تُعد العلاقات بين بكين وطوكيو من أكثر العلاقات تعقيدًا فى منطقة شرق آسيا، حيث تسهم الخلافات حول بعض الجزر والمناطق البحرية فى بحر الصين الشرقى فى زيادة حدة التوتر بين الطرفين، وإلى جانب ذلك، يتنافس البلدان على النفوذ السياسى والاقتصادى فى آسيا، فى ظل صعود الصين كقوة عالمية وسعى اليابان للحفاظ على مكانتها الإقليمية.
تصاعد التوتر بين البلدين مع تبادل الاتهامات بشأن السياسات الدفاعية والتوسع العسكرى خلال منتدى حوار شانغريلا، ونفى وزير الدفاع اليابانى، شينغيرو كويزومى، الاتهامات الموجهة إلى بلاده بممارسة «عسكرة جديدة»، منتقدًا فى المقابل ما وصفه بالزيادة السريعة فى القدرات العسكرية الصينية دون شفافية كافية، وفى المقابل، دعت وزارة الخارجية الصينية دول آسيا والمحيط الهادئ إلى توخى الحذر مما وصفته بـ«الأعمال المتهورة المدفوعة بالعسكرة الجديدة من اليابان»، مطالبةً بالتصدى لها بشكل مشترك.
وظل البلدان فى مواجهة حادة لأكثر من ستة أشهر، بينما تواصل اليابان تعزيز دفاعاتها فى جزرها الجنوبية الغربية، فى إطار تصعيد طويل الأمد لمواجهة الصين، وفى ربيع هذا العام، نشرت قوات الدفاع الذاتى اليابانية صواريخ بعيدة المدى فى قاعدة بكيوشو، وهى جزيرة جنوبية، ما جعل البر الرئيسى الصينى فى مرمى هذه الصواريخ، كما خففت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناى تاكايتشى ، مؤخرًا القيود المفروضة على صادرات الأسلحة اليابانية، وقد نددت الصين بهذه الخطوات، منتقدةً ما وصفته بـ«نزعة عسكرية يابانية جديدة»، ورغم أن هذا الخطاب قد يكون متطرفًا، فإنه يكشف عن قلق حقيقى بشأن الاتجاه طويل المدى لليابان نحو أن تصبح لاعبًا أكثر فاعلية فى أمن المنطقة.
يشار هنا إلى أنه نادرًا ما سلكت العلاقات «الصينية _ اليابانية» مسارًا خطيًا، لكنها ظلت دائمًا ضمن حدود واضحة، حتى فى أوقات التوتر، غير أنه منذ نوفمبر 2025، انخرطت طوكيو وبكين فى سلسلة من الأزمات الدبلوماسية، ما أدى إلى وصول العلاقات الصينية اليابانية إلى أدنى مستوياتها خلال العقد الماضى، وكانت تصريحات تاكايتشى بشأن تايوان التى تعتبرها الصين جزءًا من أراضيها السيادية، ولا تستبعد استخدام القوة للسيطرة على الجزيرة بمثابة إشارة إلى بداية الأزمة الدبلوماسية، وردّت الحكومة الصينية بقوة، ففرضت قيودًا على الرحلات الجوية والسياحة، وحظرت استيراد المأكولات البحرية اليابانية، وألغت التبادلات الثقافية، وكثفت أنشطتها العسكرية بالقرب من اليابان.
وفى مارس الماضى، اقتحم أحد عناصر قوات الدفاع الذاتى اليابانية، وهو يحمل سكينًا، السفارة الصينية فى طوكيو، ما أثار غضبًا صينيًا واسعًا، كما شهدت العلاقات «الصينية _ اليابانية» منعطفًا حساسًا تحولت فيه أدوات التجارة إلى وسائل ضغط جيوسياسى مباشرة، فى ظل بيئة دولية متوترة أصلًا بفعل النزاعات التجارية العالمية، وفى هذا السياق، وسعت بكين نطاق ضوابطها على الصادرات اليابانية لتشمل كيانات بارزة، وأدرجت وزارة التجارة الصينية 20 كيانًا يابانيًا على قائمة الرقابة على الصادرات، من بينها موردون عسكريون كبار، بما يشمل شركات تابعة لبناء السفن والفضاء ضمن مجموعة ميتسوبيشى للصناعات الثقيلة.
وتطورت الأزمة الدبلوماسية المستمرة إلى منافسة متعددة الأبعاد تشمل الذاكرة التاريخية، والهوية الوطنية، والردع العسكرى، والضغوط الجيواقتصادية، كما تعمل اليابان فى عهد «تاكايتشى» على تعزيز صناعتها العسكرية المحلية وتوطيد علاقاتها مع شركائها فى المجال الدفاعى، فى تحول عن المبادئ السلمية التى شكلت سياستها الأمنية بعد الحرب العالمية الثانية، الأمر الذى أثار غضب الصين.
فى هذا السياق أوضح الدكتور أحمد عبده طرابيك، الباحث فى الشئون الآسيوية، أن «اليابان تستند فى تصعيدها مع الصين على تعاونها الأمنى مع الولايات المتحدة ودول المنطقة، خاصة الفلبين، من خلال تدريبات عسكرية مشتركة، ضمن إطار أوسع تقوده واشنطن لاحتواء النفوذ الصينى فى منطقة الإندو- باسيفيك. حيث تظل المنافسة بين الصين والولايات المتحدة محور الاهتمام الرئيسى لبكين، وأن اليابان قد تمثل خطرًا أكثر إلحاحًا على المدى القريب، نظرًا للقرب الجغرافى والتاريخ الطويل المشحون بالذكريات السيئة بين البلدين».
وتابع: تكمن خطورة التوتر بين الصين واليابان فى أنها تتوزع على عدد من المناطق الحساسة، أبرزها جزر دياويو، ومضيق تايوان، والمياه المحيطة بجنوب غرب اليابان، وهى مناطق توصف بأنها عالية الخطورة وقابلة للاشتعال، ولذلك فإن أى خطأ فى تقدير الحسابات، أو احتكاك عسكرى، قد يؤدى إلى تصعيد غير محسوب، خاصة فى ظل تزايد الشكوك وانعدام الثقة المزمنة بين الطرفين، فاليابان ترى أنها تعمل على تعزيز عمليات الردع، بينما تعتبر الصين ذلك استعدادًا لمواجهة محتملة، وفى المقابل تقول بكين إن تحركاتها دفاعية ولتعزيز أمنها الوطنى، بينما تنظر طوكيو إلى التحركات الصينية على أنها ضغوط عسكرية عليها.
«طرابيك»، لفت إلى أنه «رغم الاستفزازات اليابانية، والتلويح الصينى بالقوة بين الحين والآخر، يظل كلا البلدين يعملان من أجل الانزلاق إلى حرب لا يسعيان إليها، فالصين تريد ألا تدخل فى مواجهة عسكرية مفتوحة تغذيها الولايات المتحدة بهدف استنزاف القوة الصينية أو تعطيل سباقها نحو الزعامة العالمية، وفى المقابل تخشى اليابان من الانزلاق إلى حرب مع الصين بالإنابة عن الولايات المتحدة، خاصة أن الحرب الروسية فى أوكرانيا تمثل نموذجًا لذلك المستنقع الذى تخشى أن تقع فيه كل من بكين وطوكيو، والتى تشكل استنزافا للقوة الروسية وحربا بالوكالة تخوضها أوكرانيا».
واختتم «طرابيك» حديثه بقوله: مع صعوبة إنهاء العداء المزمن بين الصين واليابان لارتباطه بصراع تاريخى وماضٍ استعمارى يابانى مرير للصين ما زال مرتبطا بذاكرة الأمة الصينية، خاصة مع وجود توابع لذلك الاستعمار متمثلاً فى عدم عودة تايوان إلى السيادة الصينية. فإن البلدين ما زالا يحافظان على إدارة ذلك الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة لا تعرفان كيف ولا متى ستكون نهايتها.