رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

السياحة العلاجية فى مصر.. تنتظر «فك الشفرة»


12-7-2026 | 10:43

.

طباعة
تحقيق : صابر العربى

بينما تتسابق دول العالم للتفتيش عن موارد غير تقليدية لإنعاش اقتصاداتها تجلس مصر فوق كنز استراتيجى لا ينضب؛ معادلة فريدة تمزج بين كفاءة الكوادر الطبية وسحر الطبيعة الجغرافية؛ فلم تعد «السياحة العلاجية» مجرد نمط سياحى ترفيهى، بل تحولت إلى ركيزة أساسية للأمن الاقتصادى والطبى فى آن واحد، وبطموح يتجاوز التقليد تستهدف الحكومة المصرية وضع البلاد بقوة على خريطة الاستشفاء العالمية عبر خطة طموحة لجذب 200 ألف زائر سنويا وعائدات مستهدفة تقدر بنحو 1.2 مليار دولار، هذه الأرقام ليست مجرد أمنيات بل تستند إلى مقومات واقعية ومواقع استشفاء فريدة تمتلكها مصر حصريا.

ولتفكيك الشفرة وتحويل هذا المستهدف إلى واقع ملموس تبنت الدولة حزمة من الإجراءات التنفيذية الصارمة، يأتى فى مقدمتها: تأشيرات علاجية ميسرة من خلال استحداث تأشيرات خاصة لتسهيل دخول المرضى ومرافقيهم دون تعقيدات بيروقراطية، مع تصميم برامج سياحية وعلاجية مرنة تستهدف الأسواق الإقليمية والدولية وتنافس الوجهات العالمية، ولا تقتصر الخطة على غرف العمليات، بل تمتد لتسويق «العيون الكبريتية والرمال السوداء والمناخ العلاجي» الذى تتميز به محافظات مصر بالتوازى مع رفع كفاءة الأطقم الطبية وتطوير المنشآت الصحية لتواكب المعايير العالمية.

فى هذا التحقيق نفتح ملف «السياحة العلاجية فى مصر»: أين نقف الآن من حلم الـ1.2 مليار دولار؟ وما التحديات التى تواجه المنظومة على أرض الواقع؟ وكيف يرى الخبراء والمستثمرون خطة الترويج القادمة؟

فى هذا السياق أكد الدكتور أحمد السبكى، رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية، أن مصر تشهد طفرة حقيقية فى قطاع السياحة العلاجية، حيث نجحت الهيئة فى تحقيق إيرادات بلغت نحو 8 ملايين دولار، فضلًا عن تقديم خدمات طبية وعلاجية لما يقرب من 35 ألف سائح علاجى من 124 دولة، وهو ما يعكس تنوع الأسواق المستهدفة واتساع الحضور الدولى لخدمات الرعاية الصحية المصرية، وتستهدف رؤية الهيئة ترسيخ مكانة مصر كوجهة عالمية موثوقة للسياحة العلاجية تحت مظلة العلامة التجارية «نرعاك فى مصر – In Egypt We Care»، وذلك من خلال تبنى نموذج استباقى لجذب المرضى الدوليين وتطوير باقات وخدمات علاجية تتوافق مع أعلى المعايير العالمية، إلى جانب بناء منظومة رقمية ذكية ومتكاملة لإدارة رحلة المريض الدولى، بما يضمن تقديم تجربة علاجية متكاملة ترتقى إلى المعايير الدولية.

