«القرية المنتجة».. مبادرة حكومية جديدة تعكس توجها واضحا نحو إعادة صياغة دور الريف المصرى فى دعم الاقتصاد الوطني، من خلال تدشين عدد من المشروعات التى يتم اختيارها بعناية داخل كل قرية، وفقا لمعطيات الإنتاج وقدرة كل منطقة على توفير المواد الخام، هذا ما أكد عليه اجتماع 5 وزارات معنية شملت الزراعة والتنمية المحلية والبيئة والتضامن الاجتماعى، فضلا عن الصناعة والتخطيط، وذلك لبحث آليات تنفيذ المبادرة وتحويلها إلى نموذج متكامل للتنمية المستدامة، بما يتوافق مع سعى الدولة إلى الانتقال من النمط التقليدى للقرى كمناطق استهلاكية إلى كيانات إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية، من خلال تعظيم الاستفادة من الموارد المحلية، وربط الأنشطة الزراعية بالتصنيع، وفتح آفاق جديدة للاستثمار داخل الريف.
وشهدت المناقشات توافقًا على أن «القرية المنتجة» لم تعد مجرد مبادرة تنموية، بل تمثل أحد المسارات الاستراتيجية لإعادة توزيع فرص النمو جغرافيا، بما يخفف الضغط عن المدن، ويعزز من قدرة القرى على توفير فرص عمل مستدامة، خاصة للشباب والمرأة الريفية، بما يسهم فى تحسين مستويات المعيشة والحد من الهجرة الداخلية، وخلال الاجتماع تم استعراض محاور العمل المتكاملة للمبادرة، والتى تجمع بين التخطيط الاستراتيجى والتطوير الزراعى والتمكين الاجتماعي، والنهوض الصناعى على مستوى الوحدات المحلية والقروية، وركز الاجتماع على تنسيق الأدوار بين الوزارات المعنية، وتحديد الاختصاصات المنوطة بكل جهة لضمان عدم تداخل الاختصاصات، بالإضافة إلى بحث سبل الاستفادة من خبرات وقدرات القطاع الخاص باعتباره شريكاً أساسياً فى التنمية، فضلا عن آليات تقديم حوافز تشجيعية للمستثمرين لتوجيه استثماراتهم نحو الريف المصري، وتوفير الدعم الفنى واللوجستى اللازم لإنجاح المشروعات متناهية الصغر والصغيرة فى هذه القرى.
وفى هذا الإطار، أكد المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، أن مشروع القرى المنتجة يعتبر من أهم مبادرات استراتيجية الصناعة المصرية 2030 والتى تستهدف توفير فرص عمل لأبناء القرى والحد من الهجرة غير الشرعية أو الهجرة إلى المدن، ويرتكز على دور محورى للقطاع الخاص باعتباره الشريك الرئيسى فى إقامة وتشغيل المشروعات الصناعية داخل القرى، بما يسهم فى خلق فرص عمل مستدامة وتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية وتحقيق تنمية اقتصادية متوازنة بالمحافظات، ووزارة الصناعة ستقوم بالتنسيق مع اتحاد الصناعات المصرية لتحديد المستثمرين والكيانات الصناعية القادرة على المشاركة فى المشروع، مع العمل على مواءمة المشروعات الصناعية المقترحة مع المزايا النسبية والموارد المتوافرة فى كل قرية، بما يضمن توجيه الاستثمارات إلى الأنشطة الأكثر جدوى وقدرة على النجاح والاستمرار.
فيما أكد الدكتور جميل حلمي، مساعد وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية لشئون متابعة الخطة، حرص الوزارة على التنسيق والتكامل مع مختلف الوزارات والجهات، وتقديم الدعم للمبادرة من أجل تعزيز دور القرى فى عملية الإنتاج وتحقيق التنمية الاقتصادية، وتوفير فرص العمل الملائمة للقرى المختلفة، بما يخفض معدلات الهجرة الداخلية، ويتيح المزيد من فرص التصنيع الزراعي؛ حيث إن الوزارة ستوفر مختلف الإمكانات للتدريب؛ حيث أعدت برنامجاً تدريبياً بالتعاون مع مركز مصر لريادة الأعمال لتأهيل العمالة، كما أعدت مؤشر الميزة النسبية لاختيار القرى المؤهلة للمبادرة، فضلا عن حوافز أداء للقرى لإتاحة مناخ تنافسي، وكذلك تتيح الوزارة المخصصات المالية لنجاح المبادرة فى ضوء خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية ورؤية مصر 2030.
وتعليقا منه على المبادرة، قال الدكتور محمد إسماعيل خبير التنمية المستدامة، إن «القرية المنتجة» تمثل إحدى أهم المبادرات التنموية التى يمكن أن تعيد تشكيل الاقتصاد الريفى فى مصر، ونجاحها لا يرتبط فقط بتوفير التمويل، وإنما ببناء منظومة متكاملة تجمع بين الإنتاج والتصنيع والتسويق والتكنولوجيا، فالمرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم القرية المستهلكة إلى مفهوم القرية المنتجة والمصدرة، من خلال استثمار الموارد المحلية وتحويلها إلى قيمة اقتصادية حقيقية، بما يساهم فى توفير فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة، كما أن إنشاء «منصة القرية الذكية المنتجة» يمثل أحد الحلول المبتكرة التى تضمن الربط بين الموارد المتاحة داخل القرى، والأصول غير المستغلة، والأنشطة الإنتاجية والتصنيعية والتسويقية، بما يخلق نموذجاً اقتصادياً متكاملا قادرا على المنافسة.
وأشار إلى أهمية إنشاء بنك وطنى للأصول الريفية لحصر واستثمار الأراضى والمبانى والوحدات الإنتاجية غير المستغلة، وتحويلها إلى مراكز للإنتاج والتصنيع والتدريب، مؤكدا أن تعظيم الاستفادة من الأصول القائمة يمثل أحد مفاتيح نجاح المبادرة، كما أن منح كل قرية هوية اقتصادية متخصصة وفقاً لميزتها النسبية سيساهم فى تكوين تكتلات إنتاجية قوية، سواء فى مجالات الألبان أو الدواجن أو النباتات الطبية والعطرية أو الاستزراع السمكى أو غيرها من الأنشطة التى تتميز بها كل منطقة، بينما يساهم إنشاء مجمعات تصنيع ريفية ذكية فى تقليل الفاقد الزراعى وزيادة القيمة المضافة للمنتجات، بما يدعم القدرة التنافسية للمنتج المصرى فى الأسواق المحلية والخارجية.
ونوه «إسماعيل» إلى أهمية التحول الرقمى من خلال إطلاق منصة قومية للتسويق الإلكترونى تحت شعار «من المنتج إلى المستهلك»، بما يتيح للأسر المنتجة والمشروعات الصغيرة الوصول المباشر إلى الأسواق وتقليل دور الوسطاء، مع ضرورة إنشاء «بنك الخبرة الريفية» للاستفادة من خبرات الجامعات ومراكز البحوث والمتخصصين، وتحويل المعرفة العلمية إلى قوة إنتاجية تسهم فى دعم الأسر المنتجة والشباب ورواد الأعمال، وتعد فكرة «التوأم الرقمى للقرية المنتجة» من أكثر الأفكار ابتكارا؛ حيث تعتمد على الذكاء الاصطناعى ونظم المعلومات الجغرافية لرسم خريطة دقيقة للموارد وفرص الاستثمار ومتابعة الإنتاج والأسواق المستهدفة بصورة لحظية، فالوقت قد حان لإطلاق برنامج قومى تحت شعار «من القرية المستهلكة إلى القرية المصدرة»، ومصر تمتلك المقومات التى تؤهلها لتقديم نموذج تنموى رائد يمكن أن يحتذى به إقليمياً ودولياً.
من جانبه أوضح محمد البهي، عضو اتحاد الصناعات، أن مبادرة «القرية المنتجة» التى أطلقتها الحكومة، تمثل خطوة استراتيجية مهمة نحو تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، ودلالة على رؤية الدولة المصرية فى تحويل الريف من مجتمع يعتمد على الاستهلاك إلى مجتمع منتج وقادر على المنافسة والتصدير، فالمبادرة تعمل على استثمار المزايا النسبية التى تتمتع بها القرى المصرية، من خلال دعم الأنشطة الإنتاجية والحرفية والزراعية والصناعات الصغيرة، بما ينعكس بشكل مباشر على زيادة دخول الأسر الريفية وتحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص عمل حقيقية للشباب والمرأة، وتكامل جهود الوزارات الخمس المشاركة فى تنفيذ المبادرة يعكس حرص الدولة على تحقيق أقصى استفادة من الموارد والإمكانات المتاحة، وضمان تنفيذ مشروعات تنموية متكاملة تحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا مستدامًا للمواطنين، والانتقال بالريف المصرى إلى مرحلة الإنتاج والتصدير يدعم الاقتصاد الوطني، ويساهم فى زيادة الصادرات وتعزيز القيمة المضافة للمنتجات المحلية، بالإضافة إلى الحد من معدلات البطالة والهجرة الداخلية، فالمبادرة تمثل نموذجا عمليا للجمهورية الجديدة التى تضع التنمية الاقتصادية وتمكين المواطنين فى صدارة أولوياتها، فنجاح المبادرة يعزز من مكانة الريف المصرى كشريك رئيسى فى عملية التنمية الوطنية الشاملة.
فيما كشف سامى نصير، عضو غرفة الصناعات الغذائية، عن أهمية إطلاق الحكومة لنموذج القرية المنتجة، مؤكدا أنها تأتى ضمن المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، وهى خطوة استراتيجية لتعزيز التنمية الاقتصادية فى القرى المصرية وتحقيق التنمية الشاملة فى الريف، والمشروع سيُحدث تحولًا إيجابيًا من خلال إنشاء مصانع صغيرة داخل القرى، ما يسهم فى توفير فرص عمل محلية وتقليل معدلات الهجرة الداخلية إلى المدن الكبرى، مع التركيز فى المرحلة الأولى على الصناعات الغذائية وصناعات الغزل والنسيج، بما يتوافق مع الميزة النسبية لكل قرية.
وأضاف أن المشروع يعكس أهمية التكامل بين القطاع الزراعى والصناعي، فالتعاون بين اتحاد الصناعات والحكومة سيدعم إدماج المشروعات فى سلاسل الإنتاج، مما يعزز فرص تسويق المنتجات وربطها بالمصانع والأسواق، ويحقق قيمة مضافة للاقتصاد المحلي، والتجربة فى قريتين ستوفر نموذجا واضحا لتقييم المشروع قبل التوسع فيه على مستوى باقى القرى المصرية، مطالبا بضرورة دعم الدولة لهذه المبادرات لضمان التنمية المستدامة وتحسين مستوى المعيشة لسكان الريف.