في صيف 1934 لم يكن أحد في مصر يعرف تماما ما يعنيه كأس العالم، فقد كانت البطولة في نسختها الثانية فقط وإيطاليا تستعد لاستضافة العالم بكل ما تملك من بهرجة وسياسة، لكن في القاهرة في أحياء شعبية لا تعرف من الكرة إلا ملاعب التراب والأقدام الحافية، كان ثمة فتية يحملون قميصا أحمر ويؤمنون بأنهم يستحقون أن يكونوا هناك، فلم تكن هناك طائرات تقلهم، ولم يكن هناك تغطية إعلامية ضخمة، ولم يكن هناك جمهور سيصفق لهم في المدرجات، وكانوا يسافرون إلى قارة لم يرها معظمهم لمواجهة فرق تلعب الكرة منذ أجيال في بطولة لا يعرف كثيرون في بلدهم أنها توجد أصلا.
في تلك الليلة وقف عبدالرحمن فوزي أمام مرآة غرفته الصغيرة في القاهرة، كان شابا في مقتبل العمر يداه خشنتان من تدريبات لا تتوقف، وعيناه تحملان بريقا لا تخمده الشكوك، نظر إلى انعكاسه طويلا، ثم ارتدى قميصه وخرج لم تودعه إلا أمه، فلم تكن رحلة المنتخب المصري إلى إيطاليا بالطائرة كما يحدث اليوم بل كانت باخرة تشق البحر الأبيض المتوسط ببطء، وعلى ظهرها فريق من الشباب المصري يحمل على كتفيه وزن أمة لا تعرف بعد أنها تشارك في التاريخ، كانوا يجلسون على السطح في الليل يتأملون النجوم ويتحدثون بصوت خافت عن المباريات القادمة، بعضهم لم يغادر مصر من قبل قط، وبعضهم لم يركب باخرة في حياته، والكل يتظاهر بالهدوء بينما القلب يدق بسرعة لا تليق بالمحترفين، وكان عبدالرحمن فوزي يجلس وحيدا في أغلب الأحيان، يحدق في الأفق حيث يلتقي البحر بالسماء، كان يتخيل الملعب، ويتخيل الكرة ويتخيل اللحظة التي سيجد نفسه فيها وجها لوجه أمام مرمى يمثل العالم كله.
وحين وصلوا إلى ميناء جنوا وقفوا على السطح ينظرون إلى إيطاليا صامتين، لم يكن أحد يعرف ماذا يقول في مثل هذه اللحظة، وعندما ذهبوا الي تورينو لم يكن أحد ينتظرهم لا جماهير ولا صحفيون ولا استقبالات رسمية، كانوا يمشون في شوارع المدينة فيتوقف الناس لينظروا إليهم بفضول طفولي كأنهم يرون شيئا لم يألفوه، لكنهم حين وصلوا إلى الملعب ورأوا العشب الأخضر والمدرجات التي تتسع لآلاف المتفرجين، أدرك كل واحد منهم بطريقته الخاصة أن هذا حقيقي، قال أحدهم همسا «يا رب، إحنا هنا فعلا»، ولم يجبه أحد، لأن الكلمات كانت أصغر من اللحظة.
وفي السابع والعشرين من مايو 1934 دخل منتخب مصر ملعب تورينو لمواجهة منتخب المجر، لم يكن المجريون فريقا عاديا بل كانوا من أقوى منتخبات أوروبا في تلك الحقبة، مدرسة كروية عريقة تفرز لاعبين بأقدام تعرف الكرة قبل أن يتعلموا الكتابة، وكانوا يلعبون بثقة من يعرف مكانه في العالم، وينظرون إلى الفريق المصري بشيء يشبه الفضول المحترم لا أكثر، بدأت المباراة وبدأ الضغط والمجريون يهاجمون بموجات منظمة والمصريون يتصدون بكل ما يملكون من روح وإرادة تفوق إمكاناتهم التكتيكية، لكن الأرقام كانت لها منطقها الخاص، فتساقطت الأهداف في المرمى المصري واحدا تلو الآخر.
وكان كل هدف يزيد الصمت في نفوس اللاعبين المصريين، لكنه لم يكسر شيئا جوهريا فيهم، ظلوا يركضون ويحاربون، وظلوا يؤمنون بأن اللحظة ستأتي، وقد جاءت، ففي منتصف المباراة أمسك عبدالرحمن فوزي الكرة على حافة منطقة الجزاء المجرية، كانت الفرصة ضيقة والوقت أضيق، والمدافعون المجريون يتحلقون حوله كحلقة لا تتسع، لكنه ضرب ودخلت الكرة المرمى، ولم تكن هناك جماهير مصرية تصرخ في المدرجات، ولم يكن هناك من يردد اسمه بالعربية، لكن عبدالرحمن فوزي رفع يديه نحو السماء، وعرف في تلك اللحظة أنه صنع شيئا لن يمحوه زمن، فكان أول هدف مصري في تاريخ كأس العالم، ثم أضاف الثاني، وانتهت المباراة 4-2 للمجر، لكن في الرواية المصرية لم تكن تلك خسارة بالمعنى الكامل للكلمة، بل كانت بداية.
وحين عادوا إلى القاهرة لم يجدوا استقبالا يليق بمن صنعوا تاريخا، الشوارع كانت تسير في حياتها المعتادة والناس منشغلون بيومياتهم، وكانت الكرة لا تزال ترفا في وعي كثيرين، وكأس العالم مجرد خبر في أسفل الصفحة الرياضية، وعاد عبدالرحمن فوزي إلى حياته، إلى بيته الصغير، إلى أمه التي انتظرته بقلب أكبر من أي ملعب، حكى لها عن تورينو وعن الباخرة وعن الهدفين، استمعت وعيناها تلمعان، ثم قالت بالبساطة التي تملكها الأمهات وحدهن «ربنا معاك يا ابني»، لم يكتب اسمه في كتب التاريخ المدرسية، ولم يقم له تمثال في ميدان، لكن الكرة التي سكنت الشبكة المجرية في تورينو ذلك اليوم لا تزال تدور في مكان ما في ذاكرة اللعبة.
وبعد مرور ما يقرب من 56 عاما، منتخب الفراعنة يصل إلى مونديال إيطاليا 1990 وكان العنوان يزين صفحات المصور الرياضي وجاء كالآتي: «حين وقف منتخب مصر أمام العالم» وجاء فيه:
قبل أن ترفع الأعلام وقبل أن يعرف العالم اسم هذا الفريق، كان ثمة لقاء في قصر لا يشبه الملاعب، رجال في بدلات رسمية، يقفون أمام رئيس دولة، لا يحملون أوسمة بعد بل يحملون وعدا ثقيلا يعوض 56 عاما من الانتظار، نظر الرئيس مبارك في وجوههم وقال جملة واحدة: «أطالبكم بأن تكونوا عنواناً لمصر»، لم يطلب كأساً ذهبية لكنه طلب شيئا أصعب، وحمل الجوهري الجملة في صدره، والتفت لزملائه وقال: «سنذهب لتمثيل مصر تمثيلا مشرفا، والحمد لله وصلنا للمستوى العالمي، ثم صعدوا الطائرة نحو روما، إيطاليا تفرش بساطها، وكانت إيطاليا تغلي، ثلاثة ملايين زائر يتدفقون على اثنتي عشرة مدينة، وأسعار الفنادق تجن حتى بلغ إيجار الشقة الواحدة أربعة آلاف دولار أسبوعيا.
في كل ذلك الضجيج، كان على مصر أن تصل قبل السادس من يونيو إلى استاد كاليري، حيث تنتظرها مجموعة لا ترحم» إنجلترا وإيرلندا وهولندا»، ثلاثة أسماء تكفي لإنهاء أحلام كثيرة، أما وراء الكواليس فكانت تدور حرب مختلفة، عقود الاحتراف تتساقط في يد وكلاء لا يعرفون لغة اللاعبين ولا أحلامهم، وشوبير ورمزي وإبراهيم حسن ينتظرون ما سيحمله كأس العالم من مستقبل، كان الجوهري، المدرب الذي يقال إن سعره أعلى من أي لاعب في فريقه، يعرف أن هذا الضجيج لن يغلق إلا بما يصنع داخل الملعب، وفي مكتبه الفني كان الجوهري يحدق في ورقتين «خوليت وفان باستين» لاعبي المنتخب الهولندي، ورود خوليت صاحب الشعر المتطاير والجسد الذي لا يتوقف، يتعافى من إصابة منذ أغسطس 1988، أجرى بسببها عمليات جراحية متتالية حتى نوفمبر 1989، وفان باستين، القنبلة الصامتة على يسار الهجوم الهولندي، الذي لا يحتاج إلى كثير كي يغير مسار مباراة، والخطة كانت واضحة، رقابة لصيقة، تنظيم دفاعي محكم، والرهان على أن هولندا إذا لم تسجل مبكرا ستفقد صبرها.
وكان على هشام يكن وهاني رمزي وشوبير أن يبنوا جدارا لا تخترقه أي كرة عالية، وفي الدقيقة 82 تلقى حسام حسن كرة في العمق، تحرك بسرعة فائقة كالقط الذي لا يخطئ هدفه، وأسقطه رونالد كويمان أرضا في منطقة الجزاء، الحكم يحتسب الضربة، مصر تسجل، أول هدف مصري في كأس العالم منذ 56 عاما، فانفجرت القاهرة ورفعت الأعلام من النوافذ، دوت الزغاريد من الشرفات، امتلأت الميادين بسيارات حملت الجماهير فوق أسطحها قبل أن تحمل الأعلام، قفز الناس فوق الأتوبيسات، وانخرطوا في حلقات رقص لم تتوقف حتى الفجر.
في الملعب حين دوت الصافرة النهائية على تعادل 1-1، قال فان باستين للصحفيين «كرة مصر النظيفة والفعالة أربكت فريقنا» وقال المدرب الإنجليزي بوبي روبسون: «الفريق المصري أفضل فريق رأيته حتى الآن»، وفي بيروت وعمان والكويت وبغداد تصدرت صورة منتخب الفراعنة الصفحات الأولى، وكان العرب يحتفلون بنقطة مصر كأنها نقطتهم هم، وما لم تصوره الكاميرات في مباراة مصر الأولى أمام منتخب هولندا، حيث كانت هناك لحظة لم يعرفها أحد خارج غرفة تبديل الملابس، بعد صافرة النهاية في باليرمو مباشرة، حين دخل اللاعبون وأجسادهم تقطر عرقا وإرهاقا، جلس الجوهري على كرسي خشبي في الزاوية ولم يقل شيئا، لم يصفق، لم يصرخ، فقط نظر في وجوه لاعبيه واحدا واحدا، كأنه يقرأ فيهم ما لا تقوله الأرقام، ثم تكلم بهدوء من يعرف أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد وقال: «هذه النقطة ليست إنجازا، هي فاتورة دفعتموها مقدماً لما سيأتي».
في الزاوية الأخرى، كان أحمد الكاس يخلع حذاءه ببطء، كانت قدماه تؤلمانه منذ الشوط الأول، لكنه لم يشر إلى ذلك بكلمة واحدة طوال التسعين دقيقة، هكذا كان جيله، لا يشكو أثناء سير المباراة داخل الملعب بل يكمل، ونظر إلى الحذاء طويلا، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة لم يرها أحد، ربما كان يفكر في القاهرة، في الشوارع التي تغلي الآن، في أب جلس أمام التلفزيون وبكى دون أن يعرف لماذا بالضبط، أو ربما كان يفكر في شيء أبسط من كل هذا، ولم تكن رحلة الفراعنة في مونديال 1990 مفروشة بالورود فقط، كان الطريق إليها مليئا بالخشونة والعنف، ففي مباراة التأهل أمام الجزائر سقط طبيب المنتخب الدكتور أحمد عبدالمنعم بجروح في عينيه وسط الفوضى، الحكم التونسي ناصر أسمى تلك الليلة بـ«المباراة العصيبة المثيرة» لكن مصر عبرتها».
ثم جاءت المباراة الثانية أمام منتخب أيرلندا، تلك القادمة لأول مرة في تاريخها إلى كأس العالم، بطريقة 3/4/3 تعتمد على الضغط المبكر وإرباك الخصم، وكان على منتخب مصر أن يصمد في الشوط الأول، لكن المستطيل الأخضر كان له رأي آخر حيث انتهت بالتعادل السلبي، ثم جاءت المباراة الختامية لمنتخبنا أمام منتخب إنجلترا المتمرس في بطولة كأس العالم وانتهت بخسارة المنتخب بهدف دون مقابل.
كان عام 1990 آخر مرة رأى فيها العالم القميص المصرى فى كأس العالم، منذ تلك الليلة فى باليرمو، مرت ثمانى وعشرون سنة، جيل كامل ولد ونشأ ولم ير منتخب بلده فى المونديال، أطفال صاروا آباء، وآباء صاروا أجدادًا، وكلهم يحملون فى قلوبهم نفس السؤال الذى لم يجد إجابة، متى نعود؟
كانت التصفيات تنتهى دائمًا بنفس الطريقة، أمل يتصاعد ثم ينكسر فى اللحظة الأصعب، الجماهير تتحمس ثم تحبط، ويبقى الجرح مفتوحًا، يورث نفسه من جيل إلى جيل، حتى جاءت تلك الليلة فى أكتوبر 2017، مباراة المنتخب المصرى أمام الكونغو فى استاد برج العرب، والتى لم يكن فيها محمد صلاح مجرد لاعب كرة فى تلك المباراة، كان قد تحول إلى شيء أكبر من ذلك بكثير، فى ليفربول كان يصنع المعجزات أسبوعا بعد أسبوع، وفى مصر كان الناس يتابعونه كأنه يلعب بدلا عنهم جميعًا، كأن كل هدف يسجله فى إنجلترا هو رسالة تقول نحن هنا، لم نختف، حين وصفه بعضهم بـ«فخر العرب» لم يكن ذلك مبالغة شعرية، كان توصيفا دقيقا لما يشعر به الشارع المصرى تجاهه، وفى تلك الليلة، كانت مصر تحتاجه أكثر من أى وقت مضى، فى مباراة الحسم أمام الكونغو، لكن ثقل اللحظة كان أثقل من أى ملعب، التعادل كان يكفي، الفوز كان يكفي، حتى الخسارة بفارق محدود كانت تبقى الأمل، لكن الوقت كان يمر ثقيلا، والنتيجة لم تتحرك، والقلوب فى الشوارع والبيوت والمقاهى كانت تدق بسرعة لا تحتملها الصدور، ثم فى الدقيقة الخامسة والتسعين، حين كان الوقت بدل الضائع يأكل آخر بقايا الأمل، وقع تريزيجة أرضًا فى منطقة الجزاء، والحكم يحتسب ركلة جزاء، توقف الزمن، وقف صلاح أمام الكرة ثم نظر إلى الحارس، أخذ خطوتين، وسجل هدف الصعود الى كأس العالم، لم يكن ما حدث بعدها احتفالا عاديا، فى ثانية واحدة، فى لحظة واحدة، انفجرت مصر كلها من الفرحة، فى المقاهى قفز الرجال فوق الكراسى وتعانقوا مع غرباء لا يعرفونهم، فى البيوت بكت الأمهات وضحك الأجداد فى نفس الوقت، فى الشوارع خرج الناس فجأة كأن إشارة سرية أخبرتهم جميعا فى لحظة واحدة، ذهبت مصر إلى روسيا 2018 وفى قلوب جماهيرها جمر لا يبرد، المجموعة كانت صعبة، أوروغواى العريقة، والسعودية الجارة، وروسيا المضيفة التى تلعب أمام جمهورها، لكن الحقيقة المرة أن المنتخب لم يكن جاهزا بما يكفي، خسر أمام أوروغواى بهدف فى الشوط الثاني، ثم جاءت الضربة الأكبر حين خسر من روسيا بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، وفى آخر مباراة، حين كانت الكرامة هى كل ما تبقى، خسر من السعودية فى مباراة درامية انتهت بهدفين مقابل هدف، ثلاث خسائر فى ثلاث مباريات، والخروج من الدور الأول، لكن حتى فى تلك الخسائر، كان صلاح يسجل ويحارب ويرفع الرأس، كأنه يقول للعالم، نحن لم نأت لنختبئ، وما بين إيطاليا 1934 وروسيا 2018، وبينهما إيطاليا 1990، تمتد قصة كرة قدم مصرية لا تعرف معنى الاستسلام، تخسر، تغيب، تعود، تخسر مجددا، وتبقى، ومع صعود منتخب مصر إلى مونديال 2026، يبدأ فصل جديد فى رواية لم تنته يوما، الأجداد الذين بكوا فى 1990 صاروا يحكون لأحفادهم، والأطفال الذين حفظوا هدف صلاح فى 2017 صاروا شبابا يصرخون فى الشوارع من جديد، مصر عادت، ليس لأنها لم تغب، بل لأنها لم تنس، «الفراعنة لا يموتون، يتركون فقط بعض الوقت للتاريخ كى يشتاق إليهم».