بدوره، قال الدكتور عاطف عبداللطيف، نائب رئيس جمعية مستثمرى مرسى علم وعضو مستثمرى جنوب سيناء: إن السياحة العلاجية والاستشفائية تمثل رافدًا أساسيًا من روافد الدخل القومى إذا ما تم استثمارها بالشكل الأمثل، ومصر تضم 1300 موقع تصلح لإقامة مشروعات للسياحة العلاجية، لما تتميز به مصر من جو مناسب ومياه كبريتية وأعشاب طبية ورمال ساخنة ومدن مؤهلة للسياحة العلاجية مثل سانت كاترين وواحة سيوة على سبيل المثال، والسياحة العلاجية تُعد من أسرع الأنماط السياحية نموًا على مستوى العالم، حيث تجمع بين الخدمات الطبية والعلاجية من جهة، والاستمتاع بالمقومات السياحية والترفيهية من جهة أخرى، وتمتلك مصر العديد من المقومات الطبيعية والطبية التى تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا ودوليًا للسياحة العلاجية، إلا أن هذا القطاع لا يزال بحاجة إلى مزيد من التطوير والتنسيق لتحقيق الاستفادة القصوى منه.

وأوضح نائب رئيس جمعية مستثمرى مرسى علم، أنه طبقا للإحصائيات المتاحة، بلغت قيمة سوق السياحة الطبية العالمية 38.2 مليار دولار فى عام 2025، ومن المتوقع أن تنمو من 46.78 مليار دولار فى عام 2026 إلى 250.02 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوى مركب قدره 23.31 فى المائة خلال الفترة المتوقعة، وسيطرت أوروبا على سوق السياحة العلاجية بحصة سوقية بلغت 36.51 فى المائة خلال عام 2025، مقدمًا تصورًا حول التحديات التى تواجه السياحة العلاجية وما هو المطلوب من الحكومة للنهوض بهذا القطاع الحيوى المهم؛ فنجاح السياحة العلاجية يتطلب تعاونًا وثيقًا بين وزارات السياحة والصحة والطيران والاستثمار مع القطاع الخاص من فنادق ومنتجعات ومراكز علاجية وبيئية، وهو ما يحتاج إلى مزيد من التكامل.

ودعا نائب رئيس جمعية مستثمرى مرسى علم إلى ضرورة الحصول على الاعتمادات الدولية من الجهات المعتمدة عالميا لتعزيز ثقة المرضى الأجانب والتأكيد على المعايير الدولية التى تطبق فى السياحة العلاجية والاستشفائية فى مصر، بخلاف سهولة منح التسهيلات فى إجراءات التأشيرات والخدمات المرتبطة بالسائح العلاجى وضرورة مواكبة المنافسة الإقليمية والدولية، مطالبا بتعزيز التسويق الدولى من خلال إطلاق حملات ترويجية تستهدف الأسواق العربية والإفريقية والأوروبية، مع إبراز المزايا التنافسية لمصر وكذلك التوسع فى الاعتمادات الدولية وتشجيع المستشفيات والمراكز العلاجية على الحصول على شهادات الجودة والاعتماد العالمية مع تطوير البنية التحتية والخدمات المساندة وتحسين وسائل النقل، وتوفير مترجمين وخدمات متابعة للمرضى قبل وبعد العلاج، فضلا عن تشجيع الاستثمار وتقديم حوافز للمستثمرين لإنشاء مستشفيات ومراكز علاجية ومنتجعات استشفائية متخصصة وإنشاء منصة إلكترونية موحدة تعرض الخدمات العلاجية والأسعار وبرامج الإقامة والحجز الإلكترونى.

وفى ذات السياق، قال عمرو صدقى، الخبير السياحى والأمين العام للمجلس الوطنى للسياحة العلاجية: إن المجلس يعتزم خلال الأيام القليلة المقبلة إطلاق المنصة الرقمية الرسمية والحصرية للسياحة العلاجية فى مصر، والتى ستوفر خدمات التعريف بالمقاصد العلاجية والحصول على المعلومات وتنظيم الرحلات والبرامج العلاجية ومتابعة المرضى، بما يسهم فى تقديم تجربة متكاملة للزائرين وتعزيز تنافسية مصر فى هذا القطاع الواعد، وستتيح المنصة للمريض من خارج مصر الاطلاع على مختلف الخدمات الطبية والعلاجية المتاحة وهو فى بلده، بما يشمل التعرف على المستشفيات والتخصصات الطبية والخدمات المقدمة والتكلفة التقديرية للعلاج، فضلًا عن إتمام إجراءات طلب التأشيرة إلكترونيا، وبعد استكمال الإجراءات والحصول على الموافقات اللازمة تُحدد مواعيد العلاج واستقبال المريض ومرافقيه فى المطار، مع توفير برامج متكاملة لمتابعة رحلة العلاج وحتى العودة إلى بلده، بالإضافة إلى خدمات المتابعة اللاحقة بعد انتهاء البرنامج العلاجى.

