وكان معنى ذلك -عمليا- إزاحة جماعة حسن البنا عن الحكم، الذى تسللوا إليه، واقتنصوه كله فى لحظة الفوضى الكبرى التى عشناها بعد ثورة 25 يناير 2011، وكانت الجماعة قد أشعلت الفوضى بعد رحيل مبارك، ليصفو لها الجو وتنتزع الحكم.. وكان أمام الثورة بعد نجاحها عدة مهام، بينها ما هو عاجل ومُلح، تمثل ذلك فى إزاحة ركام الجماعة وما أحدثته فى المجتمع والدولة، وقد يتصور المرء أنهم حكموا لمدة عام ومن ثم لم يحدثوا شيئًا كبيرًا، وهذا التصور ليس صحيحًا، ذلك بأن الجماعة قبل الوصول إلى الحكم كانت موجودة كامنة فى جوانب ومعلنة فى أخرى، ظاهر وباطن، وأخطر ما قامت به هو تكوين ميليشيات مسلحة، من عناصرها داخل مصر وخارجها، وتم تسليحهم، ثم استوطنوا شمال سيناء، عند المنطقة الحدودية مع فلسطين ومع إسرائيل، واعتزموا تشكيل ولاية خاصة هناك باسم «ولاية شمال سيناء» تكون منفصلة عن الدولة المصرية، فضلًا عن الخلايا النائمة فى الداخل هنا، فى المؤسسات والنوادى وأعضاء هيئات التدريس بالجامعات، وغير ذلك كثير.
واجهت مؤسسات الدولة ذلك كله، معركة طويلة مع إرهاب الجماعة فى سيناء، استغرقت عدة سنوات حتى أمكن حسمها والانتصار فيها، لكن قدمنا أعدادًا من الشهداء والمصابين، أعدادًا ليست قليلة، فضلا عن التكلفة المالية الباهظة، ومحاولة إشغال الدولة عن مهام أخرى كثيرة وعديدة تتعلق بالمواطن وبعملية التنمية والبناء.
غير مواجهة إرهاب الجماعة وركامها، كانت هناك مهام أخرى مثل إعادة بناء مؤسسات الدولة جراء ما أصابها فى السنوات الأخيرة، منذ سنة 2010، وكان أهم ما تم هو أن قيادة الدولة ممثلة فى الرئيس عبدالفتاح السيسى وسائر القيادات كان لديهم رؤية مستقبلية بما يعَد للمنطقة، واحتمالات الانفجار بها، كانت هناك شواهد دقيقة، قرأها القائد، ولذا وجب تحديث تسليح الجيش وتجهيز قواتنا المسلحة لما قد تتعرض له المنطقة، وقتها هاج أذناب الجماعة وراحوا يصرخون: لماذا نشترى طائرات الرافال، ولماذا حاملة الطائرات الميسترال، ولماذا ولماذا؟
وانضم إليهم دُعاة الفوضى والهدم مع بعض الممتعضين، ولما عجزوا عن أن يقنعوا المواطن بما ذهبوا إليه، تعللوا بقضية الأولويات، وأن الأولوية يجب أن تكون لأمور أخرى.
ثم جاءت الأحداث العاصفة بالمنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اليوم، لتؤكد أهمية أن يكون لدينا جيش قوى، محترف ومدرب على أعلى مستوى يمتلك أحدث الأسلحة. فى نهاية عام 2023 كانت حدودنا مهددة، حين لوّح اليمين المتطرف فى الحكومة الإسرائيلية بطرد سكان غزة جميعا من وطنهم ودفعهم نحو مصر فى شمال سيناء، المنطقة التى كانوا يتفاوضون عليها مع الجماعة فترة الحكم، ولولا الموقف السياسى الحازم للدولة، يساندها الشعب، ولولا أن لدينا قوات مسلحة قوية وقادرة، فضلا عن أنها جاهزة دائما، فربما تهور اليمين الحاكم فى إسرائيل ونفذ جريمته، كما فعلوا فى منطقة جبل الشيخ بسوريا العام الماضى، وببساطة أعلن نتنياهو أنه أسقط اتفاق وقف النار سنة 1974 مع سوريا، وأنه لا يعترف بحدود ما قبل 7 أكتوبر 2023 ولا بحدود ما قبل سنة 1967، فعل ذلك مع سوريا وفى غزة وفى لبنان، لكنه لم يجرؤ على الاقتراب من الحدود المصرية، لسبب بسيط جدا ورئيس هو أنه يعلم قوة مصر الحربية والقتالية.
وفى حرب إيران وأمريكا مؤخرًا، تبين وجود عدة مواقع عسكرية داخل العراق أقامتها إسرائيل، تنطلق منها الهجمات نحو بعض دول المنطقة، وتم اكتشاف الأمر مصادفة، اكتشفها راعٍ عراقى، والسبب ببساطة إضعاف أجهزة المعلومات والمتابعة والاستطلاع فى العراق الشقيق، الذى كان معروفًا بقوة جهاز المخابرات لديه.
لا يقتصر الأمر على حدودنا الشمالية- الشرقية، بل كل حدودنا، نحن نتابع ما يجرى فى الجنوب، حتى نهاية الأسبوع الماضى، حيث نزح نحو مائة ألف لاجئ غير شرعى إلى جنوب مصر، وأقاموا وراحوا ينقبون عن الذهب والمعادن الأخرى وعاشوا حياتهم هناك، ومن دون وجود قوة مسلحة قوية، لما أمكن التصدى لهؤلاء جميعًا، ولنا أن نتخيل ماذا لو أن هذا العدد زاد إلى مليون خلال سنوات بسيطة، وراحوا يؤسسون لهم داخل حدودنا دولة أو ولاية.. ترى ماذا يمكن أن يكون الموقف؟
على حدودنا الغربية الوضع ليس أسوأ، لكنه ليس مريحا، ويقتضى يقظة، بالطبع الأشقاء فى ليبيا ضحايا هذا الوضع، وهناك محاولات لتهريب السلاح إلى بلادنا، فضلاً عن تهريب المخدرات وغيرها، لأن ليبيا مع الأسف صارت مقصدا للمغامرين والهاربين والمجرمين، ويحاولون هناك التصدى لكل ذلك، حتى إنهم قرروا يوم الثلاثاء الماضى منع مواطنى أربع جنسيات من دخول البلاد.
أما أمن البحر الأحمر، خاصة عند المدخل الجنوبى قريبًا من مضيق باب المندب، حيث تتحرك إسرائيل لبناء قاعدة عسكرية لها هناك، فى أرض الصومال، غير إسرائيل، فهناك دول أخرى حبيسة تحاول البحث عن مرفأ على البحر الأحمر، يمكّنها من التحكم فيه والسيطرة عليه، فضلاً عن الضغط على مصر، بل محاولة ابتزازها لأهداف يريدونها، لكن قوة مصر العسكرية تردعهم وتمنعهم.
ما حدث مع القوات المسلحة، حدث شيء مشابه له فى قطاعات ومؤسسات أخرى، تأمل -مثلاً- قطاع الصحة.
كنا نتندر من قبل بزيادة أعداد مرضى فيروس «سى»، وقوائم الانتظار التى كانت بحاجة طبقا لبعض الدارسين إلى مدة سبعين سنة (سبعة عقود) حتى تجد لها دورًا فى العلاج والمتابعة، معنى هذا أنه كان هناك آلاف محكوم عليهم بالموت، من جراء المرض، لا يجدون فرصة للعلاج منه ولا أملاً فى الشفاء، لكن وضعت الدولة منذ سنة 2013 على رأس أولوياتها، مكافحة هذا المرض اللعين، وسنة 2025، أعلنت منظمة الصحة العالمية نجاح مصر فى القضاء على هذا المرض، لم تعد هناك قوائم انتظار، المريض يجد المستشفى والعلاج متاح فورًا، كم تكلَّف ذلك من الجهد والمال والعلاقات الدولية لتدبير العلاج، فضلًا عن الذى أدرك حجم المشكلة وقرر الخوض فيها لا بمنطق التهدئة والتسكين، بل الحل الجذرى، الآن كل ذلك يدخل فى باب التفاصيل، لكن النتيجة النهائية أننا نجحنا فى التصدى لأخطر مرض فتت أكباد المصريين طوال قرون.
وهكذا الحال فى العديد من القطاعات، التعليم وبناء الجامعات، تأسيس عشرات المدن الجديدة، مشروع حياة كريمة، الذى امتد إلى أكثر من خمسين مليون مواطن ومواطنة، إنهاء ملف الغارمات.. أما فى قطاع النقل والمواصلات فحدِّث بفخر، القطار الكهربائى السريع، الذى يبدأ من منطقة القناة ويصل إلى مرسى مطروح، وكذلك الحال بالنسبة لمناطق الصعيد والدلتا، أما فى العاصمة فنحن نرى المونوريل.
ولمَن لا يتذكر، فقد كان هناك حديث ونقاش منذ نهاية الخمسينيات بنقل العاصمة أو تخفيف الحمل عن مدينة القاهرة، نُوقش ذلك زمن الرئيس عبدالناصر، ثم حاول الرئيس السادات وأسس مدينة السادات لتكون مقرًا للوزارات ومجلس النواب والحكومة وغيرها، وأُقيم مطار هناك كى تستقبل العاصمة الجديدة ضيوفها، لكن لأسباب عديدة تبين أن المشروع لم يكن عمليًا، فقد كان معناه تحريك الزحام والاختناق من القاهرة إلى طريق مصر- الإسكندرية الصحراوى، لكن تحقق الأمر بطريقة أفضل بعد ثورة 30 يونيو؛ فقد تأسست العاصمة الجديدة، فى منطقة صحراوية تمامًا، لا اعتداء على أرض زراعية ولا خلق زحام جديد فى منطقة معمورة، وأخذت تستوعب المقار الرئيسية للدولة؛ الوزارات ورئاسة الوزراء، مجلس النواب بغرفتيه (البرلمان والشيوخ)، فضلاً عن بناء عدد من الجامعات هناك، على أحدث مستوى ومرتبطة بالجامعات الكبرى فى العالم.
