وتبدو الوزارة هذا العام أكثر قناعة بأن «الحلول القديمة» للمواجهة لم تعد كافية، وأن «مجابهة الغش» ليست إجراءات موسمية؛ بل منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة بناء، تبدأ من شكل اللجان وتنتهى بمن يضع الامتحانات.
لذا تصدرت فكرة «التجمعات الامتحانية» المشهد هذا العام باعتبارها خطوة سياسية وإدارية وأمنية فى آن واحد. فـ«التعليم» تستهدف من خلالها خلق بيئة امتحانية محكمة، تُدار من نقطة مركزية، وتقل فيها احتمالات الاختراق أو سوء التنظيم، مع إمكانية مراقبة المداخل والمخارج عبر الكاميرات وأجهزة التفتيش الإلكترونية داخل مساحة واحدة، بدلاً من مئات اللجان المتناثرة فى نطاقات يصعب السيطرة عليها.
ويأتى هذا التوجه فى ظل رصد محاولات غش إلكترونى تمت فى السنوات السابقة داخل مدارس بعينها، ما دفع الوزارة إلى دراسة تنفيذ قطع أو خفض الإنترنت فى محيط بعض اللجان التى سُجلت عليها محاولات غش جماعى خاصة أن بعض الطلاب يلجأون لأدوات يصعب كشفها بالعين المجردة.
ويبدو أن الوزارة لا تريد هذا العام التركيز فقط على الطلاب، بل على البيئة المحيطة أيضًا. فهناك تشديدات على التفتيش الإلكترونى قبل دخول اللجان وضبط السماعات اللاسلكية الدقيقة، وإدخال كاميرات مراقبة فى عدد كبير من المدارس، مع ربط بعض اللجان بغرفة عمليات مركزية تتيح التدخل السريع عند ظهور أى مؤشر غير طبيعى.
كما تم إصدار تعليمات بتدوير المراقبين يوميًا، لضمان عدم نشوء علاقات أو تفاهمات مسبقة بين الطلاب والملاحظين، وهى خطوة اعتبرها البعض ضرورية لإحكام السيطرة ومنع التساهل أو التغاضى الذى قد يشجع محاولات الغش.
د. تامر شوقى، الخبير التربوى، يرى أن الوزارة هذا العام تتحرك وفق منطق «الهندسة الأمنية للامتحان»، وليس مجرد تأمين نمطى للجان. فالتجمعات الامتحانية – بحسب رأيه – لا تقتصر على نقل الطلاب إلى مكان واحد، بل تمثل إعادة تصميم كاملة لطريقة إدارة الامتحانات.
ويضيف أن هذه التجمعات تقلل الفوضى وتسمح برقابة مركزية أقوى، لكنها قد تواجه تحديات لوجستية إذا لم يتم تجهيزها جيدًا، خاصة فيما يتعلق بتوفير عدد كافٍ من الملاحظين المدربين على استخدام أجهزة الكشف الحديثة، والتعامل مع الحالات الطارئة، وضبط الحركة خارج اللجان وداخلها.
ويشدد «شوقى» على أن نجاح الفكرة يتطلب تدريبًا مكثفًا لكل العاملين. ويلفت إلى أن أى خطأ بسيط قد يتسبب فى ارتباك كبير، ويوضح أن «المبنى وحده لا يكفى.. بل العنصر البشرى هو محور النجاح».
أما د. عاصم حجازى، الخبير التربوى، فيشير إلى أن وزارة التربية والتعليم تخوض معركة متعددة الجوانب، أحدها الجانب النفسى. فالطلاب – كما يقول – أصبحوا أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا فى الغش، وأكثر ثقة بأنهم قادرون على الهرب من العقاب، وهنا تأتى أهمية القرارات الجديدة التى تلوّح بعقوبات رادعة تصل إلى الحرمان من دخول الامتحان عامين متتاليين، بجانب إجراءات ضبط فورى داخل اللجان.
ويضيف أن مجرد إعلان الوزارة دراسة قطع الإنترنت حول بعض المدارس يخلق بيئة نفسية مختلفة، تشعر فيها مجموعات الغش بأن محاولاتهم مرصودة ومهددة بالإفشال، مما يسهم فى تراجع الجرأة على استخدام أجهزة الإرسال أو التواصل مع صفحات التسريب.
ويرى «حجازى» أيضاً أن أهم خطوة هذا العام هى تطوير شكل الأسئلة نفسها، إذ لم يعد من الممكن الاعتماد على أسئلة يمكن تداولها أو نقلها بسهولة. فالامتحان المقاوم للغش – كما يصفه – هو الذى يسمح باستخدام الكتاب، ويعتمد على الفهم، ويتضمن أكثر من نموذج امتحانى مكافئ لكنه غير متماثل، ويقيس قدرة الطالب على التطبيق لا الحفظ، ما يجعل الغش عملية غير مجدية حتى لو حدثت محاولات فردية.
أما د. حسن شحاتة، الخبير التربوى، فيقول: «إن الوزارة قدمت هذا العام ما يعتبره «هدية حقيقية» للطلاب وأولياء الأمور، من خلال توفير نماذج استرشادية وإجابات نموذجية، جاءت معظمها مشابهة لطريقة الامتحان الحقيقى.
ويوضح «شحاتة» أن هذه الخطوة ساعدت على تهدئة مخاوف الطلاب وتخفيف قلق الامتحانات، خاصة أن الأسئلة تعتمد على أسلوب التحليل والتفسير وإبداء الرأى، كما أن السماح باستخدام الكتاب المدرسى داخل الامتحان، ووجود كراسة القوانين، جميعها عوامل تجعل الامتحان هذا العام أقرب إلى قياس الفهم الحقيقى، مما يرفع – بحسب توقعه – نسب النجاح ويزيد عدد الحاصلين على الدرجات الأعلى.
ويؤكد «شحاتة» أن الوزارة تتعامل بشدة غير مسبوقة هذا العام مع المدارس التى اشتهرت بأنها «مراكز غش»، حيث سيتم إحكام السيطرة عليها، وتشديد التفتيش، وتكثيف الوجود الأمنى، إلى جانب اعتماد الكاميرات لرصد أى مخالفة داخل اللجان، بما فى ذلك تداول الورق أو استخدام أجهزة خفية. ويشير إلى أن الوزارة وضعت سيناريوهات بديلة للتعامل مع أى محاولة تسريب أو تصوير، وأن التوجه العام هو أن يشعر الطالب بأن «كل حركة مرصودة».