رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«مخازن الطاقة العملاقة».. «صمام الأمان»


12-7-2026 | 10:49

.

طباعة
تقرير: رانيا سالم

 لم يعد الحديث عن أنظمة تخزين الطاقة والبطاريات العملاقة مجرد رفاهية تكنولوجية أو ترفا هندسيا، بل تحولت هذه التقنيات إلى «صمام أمان» حتمى لضبط استقرار الشبكة الكهربائية القومية ومواجهة تحديات ذروة الأحمال، فضلا عن رفع كفاءة استيعاب الطاقات النظيفة المتدفقة من الشمس والرياح، ومع تسارع خطى الدولة المصرية نحو المستقبل، لم يعد التوسع فى حلول التخزين مجرد خطة مؤجلة، بل واقع تترجمه اتفاقيات كبرى تنفذ بالفعل فى قلعتى الطاقة «بنبان» و«الزعفرانة»، باعتبارها خطوة استباقية تأتى تزامنا مع مستهدفات مصر الطموحة للوصول بنسبة الطاقات المتجددة إلى 42 فى المائة بحلول عام 2030، و 60 فى المائة بحلول عام 2040، والسؤال الآن كيف تستعد مصر لإدارة ثروتها الخضراء وتأمين شبكتها القومية عبر «مخازن الطاقة»؟

فى هذا السياق، أكد الدكتور المهندس محمد حلمى هلال، رئيس جمعية مهندسى كفاءة استهلاك وترشيد الطاقة والخبير الدولى فى الطاقات المتجددة، أن أنظمة التخزين الكهربائى أو البطاريات العملاقة هى بمثابة مخازن استراتيجية للطاقة داخل الشبكة، ففى أوقات انخفاض الأحمال أو عند تدفق فائض الإنتاج من محطات الشمس والرياح، تبدأ عملية شحن البطاريات أو تشغيل محطات الضخ والتخزين، وحينما يحل وقت الذروة أو يتراجع الإنتاج النظيف، تتدخل هذه الأنظمة لضخ الطاقة مجددا فى شريان الشبكة بسرعة فائقة لا تتعدى أجزاء من الثانية فى حالة البطاريات.

وأشار «هلال» إلى تحول اقتصادى عالمى يصب فى مصلحة هذه التقنيات، فتكلفة بطاريات التخزين شهدت انخفاضا حادا عالميا وتكلفة محطات البطاريات الضخمة، باتت تقدر اليوم بنحو 125 إلى 250 دولارًا لكل كيلووات فى الساعة، وهى تكلفة محكومة بعدة متغيرات مثل: «مدة التخزين وبلد التنفيذ، وأنظمة الحماية والمحولات، وقيمة الأرض والربط بالشبكة وآليات التمويل»، كما أن المقارنة الاقتصاديّة والزمنية بين الخيارات المتاحة تعكس تباينا واضحا فى حجم الاستثمار وفترة التشغيل، فبينما تمثل البطاريات حلولا مرنة وسريعة تأتى محطات «الضخ والتخزين» كاستثمار أضخم وأطول عمرا، وتوجب هذه الفروق قراءة دقيقة للأرقام والمشروعات المطروحة.

وكشف المهندس هلال عن أن العمر الافتراضى لبطاريات التخزين يتراوح غالباً بين 15 - 20 عاماً، وقد يكون أقل أو أكثر حسب عدد دورات الشحن والتفريغ ودرجة الحرارة ونظام الإدارة الحرارية، فالدراسات الفنية مثل NREL تشير إلى أن استخدام 15 عاماً كافتراض محافظ لمحطات الليثيوم الكبيرة، أما محطات الضخ والتخزين فقد تعمل 40 إلى 60 عاماً مع صيانة جيدة، مبينا أن العائد الاقتصادى لا يأتى من بيع الكهرباء فقط بل من خدمات متعددة كخفض أحمال الذروة، وتقليل تشغيل محطات الغاز الأعلى تكلفة، وتحسين استقرار التردد والجهد، وتقليل فصل الطاقة المتجددة، وتأجيل استثمارات الشبكات الكهربائية، وتحسين أمن الإمداد، لذلك قد تغطى التكلفة عندما تُحسب كجزء من منظومة الشبكة وليس كمعدة منفردة.

ونوه الدكتور «هلال» إلى أن التوسع فى الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يتزامن مع نمو الاهتمام بأنظمة تخزين الطاقة والبطاريات على المستوى العالمي، فهذان المصدران يمثلان طاقة نظيفة إلا أن طبيعتهما المتغيرة تفرض الحاجة إلى حلول تخزين فعالة تضمن استقرار الإمدادات الكهربائية، كما أن الطلب المتزايد على الكهرباء مدفوعاً بالتوسع فى مراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعى والسيارات الكهربائية عزز من أهمية أنظمة التخزين، حيث كشفت وكالة الطاقة الدولية عن نمو قدرات تخزين البطاريات بأكثر من 20 ضعفاً خلال السنوات الخمس الماضية ما جعلها عنصراً أساسياً فى تعزيز مرونة الشبكات الكهربائية.

وفيما يتعلق باحتياجات مصر من أنظمة التخزين والبطاريات، أوضح أن تحديد الاحتياجات الفعلية لا يمكن أن يستند إلى أرقام تقديرية عشوائية بل يتطلب دراسة دقيقة لأحمال الشبكة الكهربائية على مدار الساعة، وتشير التقديرات الأولية إلى أنه مع استهداف وصول نسبة الطاقة المتجددة إلى 42 فى المائة من إجمالى مزيج الطاقة بحلول عام 2030 فإن مصر ستحتاج تدريجياً إلى قدرات تخزين تتراوح بين 5 و10 جيجاوات، وبسعات تخزينية قد تصل إلى ما بين 20 و40 جيجاوات/ساعة كمرحلة أولى، إلى جانب الاعتماد على مشروعات التخزين المائى ومحطات الذروة، بما يضمن دمجاً آمناً وفعالاً للطاقة المتجددة دون تعريض الشبكة الكهربائية لمخاطر تشغيلية.

وأكد «هلال» أن مستقبل التخزين فى مصر واعد جدا لأن مصر لديها شمس قوية ورياح ممتازة وأراضٍ واسعة وموقع يسمح بالربط الإقليمي، والأهم أن التخزين سيحول الطاقة المتجددة من مصدر متقطع إلى مصدر يمكن الاعتماد عليه فى أوقات الذروة، مضيفا أن التوسع فى إنشاء محطات التخزين قد يرفع التكلفة الاستثمارية للمشروعات فى مراحلها الأولى، إلا أنه ينعكس إيجابا على خفض تكلفة تشغيل المنظومة الكهربائية على المدى المتوسط، من خلال تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وخفض الاحتياطى الدوار والحد من الأعطال والانقطاعات، فضلا عن تعظيم الاستفادة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بدلا من اقتصار إنتاجهما على ساعات النهار والاعتماد على محطات الغاز لتلبية الطلب خلال فترات المساء، والشبكة المصرية قوية من حيث القدرات المركبة وخطوط النقل الرئيسية، لكنها تحتاج إلى تطوير نوعى لاستيعاب التخزين، هذا التطوير يشمل مراكز تحكم رقمية وتنبؤ دقيق بإنتاج الشمس والرياح، وقواعد سوق لخدمات التخزين وعدادات ذكية، وأنظمة حماية متقدمة على أن يتم ربط التخزين بمحطات المحولات والأحمال الصناعية الكبرى.

ولفت إلى أن هناك عددا جيدا من مشروعات التخزين فى مصر كمشروع «Abydos» أبيدوسوهى محطة شمسية 500 ميجاوات مع بطارية 300 ميجاوات ساعة، ومشروع «Abydos/Benban» أبيدوس/ بنبان الجديد بقدرة 1000 ميجاوات شمسية مع 600 ميجاوات ساعة تخزين، ومشروع «Obelisk» أبوليسك بنجع حمادى التابع لشركة سكاتيك النرويجية بقدرة 1.1 جيجاوات شمسية مع 100 ميجاوات/200 ميجاوات ساعة بطاريات، إضافة إلى اتفاقيات أحدث لمشروعات شمسية مع تخزين يصل إلى عدة جيجاوات/ ساعة، كما أن مصر تمتلك فرصة حقيقية لتوطين صناعة البطاريات، وليس بالضرورة أن تبدأ بتصنيع الخلايا فورا بل من تجميع الحاويات، وأنظمة إدارة البطاريات BMS، والمحولات وأنظمة الحماية، والكابلات، والهياكل المعدنية والتبريد والاختبارات، ثم التدرج إلى تصنيع أجزاء أعمق، كما أن الاتفاقيات الأخيرة تضمنت مشروع مصنع لشركة Sungrow فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لتصنيع بطاريات تخزين الطاقة.

من جانبه أوضح الدكتور المهندس ماجد كرم الدين، المدير الفنى للمركز الإقليمى للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة واستشارى الطاقات الجديدة والمتجددة.

أن بطاريات الليثيوم تعد من أكثر تقنيات التخزين تطورا من حيث العمر الافتراضي؛ إذ يمكنها العمل لسنوات طويلة شريطة الالتزام بالمعايير التشغيلية المحددة وعلى رأسها عدد مرات الشحن والتفريغ ودورات التشغيل، وهى عوامل تؤثر بشكل مباشر على كفاءة البطارية وعمرها التشغيلي، كما أن التطور المتسارع فى تكنولوجيا البطاريات أسهم بصورة كبيرة فى دعم انتشار السيارات الكهربائية من خلال زيادة مدى التشغيل بين كل عملية شحن وأخرى، إلى جانب تقليص الزمن اللازم لإعادة الشحن، والعالم يشهد حاليا سباقا متسارعا لامتلاك تقنيات البطاريات والتوسع فى مشروعات التخزين باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتحقيق استقلالية واستقرار شبكات الكهرباء.

وأكد أن البطاريات لا تقتصر أهميتها على دعم مصادر الطاقة المتجددة، بل تسهم أيضا فى تعزيز كفاءة المحطات التقليدية التى تحتاج إلى وقت أطول لبدء التشغيل، حيث توفر أنظمة التخزين استجابة أسرع لتوليد القدرات الكهربائية المطلوبة، بما يدعم استقرار الشبكة الكهربائية، ويسهم فى تنظيم التردد وتحسين جودة الطاقة والحفاظ على مستويات الجهد، والشبكة الكهربائية المصرية تمتلك الجاهزية اللازمة لاستيعاب أنظمة التخزين.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة