رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أشرف العشماوى يضبط إيقاع «السيمفونية الأخيرة»


12-7-2026 | 10:57

.

طباعة
تقرير: نورا محمد

عودنا الروائى أشرف العشماوى على تقديم أعمال روائية بديعة، توازن بحرفية شديدة بين حبكة التشويق وعمق الطرح، وهو المزيج الممتع الذى يتجلى بوضوح فى أحدث إصداراته «السيمفونية الأخيرة».

فى هذه الرواية، يتجاوز العشماوى حدود السرد التقليدى للحكايات العابرة، بل وظف الكاتب خياله ليمزجه بالوقائع والتواريخ الحقيقية بحرفية عالية، ليصنع نصًا سرديًا ثريًا تتداخل فيه الهواجس الذاتية مع المنعطفات التاريخية بانسجام تام.

احتلت روايات أشرف العشماوى مكانة هامة منذ بداية مسيرته فى الكتابة الروائية عام 2010 برواية «زمن الضباع»، فتُرجمت رواياته إلى إحدى عشرة لغة أجنبية مختلفة، وترشحت وفازت بالعديد من الجوائز الرفيعة الشأن محليًا وعربيًا وعالميًا، ففى عام 2012، وصلت روايته الثانية «تويا» إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية «بوكر»، فيما فازت روايته «البارمان» بجائزة أفضل رواية بمعرض القاهرة الدولى للكتاب عام 2014، وفازت روايته «كلاب الراعي» بجائزة أفضل رواية تاريخية من ملتقى مملكة البحرين الثقافى عام 2019، فيما فازت روايته «صالة أورفانيللي» بجائزة الرواية عام 2021 من معرض القاهرة الدولى للكتاب، وفازت رواية «الجمعية السرية للمواطنين» بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2023، فيما شهد العام الجارى فوز الأديب الكبير بجائزة الشيخ زايد للكتاب عن رواية «مواليد حديقة الحيوان».

وتُعد رواية «السيمفونية الأخيرة» هى أحدث روايات العشماوي، صدرت عن الدار المصرية اللبنانية، وهى رواية تنتمى إلى جنس الرواية النفسية، وهو الجنس الأدبى المعنى بدراسة أعماق العقل البشرى والعالم الداخلى للشخصيات. فـ«السيمفونية الأخيرة»، كما ورد فى النبذة التعريفية «blurb» لها، هى «رحلة تأملية جريئة إلى أعماق النفس البشرية تضع القارئ منذ المفتتح فى التجربة بكل تناقضاتها»، هذا إلى جانب أنها تقدم إطارًا تاريخيًا مهمًا يتناول فترة حكم الرئيسين الراحلين السادات ومبارك، فيمتد إطارها الزمنى من فترة الستينيات حتى عام 2015، فتتناول بالذكر أحداثًا تاريخية هامة فى تاريخ مصر كانتفاضة الخبز عام 1977، وحادث أديس أبابا عام 1995، وثورة يناير وما بعدها، فمن عالم المراسم الرئاسية، حيث وُظِّف سامى مهران فى بداية حياته وعمل شخصيًا مع الرئيسين السادات ومبارك، يسرد الكاتب عالمًا روائيًا بديعًا شديد الغموض على القارئ، يمزج فيه ببراعة بين الأحداث التاريخية والعالم الروائي، وبين الشخصيات الحقيقية والشخصيات المتخيلة.

تأتى بداية الرواية كدلالة أولية واضحة على موهبة الكاتب الإبداعية، حيث استطاع الموازنة ببراعة بين مهمتين متضادتين متنافستين هما المعرفة والتشويق، حيث تبدأ أحداث الرواية بفصل قصير عنون بـ«مقعد بمنتصف الصف الأول»، حيث ينقلنا الكاتب إلى مسرح قصر جارنييه للفنون بباريس عام 2015، حيث يعزف عازف كمان بارع، يَنْبَهر الحضور بعزفه ويتزاحمون على أبواب المسرح بعد نفاذ تذاكر الحفل، إلا أن هذا العازف يحمل سرًا يسبب له الندم والشعور بالذنب، سرًا يتعلق بشاب عشرينى يجلس فى منتصف الصف الأول فى المسرح محدقًا به، لا يبدو عليه الاهتمام بالعزف، وإنما حملت نظراته وابتسامته غير المكتملة توعدًا بلقاء، بدا واضحًا تخوف العازف منه.

من هذا الفصل التمهيدى، يعرف القارئ لمحة سريعة عن شخصية البطل الرئيس فى الرواية وهو سامى مهران، وعلى جنسيته المصرية وعلى إقامته بباريس، وتشوق القارئ فى الوقت ذاته لمعرفة الذنب الذى يحمله البطل على عاتقه، إلى جانب عدة تساؤلات: من هذا الشاب العشرينى؟ ولماذا يخافه البطل ويخشاه؟ وهل هو حقيقى أم شبح متخيل؟ فهنا تكمن الموازنة الدقيقة التى برع بها الكاتب كما ذكرنا أعلاه بين المعرفة والتشويق.

ومن هنا تبدأ رحلة القارئ مع التعرف على شخصية سامى، وإن شئنا الدقة أكثر لقلنا التعرف على مراحل الانحدار النفسى والسلوكى للشخصية، وما يمكن أن يمثله الحب كدافع، وما تمثله السلطة كأداة.

ومع تطور أحداث الرواية، تتضح شخصية سامى مهران كنموذج مميز للشخصيات الروائية المركبة متعددة الأبعاد، والتى تجمع بداخلها تناقضات وتتطور بتطور الأحداث، حيث يعايش القارئ طوال أحداث الرواية الصراع الداخلى لشخصية البطل وتمزقه بين رغباته وقيمه، وخاصة مع التزام الكاتب بتقنيات المفارقات الزمنية، والتى عمد إليها سريعًا بالاسترجاع الزمنى منذ الفصل الثانى للرواية بالعودة إلى عام 1962 لعرض أبعاد الشخصية منذ مرحلة الطفولة، ليشهد القارئ تطور هذه الشخصية بتطور مراحلها العمرية منذ البداية وحتى النهاية، موظفًا التبديل بين الراوى العليم والراوى المشارك لندرك سمات هذه الشخصية من الخارج إلى الداخل، فيتعرف القارئ على هذه الشخصية منذ البداية كطفل فقد والديه وعاش حياة رتيبة متشددة مع جدته التى تخشى عليه من كل ما حوله ومن حوله، ليشب وحيدًا لا أصدقاء له ولا علاقات تربطه بزملاء أو جيران، حتى الفتاة التى أحبها منعتها عنه جدته وزوجته بأخرى، وتعرض الرواية كيف أحب العزف على الكمان، والتحق بوظيفة تحقق له قدرًا ضئيلًا من الحرية فى ممارسة هوايته هذه، إلا أن النقطة الفارقة فى حياته تأتى بعد معرفته بزواج محبوبته ونقله إلى وظيفة أخرى ذات سلطة تكاد تكون غير محدودة، لتنتظم أحداث الرواية فى كشف كيف وُظفت سلطته هذه لتحقيق الأمل الذى رغب به دون غيره، فمن هنا تبدأ مرحلة جديدة فى حياة سامى مهران، تسبر فيها الرواية أغوار النفس الإنسانية لتكشف كيف يمكن للإنسان أن يبلغ أقصى درجات التردى الأخلاقى حتى يتلاشى أمامه الحد الفاصل بين الصواب والخطأ، ويفقد القدرة على التمييز بين الخير والشر.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة