رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بعد 151 عامًا من عمرها وبميزانية 440 مليون جنيه.. الجمعية الجغرافية تروى تاريخ أرض مصر وحكايات تراث أهلها


12-7-2026 | 10:55

.

طباعة
جولة قامت بها: أمانى عبدالحميد

قرب واتفرج على حكاية «السفيرة عزيزة» داخل صندوق الدنيا، والتخت طروان، والهودج، والمحمل المزين بخيوط الذهب والفضة، وخرائط مصر ومنابع النيل والعالم، وقصة قناة السويس، وغيرها من حكايات أهل مصر. هناك، داخل قاعات عتيقة ذات أسقف شاهقة، لكل عادة من عادات المصريين أثر، ولكل تقليد من تقاليدهم الموروثة قطعة فريدة من نوعها، ولكل مكان داخل القطر المصرى وخارجه خريطة تكشف تضاريسه وملامح بيئته. إنه مبنى الجمعية الجغرافية المصرية التى تجاوز عمرها الـ151 عامًا، ويخضع لمشروع ترميم بميزانية بلغت 440 مليون جنيه، كى تعود إلى الحياة كمنارة علمية معرفية تحكى تاريخ شعب مصر. زيارة غير اعتيادية لمبنى تحكى كل تفاصيله وقاعاته ومقتنياته تاريخ مصر وأهلها، كان لابد منها قبل أن يغلق أبوابه. يوم حار لكنه مصيري، قضته مجلة «المصور» داخل مبنى الجمعية الجغرافية المصرية. إنه يوم تسليم المبنى المطل على شارع القصر العيني، تمهيدًا للبدء فى مشروع ضخم لترميمه وتطويره. وبميزانية تتخطى 440 مليون جنيه مصري، يخضع المبنى الأثرى ومقتنياته وفاتريناته وقاعاته وأسقفه الملونة الشاهقة لمشروع طال انتظاره من أجل الحفاظ على المكان وحمايته من عوامل الزمن.

 

فما هى حكاية المبنى العتيق ذى الواجهات الشامخة، الذى يقف متواريًا خلف الأسوار الحديدية دون أن يعلم عنه المارة شيئًا؟ يختبئ خلف الأشجار من جهة، بعيدًا عن بريق مبنى مجلس الشيوخ المتلألئ بقبته البيضاء البادية بقوة. الكل بدأ يتساءل بعد زيارة المهندس مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، والتجول داخله. إنه مبنى أول جمعية جغرافية علمية تأسست عام 1875 فى منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا، وثانى جمعية على مستوى العالم بعد الجمعية الفرنسية. إنها أول كيان علمى معنى بتسجيل وتوثيق تضاريس الأرض وتفاصيل المكان وملامح تراث أهلها. هي، كما يقولون عنها، «كنز يروى ملامح التراث»، وشاهد على تاريخ العلم والاستكشاف والمعرفة.

ومن أجل الحفاظ عليه، قامت الجمعية بتقديم طلب رسمى فى عام 2023 إلى مجلس الوزراء لتمويل مشروع تطوير وترميم شامل للمبنى وقاعاته ومقتنياته النادرة، بهدف تحويله إلى منارة معرفية وعلمية على المستوى العالمي. حيث أن المبنى مسجل كأثر يجب الحفاظ عليه، ويحوى قاعات تمثل أول متحف أنثروبولوجى مصري، كما يحتضن مكتبة تعتبر هى الأقدم ولا مثيل لها فى العالم.

وبالفعل، وافق مجلس الوزراء على تخصيص مبلغ 140 مليون جنيه على عامين (2026–2027) و(2027–2028). كما تمت الموافقة للجمعية على تقديم طلب الحصول على تمويل خارجى للمساهمة فى تنفيذ مشروع التطوير والترميم. وبالفعل، تواصلت الجمعية مع السلطان محمد القاسمى أمير الشارقة، الذى وافق على التمويل بمبلغ 300 مليون جنيه. وبذلك يصل إجمالى الميزانية إلى 440 مليون جنيه.

والمشروع الضخم يشمل عمليات ترميم إنشائى ومعمارى للمبنى، وترميم فنى للمقتنيات، مع تطوير أعمال الإضاءة والتهوية والتكييف والدفاع المدني، إلى جانب وضع سيناريو عرض متحفى جديد وإعادة استخدام الفراغات والقاعات داخل المبنى. والأهم أن المشروع سيشمل خطة لرقمنة مقتنيات الجمعية الجغرافية كاملة من كتب ومخطوطات ومطبوعات وخرائط، كى تصبح متاحة إلكترونيًا للاطلاع عليها بسهولة حول العالم.

ومن أجل إنجاز مهمة التسليم والتسلم للمبنى ومقتنياته، وجدنا الكل يعمل على مدار الساعة كأنهم خلية نحل. هنا لجنة جرد المقتنيات، وهنا لجنة أخرى للتسجيل والتوثيق، وهناك من يقوم بالتصوير ورصد المبنى من الداخل والخارج، من أجل التأكد من أن المكان ككل سيعود إلى أصله ولن تضيع منه تفصيلة أثرية خلال مراحل مشروع الترميم والتطوير.

وهناك قابلنا عددًا من الأثريين والباحثين وعلماء التاريخ والجغرافيا والأرشيف والتسجيل والتوثيق؛ لجان علمية متخصصة كل فى مجاله. حيث قابلتنا الأثرية رحاب سعيد، مدير آثار جنوب القاهرة ومنطقة القصر العيني، بابتسامة مليئة بالفخر مرددة بقولها: «إنه ليس مجرد مبنى أثري، لكنه مبنى يحكى تاريخ مصر بشكل إنسانى وتاريخي، عن عادات المصريين وتقاليدهم، حلى السيدات وطرق احتفالاتهم، طقوس السحر والرقيات من الحسد والعين، وتفاصيل الصناعات الشعبية عبر مختلف العصور». مؤكدة أن عملية تسليم المبنى الأثرى تمر بعدة مراحل قبل البدء فى مشروع التطوير والترميم؛ أولها هو توثيق المبنى من الداخل والخارج، ثم تغليف وحفظ القطع الأثرية ووضعها داخل مخزن مخصوص بمبنى الجمعية الجغرافية تحت إشراف لجنة علمية أثرية متخصصة، وذلك بعد توثيق جميع الفاترينات الأثرية فى حد ذاتها، والقاعات والحوائط والأعمدة الملكية، بهدف خضوعها للترميم وإرجاعها إلى الأصل الملكى الذى تم بناؤها عليه. حيث حملت أعمدة المبنى العلامة الملكية المصرية وهى عبارة عن هلال وثلاثة نجوم.

فى حين كشفت الأثرية يمنى صلاح، مدير آثار منطقة جنوب القاهرة، عن عظمة المكان بوصفه بالقصر الملكي، مشيرة إلى أنه يحتضن ألفى قطعة أثرية بعضها يرجع تاريخ أقدمها إلى العصر الفاطمى والبعض الآخر إلى القرنين 17 و18 ميلادى.

ورغم عظمة المبنى وجماله، إلا أنه يحوى أيضًا أول متحف إثنوغرافى تم تأسيسه منذ أكثر من 131 عامًا، حيث كان الإعلان الأول عن إقامة المتحف ضمن مؤتمر جغرافى دولى فى مدينة فينيسيا. ويضم عددًا من القاعات تأخذ الزائر فى رحلة فريدة للتعرف على مظاهر الحياة اليومية والعادات والتقاليد المصرية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، على حد وصف الأثرية «يمنى». لذا فإن مقتنيات المتحف الإثنوغرافى فريدة من نوعها ونادرة؛ كل قطعة وراءها قصة عن طريقة جمعها، استخدامها فى الحياة الشعبية، ارتباطها بحرفة أو صناعة أو حتى مناسبة مصرية، بدءًا من الارتباط الدينى مثل الحج والأعياد والمناسبات الاجتماعية وغيرها، وحتى الممارسات اليومية، والسحر، والبيع والشراء.

وبالرغم من وجود معارضة مجتمعية فى مصر آنذاك ضد عملية الجمع والتوثيق والتسجيل لتفاصيل العادات والتقاليد الشعبية، إلا أن هناك بعضًا من أفراد الأسرة الملكية قاموا بالجمع والتبرع بمقتنياتهم الخاصة التى تحكى عن حياة المصريين منذ العصر الفاطمى حتى وقت تأسيس المتحف. كما تكشف مقتنيات المتحف عن جهد عظيم بذله المصريون فى جمع تاريخ مصر والمنطقة المحيطة ودول حوض نهر النيل ومنابعه. لكن المتحف يبدأ من قاعة القاهرة والتى تعتبر شاهدًا على تطور مدينة القاهرة عبر الزمن من خلال الخرائط والصور والوثائق التاريخية النادرة، إلى جانب مجموعة من المقتنيات النادرة التى تجسد مشاهد ومظاهر مختلفة من الحياة الاجتماعية فى القاهرة، ومن أبرزها: محمل الكعبة المشرفة، التخت طروان، مجسمات للمهن والأزياء الرسمية والشعبية، بالإضافة لبعض المقتنيات المرتبطة بأدوات الزينة والجمال، والأدوات المنزلية وأدوات التدخين وحمال الحلاق، ومجموعة من أدوات الفنون مثل الأدوات الموسيقية وصندوق الدنيا ولوحات فنية مختلفة لهذه الأزمنة.

ثم تليها قاعة إفريقيا التى تكشف ثقافات شعوب القارة الإفريقية وتفاصيل حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم وتراثهم المتنوع من خلال مقتنيات مميزة وفريدة. كذلك يضم المتحف قاعة خاصة بالحرف والصناعات التقليدية المصرية التى شكلت جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع عبر العصور.

لكن تظل القاعة الملكية هى التحفة المعمارية الفريدة داخل المبنى، كونها تتميز بزخارفها الإسلامية وسقفها الشاهق المزين بزخارف ملونة بديعة، وأعمدتها التاريخية، لتأخذ الزائر فى رحلة إلى عصر الملوك والعلماء وسط واحدة من أجمل القاعات التراثية فى القاهرة. وتظل قاعة بانوراما قناة السويس من أهم القاعات التى تسجل وتوثق واحدة من أعظم المشروعات الهندسية فى التاريخ الحديث، حيث تضم لوحات فنية ومجسمات جغرافية وتماثيل الخديوى إسماعيل، وديلسبس، ومحمد على باشا.

وإن كان أندر وأثمن ما تمتلكه الجمعية الجغرافية هى ما يوجد داخل قاعات الخرائط التى تحوى أكثر من 13 ألف خريطة نادرة و600 أطلس توثق العالم عبر قرون من الاكتشافات والرحلات. علاوة على مكتبة الجمعية التى تحوى ما يزيد عن 30 ألف مجلد فى مختلف مجالات المعرفة والعلوم الجغرافية والتاريخية، علاوة على الطبعة الأولى من كتاب «وصف مصر».

كما تضم الجمعية لوحات زيتية فنية وصورًا فوتوغرافية تاريخية نادرة للرحالة والمستكشفين والشخصيات العلمية والسياسية التى أسهمت فى صناعة تاريخ مصر الحديث. وكأن الزائر دخل صندوق الدنيا الذى أخذه فى رحلة عبر قرون من التاريخ والمعرفة ليكتشف واحدًا من أهم كنوز مصر الثقافية والتاريخية.