وأكد «صدقى» أن الهدف الأساسى من المنصة هو استقطاب السائحين القادمين بغرض العلاج وخلق نمط جديد من أنماط السياحة الوافدة إلى مصر بما يسهم فى زيادة الإيرادات وتعزيز مكانة مصر كمقصد إقليمى للسياحة العلاجية، بخلاف أن المنصة ستساعد الدولة والمستثمرين على تكوين صورة دقيقة عن حجم النشاط وفرص النمو المتاحة، بما يدعم اتخاذ القرارات الاستثمارية ويعزز الاستفادة من المقومات التى تمتلكها مصر فى مجال السياحة الصحية، كما سيدعم هذا المشروع المستشفيات الحكومية والخاصة من خلال زيادة التدفقات المالية الناتجة عن استقبال المرضى الأجانب، وهو ما يمنح المؤسسات الصحية فرصًا أكبر لتطوير البنية التحتية.

كما عقب محمد فاروق، رئيس لجنة السياحة الإلكترونية، بأن كلمة السر فى السياحة العلاجية هى شركات التأمين كونها هى التى تغطى تكلفة السفر للمرضى للانتقال من بلادهم للعلاج فى دولة أخرى، وهو ما نستهدفه حاليا من خلال تواجد مستشفيات على مستوى عالٍ من الكفاءة وأطباء أيضًا على مستوى عال،ٍ، ليستفيد القطاع من السياحة العلاجية وذلك من خلال طول مدة إقامة سائح السياحة العلاجية، وتتراوح مدة إقامة السائح أو «المريض» ما بين 7 إلى 14 يومًا، فضلًا عن أن السائح لا يأتى بمفرده بل يأتى معه أفراد أسرته ويقيمون فى فنادق ومزارات، والسائح المتخصص مثل سائح السياحة العلاجية وسياحة المؤتمرات يسمى سائحًا عالى الإنفاق، والسائح المتخصص الواحد فى السياحة العلاجية ينفق ما يوازى إنفاق 20 سائحا من السياحة الترفيهية والشاطئية.

على الجانب التنفيذى، أصدرت لجنة الشئون الصحية بمجلس النواب، خلال اجتماعها الأخير بحضور الدكتور خالد عبدالغفار وزير الصحة، والسكان حزمة من التوصيات العاجلة والمتكاملة لتطوير ملف السياحة العلاجية والاستشفائية فى مصر، وأوصت بإعداد قانون متكامل للسياحة العلاجية والاستشفائية يحدد الاختصاصات وينظم العلاقة بين الجهات المعنية ويضع معايير الجودة والاعتماد، وتفعيل عمل المجلس الوطنى للسياحة الصحية من خلال كونه ذا طبيعة تنسيقية بين وزارات الصحة والسياحة والطيران والخارجية والاستثمار.

كما أوصت بوضع إطار تشريعى لاعتماد المنشآت الطبية المؤهلة لاستقبال المرضى الوافدين وفقًا للمعايير الدولية، واستحداث نظام تأشيرة علاجية سريعة ومبسطة للمرضى ومرافقيهم مع إمكانية التقديم الإلكترونى والربط المباشر بالمستشفيات المعتمدة، وأيضًا منح حوافز استثمارية وضريبية للمشروعات المرتبطة بالسياحة العلاجية والاستشفائية خاصة فى المناطق الواعدة، وسرعة إطلاق المنصة الرسمية وطنية موحدة بعدة لغات تضم جميع الخدمات العلاجية والاستشفائية المعتمدة فى مصر وأسعارها التنافسية وآليات الحجز والمتابعة.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة