حينما هلّ على مكتب جريدة الوطن رجل يقترب من الخمسين، استقبلته حفاوة محمد جبريل.. كان الأستاذ يوسف الشارونى فى مسقط، وعلمت أنه فى زيارة عمل لإنجاز مشروع جمع وتصنيف التراث العمانى، وهو مشروع ممتد، قدمنى له «جبريل»: زينب العسال زوجتى.
وفى طريقنا إلى البيت، قال جبريل: يوسف الشارونى لا يقل موهبة عن يوسف إدريس.
قلت: ولماذا لم ينل شهرة يوسف إدريس؟
قال: لأن إدريس، رغم تغييره لمفهوم القصة القصيرة، ظل يستمد من المجتمع، خاصة الريف، بينما اتجه الشارونى إلى التجريب، وقد صدرت مجموعة أرخص ليالى والعشاق الخمسة فى شهر واحد.
يوسف الشارونى دارس للفلسفة، قارئ للآداب العالمية بالإنجليزية، يمتلك قدرة على بناء قصص تعبيرية رمزية، تحتاج من قارئها إلى التحليل.
تقابلت معه للمرة الثانية فى معرض الكتاب، حين كان فى أرض المعارض، رجل أنيق ومنفصل عن الضوضاء، يقف يتصفح أحد الكتب، قطعنا عليه خلوته:
– أستاذ يوسف، متى عدت من السلطنة؟
– منذ ثلاثة أشهر.. ثم أردف: أريد أن أراك يا محمد
تبادلنا أرقام الهواتف، حين لم نكن نعرف شيئا اسمه المحمول
يوسف الشارونى هو ابن قرية شارونة، وُلد فى 14 أكتوبر 1924، لأسرة ينتمى عائلها إلى رجال الدين، حصل على ليسانس الآداب، قسم الفلسفة، جامعة القاهرة عام 1945، وهو الشقيق الأكبر ليعقوب الشارونى، كاتب الأطفال الشهير، والفنان والناقد التشكيلى د.صبحى الشارونى.
انتوينا زيارته، كان خط مترو الأنفاق الأول يمر قريبا من بيته، وكانت تجربة جميلة، وصلنا إلى شقته فى الدور الثالث، بلا مصعد، والدور يساوى دورين... استقبلتنا السيدة نرجس، زوجته، ولفتت نظرى أناقتها المحتشمة، شعرها مموج بين الأبيض والأسود، وفستان أنيق من «كريستيان ديور»، كانت بشوشة، تتحدث معى كأنها تعرفنى منذ زمن، فذاب فارق السن وشعرت بأمومتها.
حكى لنا الشارونى عن مشروعه فى عُمان، وتنوعه التراثى والثقافى، كانت الزيارة فى يناير، والجو بارد، شربنا قرفة باللبن والمكسرات، ونسكافيه مع شوكولاتة وبسكويت مستورد، علمنا أن ابنه الوحيد فى زيارة لمصر، وقال إنه سيسافر فى الصيف.
سأله محمد جبريل: أين المكتبة؟
انتقلنا إلى غرفة واسعة، ربما كانت أكبر غرف الشقة، تعلو أرففها حتى السقف، كنا نتفحص العناوين، وهو يجيب عما يخطر لنا، قال ضاحكا: أنا لا أعير ولا أستعير.
كانت أمسية جميلة، وتعددت اللقاءات، زارنا فى البيت حين أجرى جبريل عمليته الأولى فى فقرات العمود الفقري، وكان معه الروائى فؤاد قنديل، والمبدع الليبى أحمد إبراهيم الفقيه، لمعت الدموع فى عينيه، وقال لى: كيف تسمحين للكتب أن تتسلل إلى الشقة كلها؟
حاولوا الابتعاد عن الحديث فى المرض، ولم نكن نعلم بعد بفشل العملية.
حضرت له ندوة فى نادى القصة، وشاركت فى المناقشة كواحدة من الجمهور، وبعدها كان معى مجموعتان ورواية للمناقشة.
وفى يوم اتصل بى قائلا: نريدك أن تنضمى إلى مجلس إدارة النادى، لم أكن قد خضت تجربة الانتخابات من قبل شجعنى بأسماء الأصدقاء: وفية خيرى، سعاد شلش، نهاد جاد.
رفضت فى البداية، لكن بعد يومين زارنا عبدالرحمن شلش لإقناعى، وخضت التجربة رغم خوفى من الفشل، كان الجميع يبارك لى قبل إعلان النتيجة، ونجحت وكنت الأولى، وأول من هنأنى كان الأستاذ يوسف الشارونى، ثم أهدتنى السيدة نرجس عروسة من الخزف.
أُسند إلى النشاط الثقافى، وكان الشارونى داعما لى، هو والأستاذ عبدالعال الحمامصى، وقد تعلمت منه كيف تُدار المناقشات، وكيف أقنع الآخرين دون تعصب لرأيى.
جمع «الشارونى» بين الثقافة الغربية وحبه للتراث العربى.. ومن كتبه: القصة والخيال العلمى فى الأدب العربى، وعجائب الهند فى قصص الملاحة العربية، كما عمل مستشارا ثقافيا فى سلطنة عمان من 1983 إلى 1990، ضمن مشروعه الرائد فى جمع التراث.
عند التحاقى بمعهد الفنون الشعبية، أفدت كثيرا من خبرته، خاصة فى جمع التراث والتمييز بين الحقيقى والزائف، وأهدانى بعض مقالاته عن ألف ليلة وليلة، كما أجريت معه حوارا مطولا أثناء إعدادى لرسالة الماجستير عن تفاعل الأنواع فى أدب لطيفة الزيات، حيث علمت أنه كان زميلا قريبا منها، ومن الطلبة الذين تظاهروا ضد الاستعمار والملك، كما ساعدتنى السيدة نرجس فى تنقيح بعض الترجمات.
صرنا كأننا أسرة، كان لنا طقس ثابت: سهرة أول يوم فى رمضان فى بيته، ثم حين تعذر ذلك، اقترح أن نلتقى فى كافتيريا «كوستا» بسور نادى الزمالك، مرة كل أسبوعين، ورغم بُعد المسافة، كنا نحرص على اللقاء.
تكونت «اللمة» من الشارونى، ود.سامى رافع وزوجته زينب صادق، ود.عادل وديع فلسطين وزوجته د.كريمة سيدهم، وأحمد الفقيه، وحسين قدرى، وعبدالقادر حميدة، ومحمد جبريل، وزينب العسال، وأشرف خليل، وحسن حامد.
كانت لنا طقوس: قراءة الصحف التى يحضرها الفقيه، ثم تنطلق الأحاديث بين الذكريات والسياسة والأدب.
بعد اغتيال القذافى، حدثنا عبدالقادر حميدة عن كتاب له سيصدر قريبا، وكانت هناك ترجمة لرواية المفتون لفؤاد قنديل، وأعلن جبريل أنه يُعد رسالة الدكتوراه، كنت أترقب حضور الأستاذ عبدالقادر حميدة؛ شخصية ثرية، يحدثك عن نوادر الأدباء والشعراء والفنانين، خفيف الدم والروح.
لم يكن يمر أسبوع دون أن نتواصل ونعرف أخبار بعضنا، سافر أحمد إبراهيم الفقيه إلى ليبيا ثم إلى إنجلترا فى رحلة علاج، لكنه رحل وكانت تلك أولى الصدمات.
حرص «الشارونى» على المشاركة فى الندوات، رغم تدهور صحته؛ إذ كان يعانى من ورم، وظل يتعايش معه، وفى آخر لقاء لنا لم نكن نعلم أنه الأخير، كان أبا وأخا حنونا، دمث الأخلاق، متواضعا، صافحنا وقال: «هتوحشونى» وبعد أيام عرفنا بخبر وفاته... فحاولنا أن تظل الجلسة باسمه لكن أين الأحبة؟