تكمن في سريرة كتابات عباس محمود العقاد (١٨٨٩-١٩٦٤) كينونة تفاعلية لأسلوب بينيّ يجمع قارئا عاشقا للمعرفة وكاتبا بصيرا بتراتبيتها، يَسقط عليها ضوء المعارف الأبيض ناصعا نقيا فينفصل إلى ألوان الطيف السبعة، شعرا، ونثرا، ونقدا… عبقريات ومرويات ودراسات وترجمات ومعارك أدبية. امتلك العقاد زمام النص المفتوح والمغلق، واعتمدت كتاباته على ذخيرته القرائية، فكان يقرأ ويفكك النصوص ويفك شفراتها ثم يعيد تركيبها، وفي ذات الوقت حين يُقرأ كان يدرب قراءه على تحالف دءوب معه لتوليد النصوص بدورهم.
فررت في طفولتي من عباس العقاد لاجئة إلى طه حسين متأثرة- بعفوية تقترب من حافة سذاجة حداثة السن- بالفارق بين مسلسلين عرضا في نفس العام (١٩٧٩): "الأيام" كتابة أمينة الصاوي وأنور أحمد عن السيرة الذاتية لطه حسين بطولة أحمد زكي، و"العملاق" مادة تاريخية إعداد عامر العقاد وكتابة عصام الجمبلاطي بطولة محمود مرسي. أخرج العملين يحيى العلمي، وتعاون معه فيهما في الأشعار والموسيقى سيد حجاب وعمار الشريعي. توفرت تقريبا نفس العناصر الفنية والإمكانات الإبداعية ليرتقي العملان إلى مكانة عميد الأدب العربي طه حسين وعرابه عباس العقاد، رغم ذلك كانت الجماهيرية من نصيب "الأيام" لأسباب إنسانية ودرامية توجه قلب المتفرج حيث تشاء.
تأخر تأثري بالعقاد وتقديري لمكانته الفكرية إلى أن سلكت مسلكا أكاديميا وبات العقاد، بحكم عملي، في مكانة أستاذي بالجامعة الذي ألجأ إلى أعماله بحثا عن عمدة أفكاره في النقد الأدبي والأدب المقارن وربما في السياسة والتاريخ والسِيَر. وكلما شعرت بتربص الفكر الغربي أو تسلله للسيطرة على مساري بما يشمله من بنية تحتية وإطار نظري، مثَّل العقاد لي منصة ثقافية متكاملة لم تحظ بإمكانات عصرنا الحالي من تكنولوجيا، ورغم ذلك كان منفتحا على التراث ومستوعبا للفكر العالمي على اختلاف مشاربه، فكان ما/من يحيلني إليه من فكر عربي أو عالمي هو الملجأ والملاذ.
أضاف العقاد النفيس من الكتابات للمعرفة وللثقافة في الوطن العربي، وكان سابقا لعصره مطلعا على الفكري العالمي وليس الغربي فحسب. لا يتخفى تماما في كتاباته بين السطور، بل يكتب ويحتسب، ولا يتملق القاريء أو يدلله، لذا تجد جمله مشكلة بين ضربات المطرقة على السندان حازمة للصياغة حاسمة للمعنى. ولأنه من أفضل الكتاب استنادا إلى كونه في المقام الأول من أفضل القراء -وهو مؤشر بالغ الأهمية للتأكد من معدن أي كاتب أصيل- تراه يراهن على القاريء الفطن المحب الحقيقي للمعرفة. كتابة العقاد "عود زاده الإحراق طيبا"، قد تقرأ عملا له في مرحلة طفولة معرفية وتنهل منه ما تنهل، لكنه يعلم أن تكرار زياراتك للنص وأنت أكثر نضجا ومعرفة وفهما ستطلعك رويدا على مضمونه ومقصده. أما من يضع العقاد في مرتبة ثانية متهما إياه بالجمود أو التشدد فهو لم يقرأه، بل يظن أنه قرأه، فقد ضاق دربه، وضاع أثره، ونضب علمه، وغمض عنه كُنْه أسلوب العقاد خلف باب خشبي مُتْرَس حيث تنتظرنا جنان من النفائس نهرع إليها طلبا للدفء والضوء وما يُشتهى من ثمار المعرفة.
كتب العقاد ما كتب وحسبه سلسلة "العبقريات"، غير المسبوقة، أن تضعه على رأس كتابنا ومفكرينا في ثقافتنا العربية، فهي سلسلة تختلف تماما في الموضوع والعمق والتناول والتأويل عن العديد من الكتب المماثلة منها على سبيل المثال كتاب توماس كارلايل "عن الأبطال، وعبادة الأبطال، والبطولة في التاريخ" (١٨٤١) المعروف عربيا ب "الأبطال" ترجمة محمد السباعي، وكذلك كتاب مايكل هارت "قائمة المئة: تصنيف لأكثر الشخصيات تأثيرا في التاريخ" (١٩٧٨)، والمعروف عربيا ب "الخالدون مئة" ترجمة أنيس منصور. لا تعتمد عبقريات العقاد على أحاديث الأقدمين أو أحادية الرأي، ولا تعنى بتوثيق أكاديمي يعرقل السرد والتحليل فقد كتبت بقلم أديب، وقلب محب، وعقل عالم يعرف احتياجات أمته وما يحتاج منها إلى نظرة المفكر ورؤيته لكتابة ما لم يرو، والتدخل بالتعليق والتحليل رغبة في توثيق صورة متكاملة لعظماء أمتنا الذين انشغلوا بالجهاد والإصلاح في حياتهم دون تخليد أعمالهم بعد مماتهم. وعندما يصف العقاد سر العبقرية في عبقرية عمر بأنها: "التفرد والسبق والابتكار" (ص١٢) ألا نرى أنها صفات تنطبق عليه هو أيضا في زماننا؟
خايلتني في الماضي أطياف حكايا غير موثقة عن إسلام عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وأبو سفيان بن المغيرة، ولم تشبع فضولي المقررات الدراسية عندئذ، وزادت حيرتي مع الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الترمذي وغيره عن النبي (ص): "اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَوْ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ." (لاحظ اللفظ البليغ الذي اختاره النبي)، استجاب الله لدعاء نبيه وأعز الإسلام بعمر وأعزّ عمر بالإسلام، وصُرِع عمر بن هشام مقبوحا متكبرا في غزوة بدر.
رويت قصة إسلام عمر بن الخطاب في العديد من كتب السيرة والسنة أشهرها: سيرة ابن هشام، وسيرة ومناقب عمر بن الخطاب لابن الجوزي، والسيرة النبوية لابن إسحاق، وتفسير القرطبي، والبداية والنهاية لابن كثير، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ودلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني وأبي بكر البيهقي، وغيرها. تشابهت القصة في الكثير من التفاصيل، لكن تميزت رواية العقاد بالتحليل الاستباقي والسياقي الشامل… فهو يقدم صورة نفسية للفاروق قبل الإسلام تمثل الضوء الذي على هديه سنفسر فيما بعد مراحل تأهله البديهي للإيمان، وتبين دلالات سياق الملابسات المحيطة والممهدة للحظة نطقه بالشهادتين. تستوعب القصة وفق قراءة العقاد التفكيكية لها في ضوء الآية الكريمة التي تمثل القرار الإلهي بين الذين أسلموا وأنفقوا "من قبل" (الهجرة/الضعف) والذين أنفقوا من بعد (الفتح/القوة):"وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" (الحديد: ١٠).
في "عبقرية محمد" يضع العقاد مفتاح شخصية عمر في: "الفارق بين الأخيار والأشرار، وبين الرحماء المنصفين والظَّلَمة المتَصلِّفِين، وبين من يعقلون ويصغون إلى القول الحق، ومن يستكبرون ولا يُصغون إلى قول." (ص٤٢) وما بين الكتابين"عبقرية محمد" و"عبقرية عمر" نشهد رحلة قصيرة من الكفر إلى الإيمان، إذ يخرج عمر متوشحا بسيفه، يريد قتل رسول الله: "هذا الصابئ الذي فرَّق أمر قريش، وسفَّه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها." (ص ٤٣) فيخبره مستمعه بإسلام أخته فاطمة بنت الخطاب. يذهب عمر إلى بيتها غاضبا فتخبيء صحيفة القرآن لكنه يبطش بزوجها ثم يلطمها، ولأنها أخته فتظهر من چيناتها الوراثية ما أسماه العقاد "الثورة الخطابية" ("عبقرية عمر" ص ٢٩) ويتجلى معدنها القوي في العقيدة الذي لا يختلف عن معدن عمر الذي تواجهه غاضبة: "عدو الله، أتضربني على أن أوحد الله؟"("عبقرية عمر" ص ٢٩) ثم تجهر بإسلامها وزوجها متمادية في تحديه: "فاصنع ما بدا لك" ("عبقرية محمد" ص٤٤، "عبقرية عمر" ص ٦٧) يبدأ عمر في التراجع والتعقل ويطلب أن يقرأ الصحيفة: "أَنظر ما هذا الذي جاء به محمد"، بل ويتعهد لأخته أن يردها بعد قراءتها، فتزداد جرأة فاطمة (الفاروقة أخت الفاروق): "إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر" فأطاعها عمر فاغتسل، وعندما قرأ ما بها قال: «ما أحسن هذا الكلام وأكرمه» ("عبقرية محمد" ص٤٤)، فتوجه إلى حيث رسول الله في بيت عند الصفا وأشهر إسلامه بين يدي الرسول. ويعلق العقاد على إسلام عمر: " فلا جبن إذن، ولا طمع في إسلام عمر بن الخطاب، بل رحمة وإنابة واعتذار." ("عبقرية محمد" ص ٤٥)
باقي الحكاية معروف، لكن المجهول، إلا في كتب التراث، ما كتب في الصحيفة: آيات سورة طه، ماذا وجد عمر في سورة طه التي نزلت ما بين العامين السابع والحادي عشر لبعثة الرسول؟ ولماذا تقبله دون جدال أو كِبْر؟ ينتقل العقاد بحكاية إسلام عمر إلى كتابه "عبقرية عمر" الذي كتب ما بين القاهرة والخرطوم "فى أحوال عجيبة هى أحوال بأس وخطر. فلا غرابة بينهما وبين موضوع الكتاب الذي أدرته عليه، لأننا لا نتكلم عن عمر بن الخطاب إلا وجدنا أننا على مقربة من البأس ومن الخطر فى آن." (ص ٣) لم يكن العقاد يكتب سيرة عمر وإنما: " وصف له ودراسة لأطواره ودلالة على خصائص عظمته واستفادة من هذه الخصائص لعلم النفس وعلم الأخلاق وحقائق الحياة" (ص٥) حيث يجد العقاد الحدث التاريخي مدخلا لدراسة الواقع وربما… تصويبه.
لذا يضع العقاد نصه في سياق كتابته المعاصر له وليس سياق وقائع حدوثه فحسب. إذ أنه عندما يشهد حربا عالمية ثانية يختار أن يكتب سيرة نفسية وذهنية لعمر بن الخطاب ويقدم حجة بليغة لاختياره: "وعمر يعد رجل المناسبة الحاضرة فى العصر الذي نحن فيه، لأنه العصر الذي شاعت فيه عبادة القوة الطاغية وزعم الهاتفون بدينها أن البأس والحق نقيضان. فإذا فهمنا عظيما واحدا كعمر بن الخطاب فقد هدمنا دين القوة الطاغية من أساسه، لأننا سنفهم رجلا كان غاية فى البأس وغاية فى العدل وغاية فى الرحمة.. وفى هذا الفهم ترياق من داء العصر يشفى به من ليس بميئوس الشفاء. وأنه لجهاد جديد لعمر بن الخطاب، يطيب لنا أن نوجزه فى كتاب." (ص٥)
يصف العقاد عمر ب "قوة النفس"، والخشوع لله، والرحمة، والخشونة، والفراسة، والبلاغة الصادقة، وإنصاف المساكين من أهل الكتاب، وغيرها من صفات في تكامل "كأنها صفة واحدة متصلة الأجزاء متلاحقة الألوان." (ص ٢١) هكذا يشرك القراء مشاركة فعلية في تحليله إلى اللحظة التي يقرأ فيها سورة طه فيصدر حكمه العادل وهو الذي ورث القضاء من قبيلته وآبائه، فهو من أنبه بيوت بني عدي الذين تولوا السفارة والتحكيم في الجاهلية،" (ص ٢١) وتعرضوا للظلم من بني عبد شمس، فرأى العقاد في سيرتهم تمثُل خلاصة انحيازهم للعدل في عمر، بل ويزيد: "وكذلك اجتمعت عناصر الوراثة الشعبية، والقوة الفردية، وعبر الحوادث وعقيدة الدين فى صفة العدل التى أوشكت أن تستولى فيه على جميع الصفات." (ص ٢٢) ويضيف إلى تكامل شخصيته توازن صفاتها: "وما نذكر أننا سمعنا رواية واحدة من روايات شدته إلا لمحنا الواجب قائمًا إلى جانبها يزكيها ويسوغها." (ص ٢٨) ويتطور الوصف ليتعمق في تحليل نفس عمر وتحديد طاقتها الجبارة في الانحياز للحق: "فهو الإيمان ضابط كل شىء فى تلك النفس حتى السورات التي ليس لها ضابط فى النفوس، أو قل إنها هى النفس القوية فى دفعاتها وفى ضوابطها على السواء." (ص ٤٥)
ليست سيرة عمر "أساطير الأولين"، جمع من أيام وأخبار، وليست رغم عظمة التكوين والتناول سيرة أسطورة، بل سيرة رجل ذي هيبة وسطوة وقلب سليم. لذا يحدثنا العقاد بأن صعوبتها في "سهولة عمر وخلو طبائعه من التعقيد والغموض هى سهولة أصعب من الصعوبة." (ص ٤٨) ومن كان يظن أن يعز الله الإسلام بعمر فور أن يقرأ "سورة طه" فيسلم نفسه لمنطق الآيات وبلاغتها؟ تتجلى هذه "الخصائص العمرية" (ص ٥١) التي يسهب العقاد في وصفها عبر وقائع مختلفة مؤكَدة ذات دلالات على تأصلها في طبعه، وعندما يصل بنا إلى فصل "إسلامه" في كتاب العبقرية يسوق دلائل أخرى على اقتراب إسلامه من مواقف صغيرة له قوّضت مباعدته للإسلام، وأبرزها رؤيته للرسول يصلي في الكعبة بين الركنين وتخفيه لكيلا يفزعه واعترافه: "فلما سمعت القرآن رق له قلبى فبكيت ودخلنى الإسلام" (ص ٦٦)، ومن ثم يتطور سرد العقاد شارحا طبقات شخصية عمر المركبة حتى يبلغ ذروته في واقعة "سورة طه" التي فتحت الباب الأخير الموصد بينه وبين الإسلام.
تطهر عمر تنفيذا لشرط فاطمة، فأعطته الصحيفة مترددة خوفا عليها من غضبه. وبدأ عمر يقرأ القرآن كأنه مخاطب به، فتنساب آيات سورة طه المئة وخمس وثلاثين إلى وعاء قلبه ونسيج روحه، في كل حرف من كل آية شعاع نور يبدد جاهليته ويقترب به من الهدى، وبعد أن كان مباعدا للإسلام وصاحب خمر ينفتح عالم نقي رحب أمامه بما فيه من مخاطبة إلهية للرسول (ص) تهون عليه رسالته وتواسيه حتى لا "يشقى"، وإنما هي "تذكرة" من الله خالق كل شيء، والعالم بكل شيء، وتقص الآيات على الرسول "من أنباء ما قد سبق" (طه ٩٩) من مواقف مختلفة ومواجهات: المناجاة بين الله وموسى وكيف يعد الله فيها كليمه لمواجهة فرعون، وتذكرة موسى بفضل الله عليه بمعجزات نجاته من الموت، ونجاة أمه من الحزن، وبعدها نجاته من الغم والفتون، ثم مواجهة موسى لفرعون، ومواجهة موسى للسحرة، والسحرة لفرعون، ونجاة موسى وقومه من فرعون، وكيف أضلهم السامري بعجل له خوار، وغضب موسى على قومه وأخيه هارون، ومشاهد يوم القيامة بين "من حمل ظلما" (طه ١١١) "ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن" (طه ١١٢)، والتذكرة بخلق آدم وسجود الملائكة له طاعة لله، ووسوسة الشيطان إليه، وهبوطهم جميعا إلى الأرض في اختبار إلى يوم الدين، والتوجيه الإلهي القرآني للرسول بالصلاة والصبر والاصطبار، إلى أن تعلم البشرية "مَن أَصحَٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهتَدَىٰ" (طه ١٣٥).
زلزلت آيات "سورة طه" عمرا، إذا به يخجل من الأمر الإلهي لموسى وأخيه هارون "ٱذهَبَآ إِلَىٰ فِرعَونَ إِنَّهُ طَغَىٰ" (طه ٤٣) وهو الذي امتشق سيفه قاصدا قتل النبي الأكرم، مهمتان متضادتان إحداهما للحق والأخرى للضلال. أيقن عمر أنه كان هالكا لا محالة بثباته على الجاهلية. ذكَّره تحدي السحرة لفرعون بعد إيمانهم ومواجهتهم له: "فَٱقضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقضِي هَٰذِهِ ٱلحَيَوٰةَ ٱلدُّنيَآ" (طه ٧٢) بمواجهة فاطمة بنت الخطاب لجاهليته بإيمانها:"فاصنع ما بدا لك". تأمل قصة آدم وما فعلته به وسوسة الشيطان لولا رحمة من الله وتوبة، وكذلك قصة موسى بين البطش والرحمة والهلاك والنجاة، فاتسعت رقعة معارفه ورأى تجليات العدل الإلهي والمغفرة والعظمة والبلاغة القرآنية التي لا تضاهيها أي بلاغة.
وقف عمر بطلا تراچيديا في نص يحترق تحت قدميه وينهار، "فقد كان مهياً للإسلام لا محالة، وكانت مجافاته للإسلام خليقة أن تنتهي بعد قليل، وألا تطول إلا ريثما تعن المناسبة للشهادة باللسان بعد التهيؤ بالفطرة والضمير."(٦٨) ها هو يرى بعينيه نصا بديلا ينبثق من رماد النص الأول… "فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشقَىٰ" (طه ١٢٣). رأى عمر في الآية الختامية تجسيدا للوعيد والبشرى: "قُل كُلّٞ مُّتَرَبِّصٞ فَتَرَبَّصُواْ فَسَتَعلَمُونَ مَن أَصحَٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهتَدَىٰ" (طه ١٣٥) فقام صامتا وقد ازدهر إيمانه في قلبه متوجها إلى رسول الله لينطق بالشهادتين بين يديه الكريمتين إيذانا بميلاد جديد له.
تكاملت قصة إيمان عمر ونمت في عدة إطارات متداخلة صعودا وهبوطا لنصل الى جوهرها: الهدى. أضاف إليها عمر تحديه لقريش في إعلان إيمانه، قوي في جاهليته قوي في إسلامه، ثم إعلان اعتزامه الهجرة إلى يثرب إذ وقف ينادي فيما بعد متحديا 'مؤسسة' جاهلية كافرة بكامل رجالها وعتادها: "من أراد أن يثكل أمه أو يوتم ولده أو يرمل زوجته فليلقنى وراء هذا الوادى.." هكذا كان عمر لا يملك إلا "شجاعته وعدله." (٧٥) معجزة إلهية خلقها الرحمن في شكل بشري، وتلقاها العقاد بمحبة لها فصاغ لقرائه جوهرها بعبقرية ذات قارئة محتشدة معرفيا وذات كاتبة محتكمة أسلوبيا في مداخل النص ومخارجه، مساربه وموانعه، فيتنقل القلم بين الذاتين، ومن العقاد إلى قرائه في كل زمان، ليطلعنا على أسرار تكوين عبقرية عمر وسر ديمومتها: "جاهلي كسبه الإسلام فكسبه العالم الإنسانى كله إلى آخر الزمان.. ونفس ضائعة ردت إلى صاحبها فعرف منها ما كان ينكر، واطلع منها على ما كان يجهل، ونفع بها أمته وأمما لا تحصى، وصنع بها الإسلام." (ص٧٢) في غمار رحلة اكتشاف العقاد لعبقرية عمر بن الخطاب الخليفة العادل كان بيان اكتشاف القراء لعبقرية عباس العقاد القاريء/الكاتب.
المصادر:
عبقرية محمد (١٩٤١)، الدوحة: وزارة الثقافة والفنون والتراث، ٢٠١٣.
عبقرية عمر (١٩٤٢)، القاهرة: نهضة مصر، ١٩٩٤.