رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حروب المنطقة.. بقاء الحال على ما هو عليه


4-6-2026 | 16:00

.

طباعة
بقلم: حلمى النمنم

 يبدو أن الولايات المتحدة وإيران لن توقّعا على تفاهمات أو اتفاقيات فى المدى العاجل، كل منهما وضع العربة أمام الحصان، وكل منهما مستفيد من بقاء الحال على ما هو عليه.. كلٌّ لديه أسبابه، وإسرائيل تتمدد، مواقع حربية سرية فى العراق، تواجد فى أرض الصومال، الرئيس ترامب يريد من دول المنطقة الدخول فى الاتفاق الإبراهيمى قبل أى تفاهم مع إيران.. هذا كله يفرض علينا بناء قوتنا الشاملة الصلبة والخشنة إلى جوار الناعمة وعملية التنمية المستدامة.

 

بات واضحًا أن أى حرب تنشب لا تتوقف بعد أسبوع أو أسبوعين ولا يأتى السلام بعدها مباشرة، الحرب الهندية – الباكستانية منتصف الستينيات استمرت أيامًا، حرب يونيو 1967 استغرقت ثلاثة أيام فقط، حرب أكتوبر سنة 1973 توقفت بعد 16 يومًا، وهكذا كان الجميع يتجنب إطالة أمدّ الحرب، الدول وحتى مجلس الأمن والأمم المتحدة، كان فيه العالم يتذكر أهوال الحرب العالمية، الآن تغير الموقف كثيرًا.

الحرب الأوكرانية بدأت فى فبراير 2022، وما زالت مشتعلة حتى اليوم، رغم مئات الآلاف من القتلى على الجانبين، وليس هناك فى الأفق أى بادرة لتوقف القتال، ذلك أن كل طرف متمسك بموقفه ولم يتزحزح عنه، وفى السودان حرب ضارية منذ أبريل 2023، ومداها يتسع يومًا بعد يوم، وقبل أسبوعين صرح قائد قوات الدعم السريع بأن لديه استعدادًا هو وقواته للقتال لمدة أربعين سنة قادمة.

أحدث الحروب هى حرب أمريكا – إيران، التى بدأت صباح السبت 28 فبراير الماضى، وها هى تدخل شهرها الرابع، ورغم الجهود الدءوبة التى تقوم بها باكستان وقطر والدور الذى تلعبه مصر للوصول إلى تهدئة، عاش العالم يوم الأحد قبل الماضى على أمل أن اتفاقًا بين الطرفين المتحاربين سوف يتم الإعلان عنه خلال ساعات، لكن لم يتحقق شيء، ورغم أيام عيد الأضحى المبارك، وقعت غارات وهجمات متبادلة فى بندر عباس بإيران، وردت إيران بمهاجمة الكويت بصاروخ باليستى، وهدد الرئيس دونالد ترامب سلطنة عمان بسبب مضيق هرمز.

الحرب الأمريكية الإسرائيلية من جانب والإيرانية من جانب آخر، فى قلب المنطقة وتتعلق بدول شقيقة، ومن ثم تداعياتها تمسنا نحن أيضًا بشكل مباشر.

الرئيس دونالد ترامب، الذى بدا قبل أسبوعين متلهفًا لوقف القتال وإحلال التفاهم، غيّر موقفه ولم يعد متعجلاً، ثم إنه وضع شروطًا مسبقة لإتمام أى اتفاق أو تفاهم، من بين هذه الشروط أن تقدم دول المنطقة على التوقيع والالتزام بالاتفاق الإبراهيمى، وركز تحديدًا على كل من المملكة العربية السعودية وقطر، ومعنى هذا أن تكون كل دول المنطقة فى خندق واحد مع إسرائيل دون إلزام الأخيرة بالموافقة على قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، والانسحاب من الضفة الغربية وغزة، عمليًا هذا معناه أن تقف دول المنطقة فى خندق إسرائيل دون سلام مع الفلسطينيين ولا مع اللبنانيين ودون قيام الدولة الفلسطينية.

وقد كشفت الحرب الأخيرة أن إسرائيل تتمدد فى المنطقة عسكريًا وحربيًا بسماح أمريكى، بل دعم كامل، فقد عُثر على موقعين عسكريين لإسرائيل فى قلب العراق، اكتشف أحدهما راعٍ عراقى، ولما أبلغ الجهات الرسمية تبين أنها قاعدة عسكرية إسرائيلية، قامت بضرب القوة العراقية التى ذهبت لتستطلع الأمر. صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية أكدت وجود عدة مواقع وليس موقعان فقط لها داخل العراق منذ أكثر من عام، أُنشئت ليسهل الانطلاق منها فى عمليات نحو إيران أو أى جهة أخرى.

