في ظل ضغوط الحياة اليومية والانشغال المستمر، بدأت الكثير من العائلات تفقد دفء التجمعات الأسرية التي كانت تمثل جزءا أساسيا من فرحة العيد، بعدما أصبحت الزيارات سريعة والعلاقات أكثر برودا بسبب الانشغال والخلافات واستخدام الهواتف بشكل مفرط، وفي عيد الأضحى المبارك، يعود الحديث مجددًا عن أهمية إحياء روح العائلة الممتدة، ليس فقط باعتبارها عادة اجتماعية، بل لما تمثله من دعم نفسي وشعور بالأمان والانتماء للكبار والصغار على حد سواء.
ومن جهتها قالت الدكتورة إيمان عبد الله، استشارية العلاج النفسي الأسري، في تصريح خاص لبوابة "دار الهلال"، إن العيد ليس مجرد مناسبة عابرة، بل فرصة حقيقية لاستعادة روح العائلة والدفء الأسري الذي افتقده كثيرون في السنوات الأخيرة، العائلة الممتدة تمثل شعورا بالسند والانتماء، ومشهد تجمع الأجداد والأبناء والأحفاد في بيت واحد يظل من أجمل الطقوس المرتبطة بالأعياد، ويحمل قيمة نفسية كبيرة لجميع أفراد الأسرة.

وأشارت إلى أن ضغوط الحياة والانشغال الدائم وغياب الحوار الحقيقي بين أفراد الأسرة، ساهم في ضعف الروابط العائلية، حتى أصبح البعض يتعامل مع أقاربه وكأنهم غرباء، ولذلك فأن المطلوب ليس إلغاء خصوصية كل بيت، بل الحفاظ على صلة حقيقية قائمة على الاهتمام والسؤال عن المشاعر والاحتياجات، وليس مجرد تبادل عبارات المجاملة السريعة، فالعيد يجب أن يكون مساحة آمنة نفسيا، بعيدا عن الانتقادات والأسئلة المؤذية أو المقارنات بين الأشخاص، مثل الحديث عن الزواج أو الطلاق أو الشكل أو المستوى المادي، لأن هذه النوعية من الأسئلة تدفع البعض للهروب من التجمعات العائلية بدلا من الاستمتاع بها.
وأكدت على أهمية أن تحمل الزيارات اهتماما حقيقيا، من خلال الحوار والاستماع والاحتواء، خاصة للكبار الذين ينتظرون رؤية أبنائهم وأحفادهم في الأعياد، موضحة أن هذه اللحظات تمثل وقودا نفسيا يمنحهم السعادة والشعور بالتقدير، كما أن الأطفال أيضا يتأثرون بشكل كبير بالتجمعات العائلية، لأنها تمنحهم شعورا بالانتماء وتخلق لديهم ذكريات جماعية تبقى معهم لسنوات طويلة، إلى جانب تعزيز شعورهم بالأمان النفسي وتقوية علاقتهم بالأجداد والأقارب، ولذلك فمن المهم خلق طقوس عائلية ثابتة خلال الأعياد، مثل التجمع على مائدة واحدة، وتبادل الصور والذكريات، وتوزيع العيديات، وقضاء وقت حقيقي معا بعيدا عن الهواتف المحمولة، لأن هذه التفاصيل البسيطة تساعد على شحن الطاقة الإيجابية وتجديد المشاعر بين أفراد العائلة.
وتطرقت الي أن كثيرا من العائلات أصبحت تفضل السفر أو الانشغال بالمظاهر على حساب صلة الرحم، رغم أن الأهل ينتظرون هذه المناسبات لرؤية أبنائهم والجلوس معهم، مؤكدة على أن قضاء بعض الوقت مع الأسرة لا يقل أهمية عن الترفيه أو السفر، وفرصة مناسبة لإنهاء الخلافات العائلية وإعادة الصلة بين المتخاصمين، لأن بعض الأشخاص ينتظرون مبادرة بسيطة تعيد المياه إلى مجاريها، والتجمعات العائلية ليست رفاهية، بل احتياج نفسي عميق يمنح الإنسان شعورا بالأمان والاحتواء.
واختتمت حديثها مؤكدة على أن العائلة الممتدة تمثل شبكة حماية نفسية واجتماعية مهمة، تساعد على تخفيف الضغوط والشعور بالاغتراب، والتجمعات العائلية قادرة على ترميم النفوس وتجديد المشاعر الإيجابية، إذا قامت على الرحمة والاهتمام الحقيقي والتقدير المتبادل بين الجميع.