فى ذاكرة المصريين، تأتى بطولة كأس العالم كمحطة وطنية تحمل مشاعر أجيال كاملة؛ من مونديال إيطاليا 1990، حين عاش المصريون فرحة العودة إلى المسرح العالمى بعد غياب طويل، مرورًا بمونديال روسيا 2018 الذى أعاد الحلم إلى الواقع بعد 28 عامًا من الانتظار، وصولًا إلى التطلع نحو مونديال 2026، ظل المنتخب الوطنى حاضرًا فى وجدان المصريين بوصفه مساحة يلتقى عندها الجميع على قلب رجل واحد.
وعلى امتداد المحافظات المصرية، لكل مدينة وقرية حكايتها الخاصة مع المونديال؛ ففى المقاهى الشعبية تتزاحم المقاعد قبل ساعات من انطلاق المباريات، وتتحول المنازل إلى مدرجات مصغرة، بينما تتوارث الأجيال ذكريات المباريات التاريخية واللحظات التى حفرت أسماء أصحابها فى مجلدات المجد.
لم تقتصر علاقة المصريين بالمونديال على متابعة المنتخب فقط، لكنها ارتبطت بذكريات اجتماعية خاصة؛ فهناك من يتذكر أول مباراة شاهدها مع والده، وآخر يتذكر تجمع الأصدقاء فى أحد المقاهي، وثالث يحتفظ بصورة التقطها خلال احتفالات التأهل، ليتحول كأس العالم إلى جزء من الذاكرة الجماعية للمجتمع المصري.
واليوم، ومع اقتراب مونديال 2026، يعود الحلم من جديد إلى الشارع المصري، ففى المقاهى والأندية ومراكز الشباب وحتى داخل البيوت، يتابع المشجعون مشوار المنتخب فى التصفيات، ويتبادلون النقاشات حول فرص التأهل واللاعبين القادرين على صناعة الفارق.. وبين جيل عايش مونديال 1990، وآخر احتفل بتأهل 2018، وثالث يتطلع إلى رؤية مصر فى كأس العالم ربما للمرة الأولى فى حياته، تتواصل الحكاية نفسها.
مصطفى أحمد جابر، أحد سكان منطقة الرماية بالجيزة، قال إن «المشاركة التاريخية لمنتخب مصر الأول لكرة القدم فى مونديال 1990 كانت لحظة فارقة فى الذاكرة الكروية المصرية، غير أننى لم أكن من المتفائلين بإمكانية تكرار هذا الإنجاز مجددًا، خاصة بعد تعثر الجيل الذهبى للمنتخب، الحاصل على ثلاث كؤوس إفريقية متتالية، فى بلوغ نهائيات مونديال جنوب إفريقيا 2010، وقد ترك الإحباط الذى أعقب الهزيمة أمام منتخب الجزائر فى أم درمان انطباعًا عامًا بأن الحلم بات بعيد المنال، وأن لحظات المجد التى شهدها ستاد باليرمو لن تتكرر بسهولة.
وأضاف: منذ طفولتي، كنت متابعًا شغوفًا لكل مباريات المنتخب المصري، حيث كنت صبيًا فى الرابعة عشرة من عمرى، أرتدى قميص مهاجم المنتخب الشاب آنذاك حسام حسن، ويتابع برفقة أسرته مباريات المنتخب أمام أيرلندا وهولندا وإنجلترا فى مونديال 1990، ولم تزل ذاكرتى تحفظ مشهد الورقة التى كنت أدوّن فيها المجموعات المشارِكة ونتائج مباريات الدور الأول، إلى جانب توقعاتى لمسار المنتخب حال تخطيه دور المجموعات، قبل أن تتبدد تلك الأحلام تدريجيًا مع كل مباراة، وأشطب احتمالا وراء آخر كلما ازدادت صعوبة المنافسة.
«مصطفى»، أكد أنه تابع المنتخب منذ ذلك الحين فى مختلف مراحله، ما بين لحظات الانتصار والانتكاسات الصعبة، كما روى فرحته من مدرجات ستاد القاهرة بتأهل المنتخب إلى نهائيات كأس العالم 2018 فى روسيا، بأقدام محمد صلاح وتحت قيادة المدرب هيكتور كوبر، مشيرًا إلى أن «البداية، رغم الخسارة أمام أوروجواي، منحت بارقة أمل بتحقيق الفوز الأول فى تاريخ مصر بالمونديال أمام روسيا أو السعودية، إلا أن النتائج لم تكن فى مستوى الطموحات، وغادر المنتخب البطولة دون أى نقاط».
وأوضح «جابر» أنه، ومع قرعة كأس العالم 2026، شعر بقدر من التفاؤل بعد وقوع المنتخب فى مجموعة تبدو متوازنة نسبيًا، تسمح بفرصة لتحقيق نتيجة إيجابية على الأقل، فى ظل وجود مجموعة من اللاعبين المميزين، وتطور أداء المنتخب تحت قيادة العميد حسام حسن.
وعن استعداداته لمونديال 2026، شدد «جابر» على أنه «يستعد لمتابعة مشوار المنتخب عبر متابعة دقيقة لكل التحليلات الفنية والتغطيات الإعلامية المصاحبة لبعثة الفريق فى الولايات المتحدة، إلى جانب متابعة المنافسين فى المجموعة وحسابات التأهل، وينتظر بشغف المباراة الافتتاحية أمام بلجيكا، بوصفها الاختبار الأصعب»، مؤكدًا أنه «رغم مرور أكثر من 35 عامًا على ارتباطه بالمنتخب، لا يزال يرى فى مونديال الولايات المتحدة والمكسيك وكندا الفرصة الأقرب لتحقيق حلم طال انتظاره، وربما كتابة فصل جديد من تاريخ الكرة المصرية».
ومن القاهرة إلى مدينة بنها، لا يزال الحاج سمير عطا، ممسكًا بتفاصيل ما جرى فى مونديال 1990، رغم أن متابعة مباريات المنتخب فى ذلك الزمن كانت مختلفة تماماً عن اليوم، فعدد أجهزة التلفزيون كان قليلا نسبيا، مما جعل المقاهى هى القلب النابض للتجمعات الجماهيرية، حيث كان الناس يحرصون على مشاهدة اللقاءات فى أجواء مليئة بالحماس، حيث احتشد الناس حول الشاشات لمتابعة مباريات المنتخب الثلاث فى دور المجموعات، وما لا يُنسى هو الهدف التاريخى الذى سجله الكابتن مجدى عبد الغنى من ركلة جزاء فى مرمى هولندا، والذى أطلق موجة من الفرحة الهستيرية فى كل بيت مصري.
وقال: أتذكر مونديال 1990 فى إيطاليا وكأنه وقع أمس، كنت وقتها شاباً فى بداية الثلاثينيات، وكانت مشاركة المنتخب حدثا استثنائيا لنا جميعاً، كنت أتابع المباريات مع مجموعة كبيرة من الأصدقاء والجيران فى مقهى عندنا، لأن التلفزيونات لم تكن منتشرة كما اليوم، وكانت المباريات تتحول إلى احتفال جماعى يشارك فيه الجميع، المنتخب كان غائباً سنوات طويلة عن كأس العالم، فمجرد التأهل كان إنجازا أسعد المصريين، وكنا ننتظر المباريات بفارغ الصبر، ونتابع كل خبر ينشر فى الصحف أو يُذاع عبر الراديو، لم تكن هناك هواتف ذكية أو مواقع تواصل، وكانت المعلومة تصل بصعوبة مقارنة باليوم.
وأضاف الحاج سمير: أكثر ما علق بذاكرتى هو مباراة هولندا، فشعرنا وقتها بفخر كبير حين تعادلنا مع أحد أقوى المنتخبات، كما أتذكر مباراة أيرلندا، وكنا نؤمن بأن المنتخب قادر على صنع المفاجأة، أما مباراة إنجلترا، فتابعناها بحزن بعد الخسارة والخروج، لكننا شعرنا أن الفراعنة قدموا أداء مشرفا رفع اسم مصر عالياً، كما أن الأجواء خارج الملعب كانت مميزة أيضاً، الشوارع تزينت بالأعلام، والناس تتحدث عن المنتخب فى كل مكان، ولم يكن هناك انقسام أو خلاف حول التشجيع، كل المصريين كانوا خلف منتخبهم الوطني.
وأكد عمر عماد، من أبناء مدينة شبرا الخيمة، أن جيله عاش فترتين مختلفتين تماماً فى متابعة المنتخب الوطني، الأولى من خلال حكايات الآباء عن مونديال 1990، والثانية من خلال التجربة المباشرة خلال مونديال روسيا 2018، الذى أعاد المنتخب إلى البطولة بعد غياب استمر 28 عاما، حيث لحظة التأهل إلى مونديال 2018، كانت من أكثر اللحظات الرياضية تأثيراً بالنسبة للمصريين، حيث خرجت الجماهير إلى الشوارع للاحتفال بشكل غير مسبوق، وشهدت المقاهى ومراكز الشباب والأندية إقبالا كبيرا خلال فترة البطولة، حيث إن متابعة المنتخب لم تعد تقتصر على مشاهدة المباراة فقط، بل أصبحت تجربة متكاملة تبدأ قبل اللقاءات بأيام من خلال متابعة الأخبار والتدريبات والتوقعات والتحليلات عبر مواقع التواصل الاجتماعى والمنصات الرقمية.
وأضاف «عماد»: مونديال 2018 كان مختلفا تماماً بالنسبة لى ولجيل كامل من المصريين، لأننا انتظرنا هذه اللحظة سنوات طويلة، كنت وقتها أتابع المباريات بحماس شديد، خاصة أنها كانت أول مشاركة للمنتخب فى كأس العالم منذ 1990، أتذكر أن مباراة أوروجواي، شاهدتها فى أحد المقاهى الكبيرة بشبرا الخيمة وسط عشرات المشجعين، وكانت الأجواء أشبه بالاحتفال الوطني، الجميع كان يرتدى قمصان المنتخب أو يحمل الأعلام، وكنا نشعر أن مصر كلها تجلس فى المكان نفسه.
ومن القاهرة والدلتا إلى الصعيد، يبقى حب المنتخب ومتابعته هو السمة الغالبة. قال محمد علي، أحد المشجعين من أسيوط، إن «متابعة المباريات الكبرى للمنتخب لا تقتصر على المشاهدة من المنازل فقط، فالثقافة الجماهيرية المصرية ارتبطت دائمًا بأجواء التجمعات فى المقاهى والأماكن العامة التى تذيع المباريات، حيث تتحول المباريات إلى حدث اجتماعى يجمع الأصدقاء والعائلات حول هدف واحد هو مؤازرة المنتخب الوطني، ويأتى التشجيع المصرى محمّلًا بمشاعر الفخر والانتماء».
وأوضح الدكتور على مشهور، أن «كثيرا من المشجعين ما زالوا يرون المونديال أكبر حدث كروى فى العالم، ويعتبرونه مناسبة تجمع جماهير من ثقافات مختلفة، ورغم التوقيت الصعب الذى ستجرى فيه المباريات، إلا أن الجميع ينتظر مباريات المنتخب حتى لو أقيمت فى أى وقت، خاصة أن بعض التوقعات الإحصائية منحت مصر فرصة واقعية للوصول إلى دور الـ16 لأول مرة فى تاريخها، وتقديم أداء محترم، وتحقيق أول انتصار مصري، علاوة على ذلك عودة مصر إلى كأس العالم بعد غياب».
فى محافظة الإسكندرية، وتحديدًا بمنطقة الأنفوشي، يقول الحاج محمد عطية (65 عامًا)، بالمعاش: «أنا من وقت مونديال 1990 وأنا أعلّق علم مصر فى شرفة المنزل، ومع كل حدث وطنى أو مناسبة كبيرة، حتى لو كانت محنة، تكون فرصة للالتفاف والاصطفاف على قلب رجل واحد خلف الوطن. أتذكر يوم المباراة جيدًا؛ كانت الأجواء صيفية، وكنت أنا وأسرتى فى ضيافة جيراننا على سطح المنزل. كانت مشاعر جميلة لا تُوصف، وحين سجل مجدى عبد الغنى ركلة الجزاء، نزلت الإسكندرية كلها إلى الشوارع، من بحرى إلى المنشية، تعبيرًا عن الفرحة.
«عطية» أضاف: فى 2026 أتمنى أن تعود تلك الأجواء والمشاعر التى عشناها وقتها، أتمنى أن تجتمع العائلة والجيران، ونجلس أمام التلفزيون كما كنا نفعل قديمًا. الفوز جميل، لكن لمّتنا أجمل. وجود مصر فى كأس العالم وحده بطولة».
ومن منطقة الأنفوشى إلى العجمي، يقول وليد عبد العظيم (44 عامًا)، ويعمل فى الأعمال الحرة: «أنا من الجيل الذى عاش التجربتين؛ حضرت مونديال 1990 وأنا طفل فى الثامنة من عمرى تقريبًا، وحضرت مونديال 2018 وأنا أب، وكنت أحرص على حجز مكان فى أحد كافيهات العجمى مبكرًا لمشاهدة المباريات على الشاشات الكبيرة، وفى هذا المونديال بالتأكيد سنتابع جميعًا مباريات المنتخب حتى خلال إقامتها فى ساعات متأخرة من الليل».