تعجب بعض القراء من صورة عباس محمود العقاد التي نشرتها مع مقال سابق راجعت فيه بعض مؤلفاته، ففي تلك الصورة يبدو العقاد شابًّا وسيمًا على غير الصورة الشهيرة التي يظهر فيها كهلًا. ستزداد الدهشة حين نشاهد صورته في التمثال الذي يجسده في أسوان. والحقيقة أنني أعتبر هذا التمثال من أجمل التماثيل التي رأيتها في مصر.
للوهلة الأولى، حين رأيت هذا التمثال خلال جولة في أسوان قبل عشر سنوات، تذكرت كل تماثيل روسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق؛ ففيه عظمة النحت المعبر عن الطموح والسعي نحو المستقبل والقوة.
يقع التمثال بجوار ضريح الأديب الكبير في مدينة أسوان، التي شهدت تكوين عقله وأفكاره.
وبغض النظر عن عدم تناغم هيئة التمثال مع ما اشتهر به العقاد، الذي يبدو لنا دومًا في هيئة الشيخوخة مرتديًا كوفية واقية من البرد، فإنني أحببت التمثال وراقتني هيئته الشامخة، ربما للبعد الرمزي لدور المفكر والمجدد؛ إذ ليس مهمًّا، في نظري، أن يكون هناك تشابه بين التمثال والأصل.
لمن يزورون أسوان، يقع التمثال خلف كاتدرائية رئيس الملائكة ميخائيل، وقبالة مقابر الفاطميين. ولو دققنا النظر في ملامح التمثال، لوجدناه يشبه صورة العقاد في شبابه.
بين الكتب والناس
في هذا الكتاب، الذي يزيد على 400 صفحة، جمع العقاد مقالات أسبوعية كان ينشرها في الصحافة المصرية، وكانت تلك المقالات تعبر عن تأملات العقاد ومواقفه التحليلية للحياة ما بين الفلسفة ومدارسها، والأدب وتياراته، والعلم والدين.
في تلك المقالات يقدم العقاد رأيًا صريحًا دون مواربة في رواد الثقافة آنذاك، وفي مقدمتهم أحمد أمين وحافظ إبراهيم.
يتخذ العقاد من عناوين الأخبار البسيطة مفتاحًا لموضوعات معقدة، مثل خبر مقتل سجين خطير، ويسأل العقاد: «من الذي يصنع المجرم؟» و«ما دور المجتمع؟».
وبنفس الطريقة التي سنظن أن مخترعها لاحقًا زكي نجيب محمود، نرى احترافية العقاد في تأسيس افتتاحية المقال بأسلوب جذاب لا يترك للقارئ فرصة للإفلات.
في بستان متنوع الأزهار الفكرية يأخذنا العقاد في جولة ناعمة هادئة لموضوعات معروضة بقلم رشيق وعبارة ساحرة، تبحث عن أصل ويليام شكسبير وحقيقة أعماله، وتعيد تحليل أشعار العرب، وتبسط قضايا علمية معقدة في الفلك والفيزياء.
عناوين مقالات العقاد في هذا الكتاب مدرسة في الصحافة أيضًا، خذ عندك مثلًا المقال الذي يحمل عنوان «عمر الذي فتح الغرب».
بهذا العنوان يستدرج العقاد القارئ، ويلتمس منه أولًا عذرًا أنه لا يقصد عمر بن الخطاب ولا الفتوحات العربية، بل «عمر» الذي فتح أوروبا والغرب بأشعاره.
ثم بالتدريج يكشف عن عمر الخيام، ويعرض لترجمات مصرية مباشرة من الفارسية وأخرى من الإنجليزية، ويفاجئنا بأبيات لو كتبناها هنا لرمانا القراء بتهمة التجديف الديني.
صدر كتاب العقاد عام 1952، وما زال طازجًا يصلح للقراءة اليوم، ويبدو أنه يصلح للقراءة في كل زمان.
استوقفتني في الكتاب كلمة «صناجة»، فتذكرت فقرة عند جمال حمدان.
مخطئ من يظن أن حمدان هام عشقًا في مصر عازفًا مقطوعة صوفية أحادية؛ فإذا ظننت ذلك فأنت ممن طالعوا عنوان كتابه خطأ، أو ربما وصلتك قصاصات من الصحافة.
لم يعط حمدان كتابه عنوان «عبقرية مصر»، كما يلتبس على كثيرين، بل كان العنوان «شخصية مصر»، أما العنوان الفرعي فهو «عبقرية المكان»، وشتان بين أن يقصد الرجل عبقرية مكان، وأن يخلع هذه الصفة على كل مكونات مصر: أرضًا وشعبًا وحكامًا.
ما لم يقف عنده كثيرون تلك الصفحات التي تفيض ألمًا عند حمدان على حال مصر في نهاية سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن العشرين. حينها لم يكن صوت ناصح أمين يلقى ترحيبًا، وكانت الأصوات المسموح بها هي تلك التي تمدح وتهلل فحسب.
يتأسى حمدان على هذا الوضع، فقد كان يريد أن يسكب صفحات طويلة في النقد اللاذع الناصح، من فيض تجليات التحليل والتأمل الفلسفي الجامع والنظرة الشمولية (الهوليزم.. كُلانية المنهج).
يعتذر حمدان للقارئ قائلًا: «لو كتبت هذا النقد ما وصلك الكتاب الذي بين يديك».
وفي معرض حديثه المغموس بالألم، ينبهنا حمدان إلى خطورة عدم الاستماع لصوت الناقد المحب لوطنه، وأن الوطن لن يثمر شيئًا من صوت «الصنَّاجة».
وحين قرأت الكلمة قبل سنوات، عدت إلى قاموس عربي-عربي لأحصل على تعريف دقيق لتلك الحلقات النحاسية أو الصفيحية التي تصك بعضها ببعض لتعطي صوتًا كالذي تحدثه الراقصة، أو يحدثه النقر على دف ذي أطراف ترصعها حلقات صفائح نحاسية حلقية مقعرة رقيقة.
والحقيقة أن الصناجات (التي خُففت، على ما يبدو، في اللغة الدارجة إلى «الصاجات») لم تكن نشأتها الأولى للتهليل السياسي، بل عرفها التاريخ الإنساني قبل آلاف السنين ضمن أدوات موسيقية في المعابد. وكما تقول الموسوعات، فإن الصناجات مسجلة في التراث الإنساني قبل أكثر من 3000 سنة في الصين وعدد من الحضارات القديمة.
احتفظتُ بكلمة حمدان سنوات طويلة حتى هبت من مرقدها بينما أعيد قراءة كتاب عباس محمود العقاد «بين الكتب والناس».
في الكتاب المؤلف من عدة مقالات، يخصص العقاد مقالًا في رثاء حافظ إبراهيم بعد ما يقرب من عشرين سنة على رحيله، وكان حافظ قد ملأ الدنيا شعرًا في حب الوطن.
ويصدمنا العقاد بأنه يصف حافظ إبراهيم بـ«صناجة مصر»، أي الذي يفيض في مديح الوطن والتغني به.
ويبين العقاد جذور كلمة «الصناجة»، موضحًا أنها كانت لقبًا لشاعر شهير في الجاهلية هو الأعشى، الذي كان أفضل من قال شعرًا في مدح العرب والافتخار بهم.
لكن العقاد يفاجئنا بأن «الصناجة» هو فعلًا ذلك الذي يمدح نظير أجر مدفوع من مال أو هدية.
يقول عباس محمود العقاد في صفحة 102 من كتاب «بين الكتب والناس» إن حافظ إبراهيم، رحمه الله، كان «يقبل الهدايا والأعطية من حُماته ورعاته، وكلهم كرام الأيدي، كرام السجايا، كرام البيوت».
ويلتمس العقاد العذر لحافظ إبراهيم (شاعر النيل)، فيختم حديثه قائلًا:
«فإن كان لا بد من معذرة للضرورة التي لا محيد عنها، فإنه قد أعطى كما أخذ، بل لعله لم يأخذ لنفسه إلا بعض ما أسداه إلى غيره».
أفيون الشعوب
سواء اتفقت أو اختلفت مع أطروحة العقاد هنا، فإن المتعة مضمونة، والفائدة كاملة التحقق عبر 140 صفحة هي قوام هذا البحث الرائد الجريء، الذي يحوي عاصفة هجوم عام 1954، في وقت مبكر للغاية من معرفة المفكرين العرب بمصير ومآل الماركسية.
أنت ببساطة أمام قلم يشن طلقات رصاص في وسط الدائرة المركزية على دعاة الماركسية، ويستخدم نفس أسلحتهم.
وأول طلقات الرصاص التي شنها العقاد استخدام نفس التهمة «أفيون الشعوب»، ليقرر أن الماركسية هي أكبر مخدر يُغيب الناس ويسقط المسؤولية عن الفرد، تمامًا كما يسكر أحدهم، لا لمتعة في شرب الخمر، بل من أجل التخفف من عبء المسؤولية.
في هذا الكتاب يصوب العقاد أثقل سهام النقد على كارل ماركس نفسه، «نبي الماركسية»، من خلال تتبع سيرة حياته، وكيف أن هذا المفكر المنظِّر لم يعمل بعرق يديه ليكتب «إنجيله». ويتندر العقاد بالقول إن ماركس، الذي صك شعار «من لا يعمل لا يأكل»، كان يعيش عالة على الآخرين، وآخرهم مساعده فريدريك إنجلز.
ولأن دعوات الماركسية والشيوعية والمادية التاريخية كانت منتشرة بين الشباب العربي وقت تأليف الكتاب في منتصف القرن العشرين، خصص العقاد في هذا البحث معالجة مستقلة لتحذيرهم مما أسماه «الدعوات الهدامة»، معرجًا على أهمية العائلة والوطن والدين.
يدهشنا العقاد باطلاعه على حال المسلمين في روسيا تحت الحكم الشيوعي في تلك الفترة، ومتابعته لطبيعة القوميات المسلمة تحت السياسات القسرية الروسية، ولا سيما ما تعرض له المسلمون في شبه جزيرة القرم.
هذا الكتاب يجيبك عن سؤال محير:
لماذا يتعرض العقاد لسوء تقدير مقارنة بـطه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، رغم إبداعه الذي يضعه في طليعة المفكرين الكبار؟
وإذا أخذنا في الاعتبار أن القائمين على النقد الثقافي المصري كانوا من المتعاطفين مع الماركسية، فإن هذا الكتاب ربما يقدم، إلى جانب أعمال أخرى، بعضًا من التفسير.
الإنسان الثاني
هذا ليس كتابًا كبير الحجم، متنوع الفصول، من كتب العقاد؛ إذ لا يزيد على مبحث صغير في 25 صفحة، ومع ذلك يبدو أنه مسؤول عن خسارة العقاد قطاعًا مهمًّا من جمهوره، ولا سيما المرأة وأنصارها.
عادة ما يخسر العقاد النقاد لثلاثة أسباب:
موقفه المحتفي بالثقافة العربية والإسلامية، الذي يجعله منتميًا إليها ومتمسكًا بها، وهذا نهج لا يرضي كثيرًا من النقاد الذين سيطروا على المجلات والمنافذ النقدية برؤى حداثية، وبالتالي فإنهم، إن لم يهاجموا العقاد اتقاءً لقوة حجته، فهم على الأقل يتجاهلون مشروعه ويهملون نقد أعماله.
عدم انبهاره بالنموذج الغربي في الثقافة، رغم أنه اغترف منه اغترافًا كبيرًا، ويخالف هذا مسلك عدد من رواد الفكر المصري الحديث الذين كان النموذج الغربي معيارهم للثقافة والتقدم.
أما السبب الثالث، فلعله الكتاب الصغير الذي بين أيدينا، ويجد فيه القراء والنقاد ما يجعلهم يرون العقاد «رجعيًّا» و«عدوًّا للمرأة»، على حد تفسيرهم الظاهري لمضمون ومحتوى هذه الصفحات القليلة.
البحث عبارة عن ثمانية مقالات تناول فيها العقاد بداية الموجة الجديدة التي سميت «عصر المرأة»، ومكانتها في المدنية الحديثة، وتيار «مساواة المرأة» قبل قرن من الزمن.
ولا يخفي العقاد أنه نهل آراءه في الموضوع مما كتبه الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور.
وفي استعانته بما كتبه شوبنهاور، يبدو وكأن العقاد قد وجد حماية من انتقاد المخالفين، على طريقة أن هذا فيلسوف أوروبي كبير يتكلم عن المرأة بطريقة محافظة، وربما شرقية، ويدعو إلى حماية المرأة من مهددات «فجور المدنية».
وبلا مواربة، يرى العقاد أن الرجل أكثر رجاحة في العقل من المرأة. ويحلل العقاد مفاهيم التعامل مع المرأة، ويتساءل: هل الأفضل تعامل الرجل مع المرأة من باب ندية التقدير والاحترام الذي جلبته الموجة الجديدة، أم أن المرأة تستوجب من الرجل تعامل العطف والشفقة؟
ويمضي العقاد إلى أن المرأة خُلقت رهينة انفعالاتها، وهي أقرب إلى العاطفة منها إلى العقل.
وحين يقرر العقاد صفات سلبية بشكل صارخ، فإنه سرعان ما يلجأ إلى الاحتماء بما قاله شوبنهاور من وصف المرأة بأنها تعيش دومًا طور الطفولة.
وبعد أن يعرض العقاد لأوجه الضعف عند المرأة، يذهب إلى أن المطالبة بالمساواة مع الرجل عبث لا فائدة منه تُرتجى. ويرى العقاد أن المرأة والرجل صنوان، لكن لا بد لأحدهما من ميزة ليحدث التوازن في الحياة بقوامة أحدهما على الآخر، ويقرر أن هذه الميزة للرجل.
ويناقش العقاد مسألة تعدد الزوجات، ويستشهد بما ذهب إليه شوبنهاور.
ويبدو أن قراءة اسم شوبنهاور، في السنوات المبكرة التي كتب فيها العقاد هذا البحث قبل قرن من الزمن، لم تكن تسعف القارئ بمعلومات تساعده في إدراك هوية هذا الفيلسوف وحقيقته وأسباب موقفه من المرأة.
أما نحن، في عصر تداول المعلومات، فيمكننا أن نقرأ مقالات مساعدة تلقي الضوء على شوبنهاور، فنعرف أسباب موقفه من المرأة الذي انعكس على كتاباته، ولا سيما علاقته المضطربة بأمه.
أما موقف العقاد في مسيرته الذاتية من المرأة، فلعل أفضل استكشاف له هو رواية «سارة»، التي نشعر فيها بغموض موقف العقاد وارتباكه وتردده وعدم حسمه للمفاهيم والأطر التي جمعت علاقته الجسدية والروحية بـ«سارة».
ولعلنا، حين نطالع كتيب العقاد، ننظر إليه في سياق التاريخ الذي كتبه فيه عام 1912، أي قبل نحو 115 سنة.
أبو نواس
لن تجادل، بعد قراءة هذا الكتاب، في أن العقاد باحث مفتش في العلوم البينية قبل أن يكون أديبًا مفكرًا.
يبدو موضوع الكتاب، من حيث الظاهر، ضيق الاهتمام على المهتمين بالشعر في المرحلة الانتقالية بين العصرين الأموي والعباسي، من خلال التعرض لقصائد الشاعر الشهير أبو نواس.
ولكن الحقيقة أن هذا البحث الرشيق، المؤلف من 140 صفحة، يبحر بالقارئ في ضروب شتى بين علم النفس، وتحليل الشذوذ الجنسي، وأثر الانقلابات السياسية على الأدب والثقافة، بل ومقارنة شخصية أبي نواس بأدباء أوروبيين مثل أوسكار وايلد.
العقاد هنا متألق أيما تألق، متخذًا من أبي نواس ذريعة لتقديم بانوراما واسعة الأطياف.
إبليس!
عند ميدان الحصري في مدينة السادس من أكتوبر، ركن حكومي صغير لبيع الكتب للشباب. أتعجب كلما مررت عليه؛ لأنه يشغل مكانًا منزويًا تتراكم عليه الأتربة، دون أن يرتاده أحد، لا من الكبار ولا من الصغار.
دخلت إلى هذا الركن على سبيل التسكع، مشفقًا على البائع من جلوسه وحيدًا مع هاتفه المحمول.
خصص البائع قسمًا كاملًا لما يسمى «عبقريات» العقاد، لعرض تلك السلسلة الميسرة التي تناول فيها العقاد الشخصيات المؤثرة في تاريخ الإسلام.
وفي أسفل القسم اندس بينهم هذا الكتاب الذي اخترته ظنًّا مني أنه يحمل عنوان «عبقرية إبليس»، ولم تكن كلمة «عبقرية» في الغلاف من الأساس، لكنه خداع بصري أصابني من دون وعي.
والحقيقة أن الخداع البصري جاءني بسبب قراءتي، في الأيام الأخيرة، للحوار الذي دار بين الشيطان والإنسان في مسرحية «فاوست» التي ترجمها الجغرافي الرائد محمد عوض، وكنت قد عرضت لها قبل يومين أو ثلاثة.
في مسرحية «فاوست» أسقط يوهان فولفغانغ فون غوته كل أفكاره العبقرية على لسان الشيطان، وجعله يتحدث عن سلوك النفس البشرية بطريقة مدهشة ستبقى ملهمة أجيالًا بعد أجيال.
وفي «فاوست» انطلقت مني، دون إرادة، كلمة «الله» حين أدهشتني عبقرية غوته في صياغة أدق مبررات اختيار الشيطان ضحاياه من بيننا، تلك المبررات التي جاءت بكل بلاغة، بل سقتها لنا ترجمة الجغرافي الأول «محمد عوض».
زاد اهتمامي بترجمة عوض لـ«فاوست» حين تذكرت أن أديبًا روسيًّا عظيمًا هو ميخائيل بولغاكوف كان قد استلهم «فاوست» وطبقها على الحالة الروسية، فصنع رائعة من روائع الأدب العالمي هي «المعلم ومارجريتا».
ولم أتمكن من قراءة سوى عشر صفحات من النص العربي المترجم لهذه الرواية الفريدة، وقد دعم انصرافي المتكاسل عنها أنها تحولت إلى فيلم روسي من عدة حلقات شاهدته في موسكو قبل عشر سنوات، وبعبقرية إخراجه تم تداوله في العالم الغربي بعد ترجمته إلى الإنجليزية.
الفيلم بالغ الإبهار والتشويق والشغف، يقوم على حوار فلسفي محكوم بدقة، ينقل فيه بولغاكوف أبطال روايته «المعلم ومارجريتا» من لحظة زيارة الشيطان لموسكو في الحقبة الشيوعية، وصولًا إلى ملحمة صعود أبطال الرواية في رحلة ما بعد الموت، حين رافق الشيطان ضحاياه ودلهم إلى طريقهم المنتظر في العالم الآخر.
وعلى هذا النحو، وجدتني متشجعًا لاقتناء كتاب العقاد «إبليس»، وكلي شغف بأن أقرأ شيئًا مكملًا للصورة الألمانية والروسية، هذه المرة بقلم الأديب الكبير العقاد.
لكن الحقيقة أن كتاب العقاد جاء بعيدًا عن كل هذا، فلا يشتبك مع تلك الصور والأخيلة والحوارات الجدلية، ولا يتناولها.
كتاب «إبليس» ليس تعبيرًا عن الخلاصة الفكرية التي توصل إليها العقاد في صراع الإنسان والشيطان، وليس عصارة فلسفية لوجوده في حياتنا، بل هو بحث منهجي يشبه ما يقوم به باحث متمرس متخصص في العلوم الإنسانية في تتبع «إبليس» في الحضارات والأديان.
و«إبليس» كتاب لا يتضمن أية خلافات أو جدالات، ولا يسبب مشكلات للعقائد والأديان بتلك الطريقة التي اتبعها غوته أو بولغاكوف.
ومع هذا، فإن أعظم جملة في كتاب العقاد هي الجملة الافتتاحية، التي يقول فيها:
«يوم عرف الإنسان الشيطان كانت فاتحة خير!»