رغم كونها من أشد أنواع المخلفات الصلبة خطرا على صحة الإنسان، بما تنتجه من مواد سامة تسبب الإصابة بالسرطان والأمراض البيولوجية، تبقى النفايات الإلكترونية بمثابة الدجاجة التى تبيض ذهبا فى البلدان الكبرى وفى مقدمتها الصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية، ويصفها خبراء البيئة والتكنولوجيا فى مصر بـ«الكنز المهدر» الذى لو أُحسن استعماله لأسهم بقرابة 50 مليار جنيه كحد أدنى سنويا فى دعم الاقتصاد المحلي، لا سيما أن مصر تحتل المرتبة الأولى عربيا وإفريقيا فى سوق النفايات الإلكترونية بواقع 85 ألف طن سنويا، وهو ما دعا وزارة البيئة لإطلاق المبادرة القومية لجمع وتدوير النفايات الإلكترونية.
فى هذا السياق، صرح الدكتور عزت عرابي، الباحث الفيزيقى بمعهد القياس والمعايرة، بأن النفايات الإلكترونية تشمل كل منتج كهربائى أو إلكترونى أو ضوئى انتهت صلاحيته أو تعرض للتلف، وذلك يمتد من الأجهزة الكهربائية المنزلية والهواتف المحمولة وشاشات الكمبيوتر والتلفزيون وصولاً إلى مصابيح الكهرباء وبطاريات الشحن الجافة وأجهزة الميكروويف والكاميرات وماكينات الطباعة وحتى لعب الأطفال الإلكترونية، وخطورة هذه المخلفات تكمن فى حال العبث بها وتفكيكها دون وعى كافٍ، مما يتسبب فى الإصابة بعدد كبير من الأمراض الخطيرة تختلف باختلاف نوع المواد السامة أو المشعة التى تخلفها تلك الأجهزة أو التى تدخل فى صناعتها الأساسية قبل تلفها.
وكشف عن أن شاشات التلفزيون على سبيل المثال يدخل فى تركيبها عنصر الرصاص السام الذى يؤثر سلباً على الجهاز العصبى والكليتين، ويضر بنمو الرأس لدى الأطفال، بينما يسبب الزرنيخ الموجود فى المصابيح الكهربائية سرطان الجلد والرئة، فى حين يشكل الزئبق الذى يعد عنصراً رئيساً فى صناعة الموصلات الكهربائية خطراً داهماً على الجهاز التنفسي، وهناك الغازات والمواد الكيماوية السامة المنبعثة نتيجة عمليات صهر البلاستيك المصاحبة لتلك الأجهزة فإنها تؤذى الجهاز التنفسى للإنسان بشكل مباشر، بالإضافة إلى تسببها فى أضرار وتشوهات متفاوتة للجلد.
فيما أكد الدكتور كرم عدلي، مدرس الفيزياء الإلكترونية بكلية العلوم جامعة قناة السويس، أن معظم النفايات الإلكترونية التى يجرى التخلص منها بطريقة غير سليمة تحتوى على عدد من المواد الضارة مثل البريليوم والكادميوم والزئبق والرصاص، التى تشكل خطرا على البيئة وتسبب العيوب الخلقية وأضرارا جسيمة بالجهازين العصبى والتنفسي، فضلا عن الجهاز التناسلى والخلايا الجلدية، ولو جرت الاستفادة محليا بتدوير النفايات الإلكترونية بشكل آمن مثلما يحدث فى الدول المتقدمة، فمن المتوقع أن تدر دخلا للدولة بما لا يقل عن 50 مليار جنيه سنويا.
بينما أوضح ياسر عبد الله، رئيس جهاز المخلفات بوزارة البيئة، أن النفايات الإلكترونية يجرى تصنيفها مع النفايات الطبية والبترولية بكونها نفايات خطرة ولكن كمياتها أقل بكثير من المخلفات الزراعية والمخلفات البلدية ومخلفات الهدم والبناء، ويبلغ إجمالى تلك المخلفات بنوعيها الخطرة وغير الخطرة حوالى مائة مليون طن، والوزارة تسعى لإحكام سيطرتها من خلال جهاز المخلفات فى الآونة الأخيرة على التعامل فى المخلفات الإلكترونية ووضع آلية عمل لتداولها بين الشركات المرخص لها وفقا لقانون تنظيم المخلفات 202 لسنة 2020 للتأكد من وجود الاشتراطات البيئية بها ولضمان الحد من تسريب المخلفات الإلكترونية للقطاع غير الرسمى والحفاظ على صحة الإنسان والبيئة.
وفى سياق متصل، نوّه «عبد الله» بأنه بناء على تعليمات وزيرة التنمية المحلية والبيئة الدكتورة منال عوض، تم عقد اجتماع موسع مع عدد من ممثلى وأصحاب شركات تدوير المخلفات الإلكترونية والكهربائية لبحث ومناقشة الآليات الرسمية لتداول وتدوير هذا النوع من المخلفات التصنيفية الخطرة، وقد وضع قانون إدارة المخلفات الجديد تعريفاً حاسماً وجلياً لما يعرف بـ«المسئولية الممتدة للمنتج»، والتى تنطبق بالطبع على أى منتج كهربائى أو إلكترونى تنجم عنه نفايات عقب استخدامه، وهذه المسئولية هى أداة قانونية وبيئية بمقتضاها يتحمل المنتج سواء كان مصنعاً أو مستورداً التكاليف الإدارية والمالية للمنتج كلياً أو جزئياً طوال دورة حياته، بما فى ذلك مرحلة ما بعد الاستهلاك، والتى تشمل عمليات الجمع والنقل والتدوير والتخلص النهائى الآمن من تلك المنتجات لمنع تراكمها فى البيئة.
من جانبه، قدر الدكتور أيمن إبراهيم، الباحث الأسبق بجهاز المخلفات التابع لوزارة البيئة، حجم النفايات الإلكترونية على مستوى العالم سنويا بحوالى 60 مليون طن، يتم إعادة تدوير 20 فى المائة منها بالبلدان المتقدمة وحجم الاستثمار فيها عالميا مائة مليار دولار، ومن المتوقع زيادتها إلى 140 مليار دولار بحلول عام 2030، وتحتل الصين المرتبة الأولى عالميا فى حجم المخلفات الإلكترونية بإجمالى 15 مليون طن سنويا، تليها الولايات المتحدة الأمريكية بواقع 10 ملايين طن، وفى مصر حجم المخلفات الإلكترونية يصل تقريبا إلى 85 ألف طن سنويا، وهى بذلك تحتل بها المرتبة الأولى عربيا وإفريقيا ويأتى أكثر من 50 فى المائة من تلك الكميات من القطاع الخاص.
وكشف عن أن مخلفات المنازل الإلكترونية تمثل أقل من 20 بالمائة، ورغم ذلك يبقى العائد الفعلى من استثمارات النفايات الإلكترونية داخل مصر لا يتعدى 15 مليار جنيه غالبيتها فى القطاع غير الرسمى بسبب قلة المصانع العاملة فى هذا النوع من المخلفات ويبلغ عددها 7 مصانع، مطالبا رجال الأعمال بالاستثمار فى النفايات الإلكترونية، لا سيما أنها تحتوى على المعادن النفيسة مثل الذهب والفضة والنحاس والبلاتين، كما تحتوى على الألومنيوم والبلاستيك وكلاهما قابل للتدوير بسهولة وإعادة استخدامه فى صناعات أخرى.
فى المقابل، وتماشيا مع الإجراءات الأخيرة لجهاز المخلفات لضبط منظومة النفايات الإلكترونية والكهربائية وآلية تداولها وإعادة تدويرها، أطلقت وزارة البيئة المبادرة القومية للتخلص الآمن من المخلفات الإلكترونية بالتعاون مع وزارات الشباب والاتصالات والجامعات المصرية، لتعزيز إعادة التدوير وحماية البيئة، وهى مبادرة تهدف إلى جمع الأجهزة الكهربائية والإلكترونية القديمة عبر تطبيق إلكترونى ومراكز تجميع، وتحويل القطاع غير الرسمى إلى رسمي، دعما للاقتصاد الأخضر المستدام مع استمرار حملات توعوية فى الجامعات تشترك فيها الجمعيات الأهلية والشركات المتخصصة فى تدوير النفايات الإلكترونية.
وتعقيبا منه على المبادرة، قال المهندس أحمد سالم، رئيس الشركة المصرية لتدوير المخلفات الإلكترونية ورئيس الجمعية التعاونية لتدوير المخلفات الإلكترونية، إن النفايات الإلكترونية لم تعد مجرد قضية بيئية بل أصبحت ملفًا اقتصاديًا وصحيًا وأمنيًا يرتبط بشكل مباشر بمستقبل التنمية المستدامة فى مصر، فالمبادرة القومية تستهدف خلق منظومة متكاملة وآمنة لجمع وتدوير المخلفات الإلكترونية، بما يحقق عدة أهداف فى مقدمتها خلق فرص عمل جديدة والحفاظ على الموارد الطبيعية وتقليل التلوث البيئى وتحسين الصحة العامة مع تعزيز ثقافة الاستهلاك المسئول وتقليل الحاجة إلى استخراج خامات جديدة من الطبيعة.
وأضاف رئيس الشركة المصرية لتدوير المخلفات الإلكترونية، أنه تتوافق المبادرة التى أطلقتها وزارة البيئة مع عدد من الوزارات الأخرى مع ثمانية من أهداف التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، من بينها الصناعة والابتكار والعمل اللائق والمياه النظيفة والصحة الجيدة والحياة على الأرض والعمل المناخى والإنتاج المسئول، وبناء مدن ومجتمعات مستدامة، وأحد أهم محاور المشروع يتمثل فى التثقيف المجتمعى ونشر الوعى بأهمية إعادة التدوير عبر منصة إلكترونية متخصصة تهدف إلى تسهيل مشاركة المواطنين فى عمليات جمع المخلفات الإلكترونية، واستجابت الجامعات المصرية لهذه المبادرة ومن بينها جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا من خلال كلية الهندسة ومركز الاستدامة والمناخ والطاقة بالجامعة.
وبيَّن «سالم» أن حجم المخلفات الإلكترونية فى مصر يتراوح ما بين 85 ألفًا إلى 90 ألف طن سنويًا، بينما لا يتم تدوير سوى نحو 25 إلى 30 فى المائة فقط داخل المصانع الرسمية المعتمدة، وعدد مصانع تدوير المخلفات الإلكترونية الرسمية فى مصر يبلغ حاليًا 7 مصانع فقط، وهو ما يعكس حجم التحدى الذى يواجه هذا القطاع، ومن أبرز العقبات التى تواجه ملف المخلفات الإلكترونية وجود «الروبابيكيا» والمتعاملين غير الرسميين الذين يقومون بتفكيك الأجهزة بطرق بدائية وغير آمنة، ما يؤدى إلى انبعاث مواد سامة وإلحاق أضرار خطيرة بالبيئة والصحة العامة، وهنا يجب تفعيل قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 لضمان تدوير المخلفات بطرق آمنة وصحية وصديقة للبيئة.
ولفت المهندس أحمد سالم، إلى أن «أكثر أنواع المخلفات الإلكترونية انتشارًا فى مصر حاليًا هى شاشات الكمبيوتر، تليها بطاريات الهواتف المحمولة، إلى جانب أجهزة اللاب توب والطابعات والراوترات، واللوحات الإلكترونية الرئيسية المعروفة باسم «اللوحات الأم» أو اللوحات الرئيسية هى الأكثر تحقيقًا للعائد الاقتصادى بعد إعادة التدوير، نظرًا لاحتوائها على نسب من الذهب والفضة والنحاس، تليها الأسلاك والكابلات التى تحتوى على كميات كبيرة من النحاس، وكثير من المواطنين لا يدركون أن الأجهزة الإلكترونية القديمة تحتوى على خامات ثمينة يمكن إعادة استخدامها داخل الصناعة، وأن عمليات التدوير تتيح استخراج الحديد والنحاس والبلاستيك والذهب والفضة من تلك المخلفات، بما يسهم فى تقليل استيراد المواد الخام ودعم الاقتصاد الوطنى».
وحذر «سالم» من خطورة التخلص العشوائى من المخلفات الإلكترونية، حيث إن بعض الأجهزة تحتوى على بطاريات ليثيوم قابلة للاشتعال والانفجار، بالإضافة إلى لوحات إلكترونية تضم مواد شديدة السمية مثل الزئبق والكادميوم والرصاص، كما تحتوى الشاشات القديمة على كميات كبيرة من الرصاص قد تصل إلى كيلو أو اثنين داخل الشاشة الواحدة، فضلًا عن مادة «التونر» الموجودة فى الطابعات والتى قد تؤدى إلى أضرار صحية خطيرة عند التعامل معها بشكل غير آمن، فعند حرق أو تكسير تلك المخلفات بطرق عشوائية يؤدى إلى انبعاث مواد سامة فى الهواء والتربة والمياه، ما يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض خطيرة، بينها أمراض الجهاز التنفسى والتهابات الأعصاب وأمراض الكلى والكبد، بالإضافة إلى بعض أنواع السرطان الناتجة عن التعرض الطويل للمعادن الثقيلة والمواد الكيميائية السامة.
ووصف «سالم» تلك المخلفات بأنها «قنابل موقوتة» يجب التعامل معها بحذر شديد، ويجب التخلص منها عبر جهات متخصصة تمتلك القدرة على إعادة تدويرها بطريقة آمنة وصحية، ولكن للأسف هناك هاجس يؤرق الكثير من المواطنين حيث يتخوفون من تسليم أجهزتهم وهواتفهم القديمة خشية اختراق خصوصيتهم أو استرجاع صورهم وملفاتهم الشخصية من قبل الآخرين، وأحب أن أطمئن المواطنين بأن الشركات الرسمية المتخصصة فى هذا المجال تتبع بروتوكولات صارمة؛ حيث تقوم بتنفيذ عملية تدمير مادى وهيكلى كامل للأقراص الصلبة ووحدات التخزين، مما يجعل من المستحيل تقنيا استعادة أى بيانات أو ملفات منها مرة أخرى تحت أى ظرف.
وأضاف أن المبادرة تعمل حاليًا على تطوير نقاط تجميع حديثة تعتمد على «الأكشاك الذكية» المزودة بكاميرات مراقبة لاسلكية على أن يبدأ تنفيذها بحلول أغسطس 2026، إلى جانب التوسع فى التعاون مع الكمباوندات السكنية والشركات الكبرى، بالإضافة إلى إطلاق خدمات التجميع المباشر من المنازل مع تقديم حوافز مالية للمواطنين، ويمكنهم تسليم المخلفات الإلكترونية بسهولة عبر التسجيل على المنصة الإلكترونية الرسمية الخاصة بالمبادرة، وإدخال البيانات وتحديد موعد لاستلام الأجهزة من المنزل، مع تحديد مقابل مادى يحصل عليه المواطن من خلال المحافظ الإلكترونية أو البطاقات البنكية.
وحول انتشار المبادرة وتوعية المجتمع بأهدافها، أوضح أن المبادرة تعتمد على الندوات وأماكن التجميع داخل الجامعات والكمباوندات السكنية للتعريف بها وبأهدافها وكذلك بأضرار النفايات الإلكترونية الخطرة، فالمشروع لا يستهدف فقط جمع المخلفات الإلكترونية، بل يسعى إلى بناء نموذج متكامل قابل للتوسع فى مختلف المحافظات المصرية، بل وإمكانية نقله إلى دول إفريقيا والخليج خاصة مع تزايد الاهتمام العالمى بقضايا الاقتصاد الأخضر وتقليل الانبعاثات.