على أن دور دولة 30 يونيو- 3 يوليو، فى الثقافة المصرية، كبير ومهم، يحتاج أن نتوقف عنده لنرصد بعض جوانبه.. ونحن لا نعنى بالثقافة هنا، المعنى الضيق الذى يراه بعضنا وهو الذى يضع الثقافة فى عملية الكتابة والنشر فقط وبعض الجوانب الفنية من فن تشكيلى إلى موسيقى وفنون أخرى.. الثقافة أوسع من ذلك وأعمق كثيرا، وهنا يتضح ما تحقق فى السنوات الأخيرة.
عشنا نردد أننا نعيش على 6 فى المائة من مساحة مصر، هى الدلتا والوادى، وأن بقية المساحة صحراء جرداء لا نبت فيها ولا ماء، ومن يراجع كتاب د. جمال حمدان «شخصية مصر»؛ يجد فيه مرثية لتلك الحالة التى بدت وكأنها قدر لا يمكن الفكاك منه ولا الخروج عليه، كتب علينا أن نكون حبيسى منطقة الوادى ولا نقترب من الصحراء.
لكن حدث مؤخرا اختراق لهذه القاعدة، واتجهنا إلى الصحارى شرقا وغربا، حتى بلغت مساحة المعمور الآن 14 فى المائة أُقيمت مجتمعات جديدة وتأسست «الدلتا الجديدة»، هذا العام بلغ إنتاج القمح –كما أعلن رسميًا- من مزارع توشكى نحو 400 ألف إردب، وهو رقم ضخم يدعو إلى الفخر، لأن تلك الأراضى قبل 15 عاما كانت صحراء تماما.
تغيرت النظرة المصرية نحو الصحراء؛ فلم تعد مكانا معزولا مخيفا، بل يمكن بناء مدن ومجتمعات جديدة بها، زراعة وصناعة وتعدينًا، هنا لا بدّ أن نذكر للقوات المسلحة إنجازها الضخم، فى إزالة الألغام من منطقة العلمين، زرعها روميل أثناء الحرب العالمية الثانية وهو ينسحب إلى الغرب مهزوما، ثم ضاعت خرائط الألغام، وبقيت منطقة محرمة تماما، لا يقترب منها أحد، حتى أمكن تطهيرها بالكامل، وأُقيمت مدينة العلمين الجديدة.
وفى ثقافتنا كنا نميل إلى تفضيل المنتج المستورد لأسباب كثيرة، ومع نشوء وتكون طبقة جديدة فى مصر منذ نهاية التسعينيات، راح بعض أفرادها يتباهون أنهم يستوردون فى بعض المناسبات حتى وجبات الطعام من الخارج وتصل إلى هنا بالطائرة فى الأفراح وأعياد الميلاد «سخنة نار»، وكنا نخوض فى ثنائية المنتج المحلى أو المستورد، لكن صار الاتجاه فى السنوات الأخيرة توطين الصناعات، وقد حرص الرئيس السيسى على إعلان ذلك مرارا، التوطين يعنى أن يصنع المنتج هنا وبمواصفات تنافس المنتج المستورد.
وقد بدأت النتائج تظهر فى مجال الأدوية، وهذا يعنى تخفيف العبء عن الميزانية فى بند الاستيراد بالعملة الأجنبية، وهو يجنبنا ضغوط بعض المصدرين وتلاعبهم بنا، كما حدث سنة 2017 فى دواء خاص بأمراض القلب، وهو يفتح مصانع جديدة بما يوفر فرص عمل أمام أبنائنا.
على أن الإضافة الثقافية الكبرى تتمثل فى إعادة بناء مفهوم «المواطنة»، لا تمييز بين المواطنين.. كان هناك تميز بين المواطن الذى يولد معافى والذى يولد بعيب خلقى؛ فكان لدينا المواطن، وهناك الإنسان «العبيط أو البركة»، الأخير كان بلا حقوق، لا علاج ولا تأمين صحى.. لا مدرسة ولا فرصة عمل.. يترك الإنسان فى هذه الحالة للشارع يستغله الشرير ويمنحه الخيّر حسنة، لكن الآدمية والإنسانية منتهكة.. والحق أن الرئيس السيسى أحدث ثورة فى هذا الجانب، اسمها «ذوو القدرات الخاصة»، وتم التعامل معهم بهدف إدماجهم فى المجتمع وليس الاستبعاد أو النفى والتجاهل- صارت المدارس تقبلهم، لم تكن المدارس الحكومية تقبلهم، وصار لهم الحق فى العمل، باختصار الاعتراف بإنسانيتهم أولا، وأنهم مواطنون لهم نفس الحقوق. هذا غيض من فيض.. هو جهد المصريين وثمرة كفاحهم فى 30 يونيو وشجاعة رفض جماعة حسن البنا وتحمل أعباء الإرهاب ومواجهته.