لكن لماذا قامت مصر بتأسيس الجمعية الجغرافية منذ أكثر من 151 عامًا؟ تساؤل كانت إجابته تقوم على «الشغف»، على حد وصف الدكتور إسماعيل يوسف إسماعيل، أستاذ العمران ونظم المعلومات الجغرافية بكلية آداب جامعة المنوفية والأمين العام للجمعية الجغرافية، حيث أكد بقوله: «شغف أسرة محمد على بالعلم والمعرفة هو السبب الحقيقى وراء تأسيس الجمعية الجغرافية...»، مشيرًا إلى رغبة الخديوى إسماعيل فى بناء قاهرة أوروبية الطابع تحمل سحر الشرق قبيل افتتاح قناة السويس، لكن الأهم كان الرغبة فى ربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب على حد تعبيره. حيث أن الرحلة بدأت بتأسيس عدد من الكيانات المعنية بالتوثيق وتسجيل كل مقومات التاريخ المصرى وتفاصيل تراث أهله.

وكانت المهمة الأعظم هى التعرف على كل تضاريس أرضه وقارته التى تحتضنها كلها. لكن الدكتور «إسماعيل» عاد مؤكدًا بقوله أن «رغبة الدولة المصرية فى التعرف على تفاصيل الجوار الجغرافى من البحر الأحمر إلى دول حوض النيل كان دافعًا قويًا لتأسيس الجمعية الجغرافية...»، مشيرًا إلى أن بداية حكم الخديوى إسماعيل تزامنت مع بداية رحلات الكشوف الجغرافية لقارة إفريقيا بالكامل وحوض النيل والمناطق الصحراوية داخل الأراضى المصرية. ترأسها فى البداية عدد من المهندسين الأوروبيين خاصة الذين كانوا يعملون داخل المصالح العمومية فى ذلك الوقت المصرية، بالإضافة إلى أفراد الأسرة الملكية ومنهم الأمير عمر طوسون والأمير كمال الدين سلطان حسين والأمير يوسف كمال. وكان نتيجتها رسم أول خريطة كاملة لقارة إفريقيا. وهنا يوضح الدكتور «إسماعيل» أن خريطة إفريقيا تم استخدامها فى التوسع الأوروبى الاستعماري، وهى الخريطة التى تم طبعها لأول مرة بعد رسمها بـ58 عامًا خلال فترة حكم الملك أحمد فؤاد عام 1927، وذلك بعد مطابقة اشتراطات الاتحاد الجغرافى الدولى عام 1923 والتى شاركت فيه مصر، واعتماد خط «غرينتش» كخط طولى أول يقسم الكرة الأرضية إلى شرق وغرب ويحسب فروق التوقيت الزمني. حيث أن الجمعية الجغرافية المصرية تعتبر من المؤسسين للاتحاد الجغرافى الدولى فى عام 1923. ونظرًا للقوة السياسية الدولية لمصر، استضافت أرضها أول مؤتمر جغرافى دولى فى عام 1925 داخل القاعة الملكية للجمعية الجغرافية المصرية. ومن بعدها أمر الملك أحمد فؤاد بإصدار أول أطلس طوبوغرافى لمصر وتجميعه فى عام 1927، ثم طباعته عام 1928.

ومن أشهر المواقع التى تم استكشافها ورسمها فى الخرائط كانت منطقة العوينات التى تقع بين حدود مصر وليبيا والسودان، مرددًا بقوله: «لدينا إرث معرفى فيما يتعلق بالخرائط المساحية والأطالس الجغرافية، علاوة على عدد ضخم من الكتب التى تحوى بحوثًا علمية أمر بإجرائها الملك أحمد فؤاد، وهى حوالى 60 عنوانًا تقريبًا...»، مشيرًا إلى مشاركة عدد من شباب المصريين فى كتابة تلك البحوث بعد عودتهم من البعثات العلمية التى أرسلها محمد على إلى خارج مصر.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة