على مدار أكثر من ثلاثة عقود، ظلّ المهندس هانى أبوريدة رقمًا فاعلاً وقاسمًا مشتركًا فى أبرز محطات الكرة المصرية والإفريقية والعالمية. ومن واقع خبرته الطويلة ومناصرته المؤثرة داخل الاتحادين الدولى والإفريقى لكرة القدم، يفتح «أبوريدة» قلبه فى هذا الحوار الاستثنائى قبل أيام معدودة من انطلاق نهائيات كأس العالم 2026، حيث يرى «أبوريدة» أن مجرد التأهل للمونديال لم يعد سقف الطموح، بل هو حجر الأساس لمرحلة جديدة تستهدف تثبيت أقدام «الفراعنة» بين كبار اللعبة. وفى السطور التالية، يتحدث عن استعدادات المنتخب الوطنى وحظوظه المرتقبة ودور اتحاد الكرة، مستعيدًا كواليس وأسرار مشوار الكرة المصرية على الساحة الدولية.
فى البداية.. ماذا يمثل لك تأهل منتخب مصر إلى كأس العالم 2026؟
التأهل إلى كأس العالم يسعدنى بالطبع، لكننى أنظر إليه من زاوية مختلفة، فأنا سعيد لأن مصر موجودة فى المكان الذى تستحق أن تكون فيه، لكننى لا أعتبر التأهل إنجازًا فى حد ذاته، والإنجاز الحقيقى بالنسبة لى هو أن تصبح مصر من المنتخبات التى تتواجد باستمرار فى كأس العالم وليس مرة كل عدة سنوات، عندما تنظر إلى الدول الكبرى كرويًا تجد أن التأهل أصبح أمرًا طبيعيًا بالنسبة لها، وهذا ما أحلم به للكرة المصرية لأننى أريد أن يصل اللاعب المصرى والجماهير المصرية إلى مرحلة يعتبرون فيها التأهل للمونديال خطوة طبيعية، بينما يكون الحديث الحقيقى عما يمكن تحقيقه داخل البطولة، والكرة المصرية تمتلك تاريخًا كبيرًا وقاعدة جماهيرية ضخمة ومواهب لا تنقطع، ولذلك لا يجب أن يكون سقف أحلامنا محدودًا.
كيف تنظر إلى الاستعدادات الحالية للمنتخب قبل بدء البطولة؟
أعتقد أن هناك عملاً كبيرًا تم خلال الفترة الماضية؛ فعندما تتأهل إلى كأس العالم، فإن التحدى الحقيقى يبدأ بعد التأهل وليس قبله.
فقد كان هدفنا داخل اتحاد الكرة توفير أفضل الظروف الممكنة للجهاز الفنى واللاعبين والمعسكرات والمباريات الودية، وأماكن الإقامة والتنسيق مع الجهات المنظمة؛ فكل هذه التفاصيل قد لا يراها الجمهور، لكنها تلعب دورًا مهمًا جدًا فى نجاح أى منتخب، وأنا مؤمن بأن اللاعب يجب أن يدخل البطولة وهو لا يفكر فى أى شيء خارج الملعب، فعندما توفر له الاستقرار الكامل يصبح قادرًا على التركيز فقط فى الأداء وتحقيق النتائج.
مجموعة مصر تضم بلجيكا وإيران ونيوزيلندا، كيف تراها؟
أرى أن الحديث عن سهولة أو صعوبة المجموعة أصبح غير منطقى فى كرة القدم الحديثة، والفوارق بين المنتخبات تقلصت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة، وبلجيكا تمتلك أسماء كبيرة وخبرات طويلة فى البطولات الكبرى لكن هذا لا يعنى أنها لا تهزم، وإيران منتخب منظم جدًا ويشارك باستمرار فى كأس العالم، ونيوزيلندا لديها شخصية قوية وطريقة لعب مختلفة، لكن الأهم بالنسبة لى ليس المنافسون بل شخصية منتخب مصر نفسه، فإذا ظهر المنتخب بالشخصية التى أعرفها عن اللاعب المصرى، وإذا لعب بثقة وشجاعة؛ فأعتقد أن فرص التأهل ستكون كبيرة.
هل تشعر أن هذا الجيل قادر على تحقيق أفضل إنجاز مصرى فى كأس العالم؟
بصراحة نعم، وأقول ذلك لأن كرة القدم المصرية تمتلك اليوم عناصر لم تكن متاحة فى فترات كثيرة سابقة؛ فلدينا لاعبون محترفون فى أعلى المستويات، ولدينا قائد عالمى بحجم محمد صلاح، ولدينا جهاز فنى يعرف طبيعة اللاعب المصرى جيدًا، لكن الإنجازات الكبيرة لا تتحقق بالكلام أو بالأسماء فقط، لأن الإنجازات تحتاج إلى شخصية وقدرة على التعامل مع الضغوط والتفاصيل الصغيرة التى تحسم البطولات الكبرى، وإذا نجح اللاعبون فى التحرر من الضغوط والاستمتاع بالبطولة؛ فأعتقد أن هذا المنتخب قادر على الذهاب بعيدًا.
كيف ترى تأثير محمد صلاح داخل المنتخب؟
صلاح تجاوز منذ سنوات فكرة أنه مجرد لاعب كرة قدم، واليوم نحن نتحدث عن رمز رياضى عالمى يحمل اسم مصر فى كل مكان، لكن أكثر ما يعجبنى فيه ليس ما يقدمه داخل الملعب فقط، بل شخصيته والتزامه وطريقة تعامله مع المسئولية، فعندما يرى اللاعبون الصغار ما وصل إليه صلاح يدركون أن الوصول إلى القمة ليس مستحيلاً، صلاح يمثل نموذجًا كاملاً للاعب المحترف، وأعتقد أن تأثيره المعنوى داخل المنتخب لا يقل أهمية عن تأثيره الفنى.
بحكم خبراتك الدولية، ما الذى ينقص الكرة المصرية للوصول إلى مستوى أكبر عالميًا؟
الاستمرارية، ولدينا مواهب وجماهير وتاريخ، لكن النجاح الحقيقى فى كرة القدم الحديثة يعتمد على وجود مشروع طويل المدى لا يتغير بتغير الأشخاص؛ فالدول التى تتقدم كرويًا لا تعمل لموسم أو بطولة واحدة، بل تضع خططًا تمتد لعشر سنوات أو أكثر، وإذا نجحنا فى ترسيخ هذه الثقافة؛ فأنا مقتنع بأن الكرة المصرية قادرة على الوصول إلى مستويات أعلى بكثير مما حققته حتى الآن.
بعد سنوات طويلة فى الإدارة الرياضية، ما الحلم الذى لم يتحقق بعد؟
الحلم الأكبر بالنسبة لى هو أن أرى منتخب مصر ينافس بجدية على الوصول إلى المراحل النهائية فى كأس العالم، عشنا لحظات رائعة فى أمم إفريقيا وشاهدنا إنجازات كبيرة على المستوى القارى، لكن كأس العالم يبقى المسرح الأكبر فى كرة القدم، وأتمنى أن يأتى اليوم الذى نرى فيه منتخب مصر بين أفضل منتخبات العالم، ليس كمفاجأة أو استثناء بل لأنه يستحق ذلك بالفعل.
بحكم وجودك سنوات داخل الاتحادين الإفريقى والدولى، كيف تغيرت نظرة العالم للكرة المصرية؟
هناك فارق كبير بين ما كانت عليه الصورة قبل عشرين أو ثلاثين عامًا وبين ما نراه اليوم؛ فالكرة المصرية أصبحت تحظى باحترام كبير داخل المؤسسات الكروية الدولية، ليس فقط بسبب النتائج، ولكن أيضًا بسبب الحضور المستمر فى مختلف البطولات والفعاليات، وعندما تتحدث مع مسئولين فى فيفا أو الاتحاد الإفريقى، تجد أنهم ينظرون إلى مصر باعتبارها واحدة من أهم الدول الكروية فى القارة، ونحن لدينا تاريخ وجماهير وقدرة تنظيمية أثبتتها مصر فى أكثر من مناسبة، ولكننى أؤمن بأن الاحترام لا يُحافظ عليه بالكلام بل بالعمل المستمر، كل جيل عليه مسئولية إضافة شيء جديد إلى ما حققه الجيل السابق.
هل تعتقد أن استضافة مصر للبطولات الكبرى أسهمت فى هذا التطور؟
بالتأكيد، عندما تستضيف بطولة قارية أو عالمية بنجاح فأنت لا تنظم مباريات فقط، بل تقدم صورة كاملة عن الدولة وإمكاناتها وقدرتها على إدارة الأحداث الكبرى، ما حدث فى كأس الأمم الإفريقية 2019 على سبيل المثال منح مصر إشادات كبيرة جدًا من مختلف الجهات الدولية، فالجميع كان يتحدث عن التنظيم والبنية التحتية والقدرة على إنجاز الأمور فى وقت قياسى، وهذه الأمور تنعكس بشكل مباشر على مكانة الكرة المصرية وعلى فرصها فى الحصول على مزيد من الأحداث الكبرى مستقبلًا.
هل ترى أن الدورى المصرى يواكب طموحات المنتخب الوطنى؟
الدورى المصرى يمتلك مقومات كبيرة جدًا، لكنه لا يزال قادرًا على التطور أكثر؛ فلدينا أندية جماهيرية كبيرة، ومواهب مميزة وقاعدة متابعة ضخمة، لكن كرة القدم العالمية تتطور بسرعة كبيرة، وبالتالى لا بد من مواكبة هذا التطور على مستوى الإدارة والتسويق والبنية التحتية والتحكيم والأكاديميات، وقوة المنتخب تبدأ من قوة المسابقة المحلية، وكلما ارتفع مستوى المنافسة داخل الدورى، انعكس ذلك على المنتخبات الوطنية.
برأيك ما أكبر تحدٍّ يواجه الكرة المصرية خلال السنوات المقبلة؟
التحدى الأكبر هو بناء منظومة مستدامة لا تعتمد على الأشخاص، فى كثير من الأحيان ترتبط النجاحات بأسماء معينة، لكن الدول الكبرى تبنى أنظمة قادرة على الاستمرار مهما تغيرت الإدارات أو الأجهزة الفنية، علينا أن نستثمر أكثر فى الناشئين وفى تطوير المدربين وفى العلوم الرياضية الحديثة، والعالم تغير كثيرًا، ومَن يرِد المنافسة؛ فعليه أن يواكب هذا التغيير.
كيف ترى مستقبل الأكاديميات وقطاع الناشئين فى مصر؟
هذا الملف هو الأهم بالنسبة لى، أى دولة تريد النجاح عقودًا طويلة لا بد أن تبدأ من الطفل الذى يلعب الكرة اليوم، المنتخبات الكبرى لا تنتظر ظهور موهبة بالصدفة بل تصنع اللاعب من خلال منظومة كاملة، لدينا مواهب طبيعية هائلة فى مصر وربما من الأفضل فى العالم من حيث الموهبة الخام، لكن الموهبة وحدها لم تعد كافية، ونحتاج إلى تطوير طرق التدريب والتأهيل البدنى والنفسى والتعليمى للاعبين منذ الصغر، إذا نجحنا فى ذلك فأنا مقتنع بأن مصر ستنتج أجيالاً أقوى من كل الأجيال السابقة.
هل تتوقع أن يكون مونديال 2026 نقطة تحول للكرة المصرية؟
أتمنى ذلك، البطولات الكبرى دائمًا تمنحك فرصة لإعادة تقديم نفسك للعالم، وإذا ظهر المنتخب بصورة قوية وحقق نتائج جيدة، فإن ذلك سيؤثر على أشياء كثيرة بداية من ثقة اللاعبين وحتى نظرة الأندية العالمية للمواهب المصرية، لكن الأهم من البطولة نفسها هو ما يأتى بعدها لأن النجاح الحقيقى أن تستفيد من المشاركة وتبنى عليها مستقبلاً أفضل.
ما رأيك فى طموحات الجماهير المصرية التى تتحدث عن الوصول إلى ربع النهائى أو أبعد من ذلك؟
أحب الطموح، بل أراه ضروريًا؛ فالجماهير المصرية اعتادت على الأحلام الكبيرة وهذا أمر إيجابى، لكن فى الوقت نفسه يجب أن ندرك أن كرة القدم لعبة تفاصيل صغيرة، أنا لا أحب وضع سقف للطموحات فلماذا لا نحلم؟ لكن يجب أن يكون الحلم مصحوبًا بالعمل والواقعية والتركيز فى كل خطوة، والأهم الآن هو عبور دور المجموعات وبعد ذلك يمكن أن تتغير كل الحسابات.
بعد كل هذه السنوات، ما أكثر لحظة فخر عشتها مع الكرة المصرية؟
هناك لحظات كثيرة بالطبع، لكن أكثر ما يسعدنى دائمًا هو رؤية علم مصر حاضرًا فى أكبر المحافل الكروية، سواء فى كأس العالم أو كأس الأمم الإفريقية أو داخل مؤسسات كرة القدم الدولية، فأنا أشعر بالفخر عندما أرى اسم مصر حاضرًا ومؤثرًا، وفى النهاية المناصب تزول لكن ما يبقى هو ما قدمته لبلدك وللرياضة التى تحبها.
لو طلبنا منك رسالة أخيرة قبل انطلاق كأس العالم؟
رسالتى للاعبين أن يدركوا أنهم يمثلون تاريخًا طويلاً من الأحلام والطموحات، كرة القدم تمنحك أحيانًا فرصة واحدة لتصنع اسمك فى ذاكرة الناس للأبد، وكأس العالم واحدة من هذه الفرص، وأقول لهم العبوا بشجاعة ولا تخافوا من أى منافس، واحترموا قيمة القميص الذى ترتدونه، عندما تنظر الجماهير إلى منتخبها يجب أن ترى فريقًا يقاتل حتى اللحظة الأخيرة، وأقول للجماهير: ثقوا فى منتخبكم وساندوه كما اعتدتم دائمًا؛ فالتاريخ يثبت أن الكرة المصرية كانت دائمًا أقوى عندما كانت الجماهير واللاعبون والإدارة يسيرون فى اتجاه واحد.
إذا حقق منتخب مصر إنجازًا كبيرًا فى كأس العالم 2026، ماذا سيمثل ذلك للكرة المصرية؟
سيكون أكثر من مجرد إنجاز رياضى، لأن الوصول إلى مرحلة متقدمة فى كأس العالم سيمنح الكرة المصرية دفعة هائلة على جميع المستويات، وسيزيد من ثقة اللاعبين فى أنفسهم وسيفتح أبوابًا جديدة أمام المواهب المصرية للاحتراف، كما سيؤكد أن مصر قادرة على المنافسة مع أفضل منتخبات العالم، والأهم من ذلك أن مثل هذا الإنجاز سيلهم جيلاً كاملاً من الأطفال والشباب، كثير من النجوم الكبار حول العالم بدأوا أحلامهم بعد مشاهدة منتخبات بلادهم تحقق إنجازات تاريخية، لذلك أرى أن نجاح المنتخب فى المونديال لن يكون مكسبًا للحاضر فقط بل استثمار حقيقى لمستقبل الكرة المصرية لسنوات طويلة.