تكشف أيضًا أن ثمة وجودًا عسكريًا لإسرائيل فى أرض الصومال، قريبًا من مدخل البحر الأحمر، وعلى بعد 260 كيلومترًا من مواقع الحوثيين فى اليمن.. هذا التمدد العسكرى لم يكن معلنًا عنه، تكشف فقط مع الحرب الأخيرة.

هناك كذلك التمدد العسكرى فى منطقة القنيطرة بسوريا، فضلاً عن علاقات إسرائيلية مع بعض الأطراف فى محافظة السويداء السورية.. منذ عدة أسابيع قال بنيامين نتنياهو إنه يودّ أن يعلن التحالفات التى أقامها مع أطراف فى المنطقة، هل هذه بعضها؟

ثم جاء الرئيس دونالد ترامب ليطلب، قبل أن يوقّع على التفاهم مع إيران، بدخول الدول العربية وباكستان وتركيا إلى التحالف الإبراهيمي.. التحالف ليس –فقط– تطبيعًا بالمعنى الذى كنا نتحدث عنه لعقود، بل يمكن أن يدخل فيه التعاون العسكري.. مرة ثانية وعاشرة كل هذا يتم قبل بناء السلام وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

على الجانب الآخر، إيران متمسكة بكل مطالبها، وهى تريد أن لا توجد أى قوة عسكرية بدول الخليج، لا أمريكية ولا عربية، دول الخليج كلها عضو بالجامعة العربية وهناك اتفاقية دفاع مشترك، فإذا طلبت أى دولة بالخليج من دولة شقيقة مساعدة عسكرية، وقد طلبت عدد من هذه الدول مؤخرًا مساعدة مصر، لم تتأخر مصر لحظة عن الأشقاء، لكن إيران تعتبرها قوة أجنبية.

إيران ليست متلهفة على التفاهم مع الولايات المتحدة، هناك تيار قوى فى القيادة الإيرانية يرى أن الأفضل لهم استمرار الوضع على ما هو عليه، بعض التحليلات تتجه إلى الفكر التقليدى أن وجود عدوان خارجى يدفع إلى الالتفاف الوطنى حول النظام وتراجع المعارضة له، وهذا صحيح، لكن ثمة رأيا آخر، مفاده أن إيران تمارس نشاطها النووى فى تخصيب اليورانيوم وتخطى العينة النووية، وأنها تحتاج إلى عدة شهور لذلك، خاصة بعد أن نقلت المواقع النووية إلى مناطق حصينة فى عمق الجبل لا يمكن الوصول إليها، وأنه إذا وصلت إلى تلك المرحلة فإن قواعد الحرب سوف تتغير تمامًا لصالحها، لن تكون الولايات المتحدة قادرة على مهاجمتها، بل ستكون مضطرة إلى تفاهم معها، النموذج أمامنا، كوريا الشمالية والولايات المتحدة.

وهناك رأى آخر بأن الإدارة الأمريكية تراهن على إطالة أمدّ الحرب ومعاناة الشعب الإيرانى، بما يؤدى إلى انشقاق داخل الإدارة وهياكل الدولة فى إيران، ويصبح السقوط من الداخل.. من الآن بدأ الحديث عن انتقادات داخلية لقاليباف، وأن جناحًا فى الحرس الثورى يستعد للإطاحة بالجميع.. بغضّ النظر، عن كل ما يجرى وأمام أى احتمال يجب أن ندرس موقفنا نحن.

الأمر المؤكد أننا لسنا مع الهجمات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وقد أدانتها مصر من اللحظة الأولى، لكننا بالدرجة نفسها ضدّ الهجمات الإيرانية على الدول الشقيقة، وضد التمدد الإسرائيلى العسكرى فى المنطقة، لأنه يمسّ ويهدد الأمن القومى العربى كله، خاصة أن الجيش الإسرائيلى منذ يوم السابع من أكتوبر سنة 2023، بات يمارس التدمير والإبادة للتدمير ذاته، وليس لهم هدف سياسى مباشر كما كان من قبل، وإسرائيل تعتبر أن كل دولة فى المنطقة لا تقيم سلامًا معها دولة معادية تخطط لاختراقها وضربها مع أى فرصة.

إيران تريد إبعاد أى تواجد عربى عن منطقة الخليج، وتصبح المنطقة هناك فارسية بالكامل، تقع تحت سطوتها بمدّ الأذرع والميليشيات، كما وقع من قبل فى أربع دول عربية، وكان المسئولون الإيرانيون يتباهون بذلك ويقولون به فى العلن.

