لا يمكن قراءة المشهد المصري الراهن في مرحلة ما بعد الثلاثين من يونيو بمعزل عن حجم التحولات الجذرية التي شهدتها مؤسسات الدولة السيادية، وفي مقدمتها وزارة الداخلية التي وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع تحديات استثنائية فرضتها طبيعة تلك الحقبة التاريخية الفارقة، فقد مرت مصر بنفق سنوات عصيبة واجهت خلالها تهديدات أمنية غير مسبوقة تحت وطأة ما عُرف بـ»الفوضى الخلاقة»، والتي تراوحت حدتها بين تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية والمحاولات الممنهجة لاستهداف وتقويض مؤسسات الدولة، وهي تحديات عاش الشارع المصري تفاصيلها المعقدة على أرض الواقع، مما وضع جهاز الشرطة أمام اختبار حقيقي وحتمي لإعادة فرض سيادة القانون وضمان أمن المواطنين واستعادة هيبة الدولة.
وفي الميدان، تجسد التلاحم الوطني بين القوات المسلحة والشرطة المصرية كظهير شعبي صلب؛ حيث عملت المنظومتان على قلب رجل واحد لمواجهة الإرهاب ودحره، وبتضحيات جسام سطرها الشهداء بدمائهم في سبيل أداء الواجب، نجحت هذه الجهود المشتركة في استعادة قطار الأمن والاستقرار إلى مساره الصحيح، وهو ما مهد الطريق لاحقا أمام الدولة المصرية لاستكمال مسيرة البناء والتنمية المستدامة والانطلاق نحو المستقبل.
وفي هذا السياق، كشف اللواء بهاء حلمى مساعد وزير الداخلية للتخطيط والمتابعة السابق، أن مواجهة الإرهاب كانت أحد أبرز الملفات التي فرضت نفسها على أجندة الدولة، فقد خاضت الأجهزة الأمنية بالتعاون مع القوات المسلحة وسائر مؤسسات الدولة معركة طويلة ضد التنظيمات المسلحة، نجحت خلالها في القضاء على العديد من البؤر الإرهابية وتقويض قدراتها، وهو ما انعكس تدريجيًا على استعادة مفهوم الدولة ومؤسساتها، وتحسن مؤشرات الأمن والاستقرار في مختلف أنحاء البلاد.
وأشار إلى أنه منذ ذلك الوقت شهدت وزارة الداخلية عملية تطوير واسعة وفق تخطيط واستراتيجية جديدة، لم تقتصر على تحديث المعدات والتجهيزات أو دعم الإمكانات اللوجستية فحسب، بل شملت أيضًا إعادة بناء منظومة العمل الأمني وقوات الشرطة على أسس أكثر كفاءة واحترافية، وفقا للمعايير القانونية والدولية لاستخدام القوة في مواجهة العنف، مع التوسع في الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة في كشف الجرائم، وتطوير غرف القيادة والسيطرة، وتعزيز قدرات التحليل والمعلومات وعمليات البحث بما أسهم في كشف كثير من الجرائم قبل ارتكابها، وسرعة ضبطها بعد وقوعها، ورفع معدلات سرعة الاستجابة لمواجهة التحديات الأمنية المتغيرة.
وأضاف «حلمى» أنه في الوقت نفسه لم يعد دور وزارة الداخلية يقتصر على حفظ الأمن وملاحقة الخارجين على القانون، بل امتد ليشمل تطوير الخدمات المقدمة للمواطنين، فقد شهدت إدارات الأحوال المدنية والجوازات والمرور والبحث الجنائي والمعلومات ومكافحة جرائم تقنية المعلومات وغيرها طفرة ملحوظة في مجال التحول الرقمي، وأصبح العديد من الخدمات تنجز إلكترونيا أو في وقت قياسي، بما يعكس توجها نحو تقديم خدمات أكثر كفاءة وجودة، وبما يتماشى مع رؤية الدولة لتحديث الجهاز الإداري وتيسير الخدمات للمواطنين.
وأوضح مساعد الوزير أن جودة الخدمات الأمنية وسرعة الاستجابة واحترام حقوق الإنسان وحماية الأخلاق العامة بالمجتمع ومواجهة البلطجة والعنف وجرائم المخدرات والجرائم الإلكترونية بسرعة وإنجاز في ساعات قليلة تحوز على الرضا المجتمعي، والإشادة بدور وزارة الداخلية في مواجهة كل ما يعكر صفو الأمن والأمان، حيث يتحول دور الأمن من مجرد إنفاذ القانون إلى بناء شراكة حقيقية مع المواطنين لحماية الأرواح والممتلكات والآداب العامة، بالإضافة إلى دورها البارز في توفير السلع الغذائية لدعم الأسرة من خلال منظومة أمان، وأن الأمن ليس هدفًا في حد ذاته بل الأساس الذي تقوم عليه التنمية، فلا استثمار بلا استقرار ولا تنمية بلا حماية لمقدرات الوطن، ولا مشروعات يمكن أن تحقق أهدافها في بيئة يسودها الاضطراب.
ولفت «حلمى» إلى أنه من هذا المنطلق جاء تحسن الأوضاع الأمنية وتطوير الخدمات الأمنية وسرعة الاستجابة أحد العوامل التي ساعدت على تنفيذ المشروعات القومية والخاصة وجذب الاستثمارات، وتحسين مناخ العمل والإنتاج وزيادة معدلات السائحين وتوفير جو الأمن والأمان للمواطنين والزائرين لمصرنا المحروسة على أيدي أبنائها من قوات الشرطة المصرية، بجانب دور وحدات الشرطة المصرية في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام والتي حازت علي الإشادة الدولية لسنوات متتالية، ومع ذلك فإن أي تجربة ناجحة تظل بحاجة إلى التطوير المستمر لمواكبة التحديات الأمنية السريعة والمتغيرة في عصر التكنولوجيا الحديثة، وما يواكبها من تطور هائل بعضه مفيد وبعضه الآخر يستهدف المجتمع، وهو ما يتطلب مواصلة تحديث أدوات العمل وتأهيل الكوادر، وكفاءة إدارة الأزمات الأمنية وتعزيز العلاقة بين رجل الشرطة والمواطن، والانخراط في مسيرة إعادة بناء الوعي باعتبارها ركيزة أساسية لترسيخ الأمن المجتمعي وسيادة القانون.
وأوضح أن التجارب أثبتت أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة المخاطر وإنما أيضًا بقدرتها على تطوير مؤسساتها واستيعاب التجارب ودروس الماضي، والتخطيط الجيد لمواجهة الجرائم المستحدثة، وفي هذا السياق ينظر كثيرون إلى 30 يونيو بوصفها محطة أعادت رسم ملامح الدولة المصرية، وأسهمت في استعادة دور المؤسسات الوطنية وعلى رأسها وزارة الداخلية، لتواصل أداء رسالتها في حماية الوطن وصون أمن المواطنين، وتهيئة البيئة الملائمة لمسيرة التنمية التي لا تزال مستمرة لتحقيق الأمن والرفاهية للمجتمع.