلى توطيد أواصر الصداقة والعلاقات، والارتقاء بها إلى مستوى الشراكات الاستراتيجية مع الدولة المصرية التى نجحت أيضا فى تحقيق توازن استراتيجى مع مختلف القوى الكبرى فى العالم، بما فى ذلك دول لم تكن بارزة فى المشهد سابقًا»، مشيرًا إلى أن تعزيز التعاون الثنائى فى شتى المجالات يقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل فى الشئون الداخلية، وعلى كل مرتكزات ومبادئ التنظيم الدولى.

وختم «د.طارق» حديثه بالإشارة إلى فوز مصر بعدد من المقاعد داخل المؤسسات الدولية، وتولى شخصيات مصرية مناصب دولية رفيعة، وهو ما يعكس ما تحظى به مصر وقيادتها من ثقة وتقدير على الساحة الدولية.

من جانبه، قال الدكتور أديب السيد، الخبير فى الشئون الروسية والدولية، إن «العلاقات المصرية الروسية فى السنوات الأخيرة اكتسبت بُعدًا استراتيجيًا لعدة عوامل، من أهمها تعزيز الروابط الثنائية فى ظل أزمة النظام العالمى القائم والسعى نحو نظام متعدد الأقطاب، والرغبة المتبادلة فى إحياء الإرث التاريخى للعلاقات بين البلدين الممتدة منذ عام 1943».

وتابع أن «العلاقات الثنائية شهدت طفرة قوية فى عهد الرئيس السيسى، حيث برزت بوادر انتقالها إلى مرحلة جديدة ذات طابع استراتيجى تستند إلى المصالح المشتركة، ليس فقط على الصعيد الوطنى، بل أيضًا على الصعيدين الإقليمى والدولى، مشيرًا إلى قيام البلدين بتطوير الروابط الاقتصادية والتجارية، بما يعود بالفائدة على الجانبين، بما فى ذلك تنفيذ مشاريع ضخمة، والعمل بوتائر ثابتة على زيادة حجم التبادل التجارى بين البلدين».لافتًا إلى موافقة روسيا على تزويد مصر بمنظومة صواريخ من طراز "إس- 300"، وتوقيع اتفاقية لتشييد محطة للطاقة الكهربائية بقوة إنتاج تصل إلى 1200 ميجاوات، إلى جانب توقيع اتفاق يقضي ببناء محطة كهروذرية في عام 2017 في منطقة الضبعة، واتفاق الجانبين على إقامة منطقة صناعية على مشارف قناة السويس .

كما أوضح أن «مصر ترى فى روسيا قوة كبرى تلعب دورًا أساسيًا فى العمل على إيجاد تسوية للنزاع العربى الإسرائيلى على أساس قرارات منظمة الأمم المتحدة، وبما يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، بدورها تثمن موسكو الموقف المصرى المتزن فى التعامل مع العملية العسكرية فى أوكرانيا، ودعم الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إيجاد تسوية لهذا النزاع».

وقال الدكتور أحمد عبده طرابيك، الخبير فى الشئون الآسيوية، إن «مصر والصين تحتفلان هذا العام بالذكرى الـ70 لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، حيث كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تعترف بالصين الشعبية عام 1956، ومنذ ذلك الحين، بدأت العلاقات بين القاهرة وبكين فى التطور، وصولًا إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» عام 2014، وتعكس اللقاءات الرئاسية المكثفة التى جمعت الرئيس السيسى ونظيره شى جين بينج، والتي بلغت 13 لقاء قمة، مدى التقارب بين قائدى البلدين».

وأضاف أن «مظاهر هذا التطور تجلت فى تعزيز التعاون الاقتصادى، وتنامى حجم التبادل التجارى، والتوافق فى الرؤى السياسية، وتوقيع اتفاقيات استراتيجية كبرى وتوطين التقنيات الحديثة فى مصر عبر العديد من المشروعات المشتركة التى يتم من خلالها نقل التقنيات والخبرات الصينية إلى البلاد»، مشيرًا إلى أن الصين تُعد أكبر شريك تجارى لمصر، حيث بلغ حجم التبادل التجارى نحو 17.37 مليار دولار، كما تشهد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تواجدًا كبيرًا للاستثمارات الصينية، أبرزها منطقة «تيدا» الاقتصادية.

أما على المستوى العسكرى، فأشار «طرابيك» إلى إجراء تدريبات عسكرية وجوية عديدة مشتركة، بينما على المستوى الثقافي، تشهد مصر إقبالاً متزايدًا على دراسة اللغة الصينية، مع وجود أقسام متخصصة فى الجامعات المصرية ومعاهد «كونفوشيوس»، كما يوجد اهتمام متزايد بورش التدريب المهنى مثل «ورش لوبان» لنقل الحرف والتقنيات الصينية إلى مصر.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة