وابن المقفع نذكره دوما بكتابه الخطير جدا «كليلة ودمنة» الذى يرجح أنه مؤلفه الأصلى وليس مجرد مترجم له أو ناقل.. وهو فى حقيقة أمره رجل عقلانى بامتياز، تعاطى كل الأديان واختبرها جميعا ودرسها دراسة وافية، ثم أعلن إسلامه فى مرحلة متقدمة من عمره، وإن كانت بعض الروايات تقر بعدم إسلامه، لكن هذا ليس موضوعنا الأساسى الآن؛ لأننا نركز جل اهتمامنا على كتابيه الصغيرين اللذين ذكرناهما آنفا، بل إن تركيزنا الأكبر سوف ينصب على كتابه الثانى وهو «الأدب الصغير» الذى يفرد فيه مساحات عريضة لقضية الدين وبالتحديد قضية الخلق والوجود.
وإننا لنرى ابن المقفع وقد لهج قلمه بذكر الخالق والمخلوق على حد سواء، ولا نعتقد أن الخالق هنا فى تصوير ابن المقفع يمكن أن يكون غير الله جل وعلا، وهو ما يؤكده من أول سطر كتبه فى «الأدب الصغير»، حيث يقول: «أما بعد فإن لكل مخلوق حاجة، ولكل حاجة غاية، ولكل غاية سبيلا، والله وقّت للأمور أوقاتها، وهيأ إلى الغايات سبلها، وسبّب الحاجات ببلاغها».
ونحن لا نكاد ننتقل من هذه المقدمة السجعية حتى يثبت لنا ابن المقفع أن الأشياء فى الخلق لا تحدث إلا بإذن الله، فلا تحدث القوة والحياة فى الحبة المدفونة فى الأرض ولا تخرج الحياة من يبسها إلا بإذن الله وكلمته، فيقول ابن المقفع فى ذلك الأمر «فكما أن الحبة المدفونة فى الأرض لا تقدر أن تخلع يبسها وتطلع بزهرتها ونضارتها وريعها ونمائها، إلا بمعونة الماء الذى يغور إليها فى مستودعها، فيذهب عنها أذى الموت والهلاك ويحدث لها بإذن الله القوة والحياة، فكذلك سليقة العقل..».
وهنا يبدو لنا أن ابن المقفع يستقى أفكاره من خلال الاستناد إلى النص القرآنى، فالتداخل واضح مع قول الله تعالى فى سورة يس «إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون»، كما أنه يتلاقى أيضا مع قول الله فى سورة آل عمران «كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله».
ويتضح لنا أيضا من خلال هذا الطرح السريع أن الفكرة الدينية تتغلغل فى ذهن ابن المقفع، فنجدها متعانقة مع عقيدته وإيمانه، ولكن السؤال هنا: هل تخطى تغلغل هذه الفكرة الدينية مرحلة الذهن؟ بمعنى: هل وصل هذا التغلغل إلى الأعماق؟ ربما نشك فى ذلك.. ومبررنا هو ما طرحه ابن المقفع فى كتابه على مستوى الشكل والمضمون، فهو على مستوى الشكل عبارة عن كلام إنشائى فى أحيان ومواضع كثيرة، وربما يراه البعض رطانات جوفاء لا تقدم أو تؤخر مثلها مثل خطب النقابات والمجالس المحلية أو الأدعية الدينية، ولنقرأ مثلا هذه الفقرة التى يقول فيها «وأصل الأمر فى الدين أن تعتقد الإيمان على الصواب، وتجتنب الكبائر، وتؤدى الفريضة، فالزم ذلك لزوم من لا غناء عنه طرفة عين، ومن يعلم أنه لو تركه هلك».. أليس هذا يذكرنا بالخطب الأولى فى عصر صدر الإسلام أو الرسائل التى كان يرسلها السلاطين إلى الولاة فى المدن والأمصار والتى كانت تعتمد على السجع والمحسنات البديعية؟ بل إن فيها أيضا مسحة من مسحات من أدعية خطب الجمعة والأعياد التى يرفع الخطباء عقيرتهم بها بصورة فيها الكثير من المبالغات الممجوجة.
وأما من ناحية المضمون، فإن الكتاب لم يقدم جديدا فى أفكاره وأطروحاته، أو بالأدق لم يعد جديدا بالنسبة إلينا فى هذا العصر السريع المضطرب، وذلك حتى نكون منصفين.. وهو الأمر الذى يجعلنا نذهب مذهبا بعيدا تجاه فكر ابن المقفع مفاده أنه ربما كتب كتابه هذا من دون عقيدة راسخة مكينة، فقط حاول أن يخفف من وطأة الحملة الشعواء التى كانت تتربص به الدوائر، وقد أراد أن يثبت لمناوئيه وحساده الكثر أنه يمتزج امتزاجا كاملا مع الفكرة الدينية الثابتة، التى حاول فى الوقت نفسه صبغها بالصبغة العقلانية كى يحفظ ماء وجهه، فلا يبدو مهزوما مهزوزا؛ لكنه فى النهاية لا طال هذا ولا طال ذاك.
كما أن اقتباس ابن المقفع من النص القرآنى له دلالات كبيرة ولا تختلف فى مجملها مع اعتقادنا، فاعتماده على النص القرآنى يعد وثيقة غاية فى الأهمية على تدعيم وتأكيد الفكرة الدينية لديه، وهى فى الوقت نفسه تبعد عنه تهمة معارضته للقرآن، فإذا ما سأل سائل، أو اعترض معترض فإنه سرعان ما يشهر فى وجهه نصه الذى ينصهر انصهارا كاملا فى النص القرآنى.
كما نلمس تأثره الواضح بأبى حيان التوحيدي، وذلك عندما تحدث عن الصداقة والأصدقاء؛ ذلك لأن أبى حيان كتب رسالة مهمة اسمها «الصداقة والصديق». وربما تأثر ابن المقفع أيضا ببعض آراء فلاسفة اليونان، وكذلك نلحظ تأثره ببعض آراء حكماء الهند من أمثال بوذا، كما نلتمس تأثره ببعض تيمات العهدين القديم والجديد.
ولقد حاول ابن المقفع أن يطعم نصوصه ببعض الأفكار التى تتلاقى مع الواقع الحياتى أو تتصل بالأخلاق العملية العامة، فنجده ينقل لنا صورة الإمام فى الدين كيف تكون، وعلى أى نحو تكون الحقيقة فيه مما يتصف بمعانى القدوة والسيرة، وهى المعانى المستمدة بالأساس من تعاليم الإسلام، كما نجده أيضا وقد حاول أن يتفلسف فى بعض المواضع لاسيما وهو يتحدث عن المروءة التى يراها إذا لبست زى الدين لم تكن فى الإسلام شيئا، فقد عرفت الجاهلية المروءة وربما لم تعرف التقوى.
وفى النهاية نحب أن نؤكد أن كتابى ابن المقفع هما كتاب واحد؛ فلم يكتب ابن المقفع ما يسمى بالأدب الكبير، كما أنه لم يكتب ما يسمى بالأدب الصغير، وإنما كتب كتابا واحدا اسمه «الآداب» يحوى الآراء التى أشرنا إليها آنفا.