إذا وقفنا عند هذا المنطق، فإن سؤال العروبة والدور المصرى فى المنطقة، يجب أن يكون فى الحسبان والتقدير، وأنا على يقين أن الجهات المسئولة فى الدولة تنتبه إلى ذلك جيدًا وتدرك حجم المخاطر والتهديدات.

أما إذا ذهبنا إلى الاحتمال الثانى، وهو أن إيران تريد استغلال فترة الحرب وعدم وجود ممثلين للوكالة الدولية للطاقة الذرية ولا أى كاميرات تصوير خاصة بها، ومن ثم فإن الطريق ممهد أمامها لدخول النادى النووي.. فإننا نكون بإزاء وضع جديد، يجب التحسب له.

منذ سنوات التسعينيات تطالب مصر بأن تكون المنطقة خالية من السلاح النووى، ومن ثم يجب أن تخضع المنشآت الإسرائيلية للتفتيش والرقابة النووية؛ حفاظًا على سلام المنطقة، أما إذا دخلت إيران النادى وعبرت العينة النووية؛ فهنا نكون بإزاء مسئوليات من نوع آخر، وربما تفرض علينا الضرورات الجيوسياسية ما لم نكن نريده.

اتجهت مصر –مبكرًا– إلى السلام والتنمية المستدامة، وهكذا كان التوسع فى منشآت البنية التحتية من طرق وجسور.. دلتا جديدة.. عشرات المدن تُنشأ، خرجنا من الوادى الضيق إلى عمق الصحراء، فضلاً عن المشاريع الكبرى فى سيناء، لكن ظروف المنطقة، بل والعالم كله، تفرض علينا أن لا نهمل القوة الصلبة أو الخشنة، أى يكون لدينا دائمًا وطوال الوقت جيش وطنى قوى، مدرب ولديه أحدث الأسلحة.. هذا هو حال المنطقة والعالم.

فى العراق بعد سنة 2003 كانت الصيحة هى بناء الديمقراطية، ولدى هؤلاء أن بناء الديمقراطية يكون بإهمال وجود جهاز للمخابرات أو بناء جيش قوى، وهو أمر مريب بالفعل، ذلك أن بعض «الديمقراطيين العرب» يحملون فى أعماقهم عداءً عميقًا للجيوش الوطنية والقوى الصلبة فى الدولة، متأثرين فى ذلك ببعض الصحف ومراكز البحوث فى الولايات المتحدة وأوروبا، ويتجاهلون أن أكبر الدول ديمقراطية فى العالم هى دول نووية ولديها أقوى الجيوش –الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، لدى كل منها عدة أجهزة مخابرات وليس جهاز واحد فقط ويتجاهلون كذلك أن إسرائيل على حدودنا الشمالية تمتلك أكثر من جهاز مخابرات، يتحرك حول العالم، فى المنطقة وفى إفريقيا، وتقيم قواعد لها هنا وهناك، إلى جوار ذلك لديهم جيش يمتلك أحدث ترسانة عالمية من الأسلحة، بدءًا بالقنبلة النووية وحتى طائرات F-35، وحين نشترى نحن الرافال، يمتعض الديمقراطيون، ويتساءلون: لماذا..؟!، المهم حدث ما حدث فى العراق، وكانت النتيجة أنه بسبب غياب المخابرات وأجهزة المعلومات تسللت إسرائيل عسكريًا إلى العمق، وقامت بعمليات حربية انطلاقًا من أرض العراق الشقيق.

فى المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط، كل الاحتمالات قائمة، من الانتشار النووى وحتى انشطار بعض المجتمعات والدول طائفيًا وعرقيًا.. ولا نجاة لنا سوى الاعتصام بالدولة الوطنية، بكل قواها، الصلبة أو الخشنة مع الناعمة، أى ما بات يطلق عليه «القوة الذكية»، هذا ما يجب أن نؤمن به ونعمل عليه طوال الوقت.

أما قضايا الأمن القومى العربى، فهى بحاجة إلى درس جديد وإعادة تعريفه، تحديد الأولويات.. من هو العدو أو الخصم ومن هو الصديق، الواضح أن المنطقة تعود إلى أجواء أقرب إلى ما كانت عليه عشية الحرب العالمية الأولى، فى الأجواء تفاهمات عميقة.. عميقة بين إيران وأمريكا.. وزير الدفاع الباكستانى السابق علّق على الهجمات المتبادلة أيام العيد بأنه يستشعر من خبرته العسكرية والاستراتيجية، أنها عمليات متفق عليها ومرتبة من قبل، وقد ألمح إلى أن هجمات يونيو الماضى ربما كانت مرتبة، – إلى أين يصل الاتفاق والتفاهم.. ومن سيكون الخاسر أو الضحية فى هذه التفاهمات؟.. لا يجب أن نكون نحن فى صف الخاسرين.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة