وفى وقت تتزايد فيه الحاجة العالمية لترسيخ قيم التقارب والحوار بين الكنائس والشعوب يكتسب هذا الاحتفال السنوى أبعادا ممتدة تتجاوز الطابع البروتوكولى التقليدي، لتؤكد مجددا على حتمية التواصل وبناء الجسور بين المختلفين وهى الفلسفة التى تجلت بوضوح فى جولة البابا الأخيرة، لتكسر النمط التقليدى وتعكس حضورا كنسيا ودبلوماسيا لافتا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية على الساحة الدولية، وخلال هذه الزيارات لم تقتصر تحركات البابا على اللقاءات البروتوكولية أو الرعوية التقليدية، بل حملت رسائل واضحة تتعلق بتعزيز الحوار المسيحى المشترك، وتأكيد قيم التعايش والسلام والانفتاح على الكنائس والمؤسسات الدينية والثقافية المختلفة.
كما بدت «الصداقة» التى تحتفى بها الكنائس هذا الشهر حاضرة بصورة عملية فى تفاصيل تلك الجولات، سواء عبر اللقاءات مع القيادات الكنسية أو المشاركة فى مناسبات دينية وثقافية، أو التأكيد المستمر على أهمية التواصل الإنسانى بين الشعوب والكنائس رغم اختلاف الخلفيات والتقاليد، وتعكس تحركات البابا تواضروس خلال جولاته الخارجية توجها متصاعدا داخل الكنيسة القبطية نحو توسيع دوائر الحضور والتفاعل الدولي، فى إطار رؤية تعتبر أن العلاقات الكنسية لم تعد تقتصر على البعد الروحى فقط بل أصبحت أيضا أداة لتعزيز التفاهم وبناء مساحات مشتركة من التعاون والحوار، بما يمنح مفهوم «الصداقة» بعدًا عمليًا يتجسد فى المواقف والتحركات واللقاءات على أرض الواقع.
فى هذا الشأن، قال الكاتب والباحث القبطى كمال زاخر، إن زيارة البابا لدولة تركيا قد تبدو الأهم بين المحطات الأربع ربما لأن تركيا هى التى عُقدت فيها المؤتمرات الدولية للكنائس (المجامع المسكونية) فى القرون الأولى للمسيحية سواء نيقية أو القسطنطينية، كما أن الزيارات بالأساس رعوية وليست سياسية أو بحثا عن اهتمام إعلامى، ومن ثم فهى لا تقاس بعدد الأقباط المقيمين فى كل دولة، فكلهم أولاد الكنيسة وتحت مظلتها، فالبابا تواضروس حريص على مد خيوط التواصل مع الكنائس المختلفة سواء فى العائلة الأرثوذكسية الشرقية أو الغربية، وكذلك الكنيسة الكاثوليكية، وقد قام بزيارة الفاتيكان عقب توليه البابوية وحرص على أن تكون الزيارة فى موعد يوم الصداقة بين الكنيستين، والذى تم اعتماده ليحيى ذكرى زيارة البابا شنودة الأولى للفاتيكان 1973م والتى كانت خطوة مؤسسة لعودة العلاقات بين الكنيستين بعد قرون ممتدة من الافتراق.
ولفت إلى أن مَن يتابع الزيارات المختلفة للبابا تواضروس خارج مصر يلمس حرصه على أن يتضمن برنامج زياراته لقاء أساقفة هذه الكنائس لما تنتجه من أجواء ألفة وتقارب، وفى المقابل أتاحت الكنيسة الكاثوليكية للأقباط المهاجرين أداء الصلوات فى أكثر من كنيسة بحسب الطقس القبطى، كما وجه البابا الدعوة للكنائس الشقيقة لزيارة مصر واحتفى بوفودها وعقد معهم عدة لقاءات للتشاور والتقارب، وعندما احتفلت الكنيسة الأرثوذكسية بمرور 17 قرنًا على انعقاد أول مؤتمر عالمى للاتفاق على المحاور الإيمانية المسيحية وإقرارها كقانون للإيمان والذى شهدته مدينة نيقية بالقسطنطينية (تركيا حاليًا) وكان احتفال الكنيسة القبطية بدير من أديرتها بوادى النطرون، حرص على دعوة تلك الكنائس للمشاركة فى هذا الاحتفال التاريخى والتى من ناحيتها لبت الدعوة.
فيما أكد كريم كمال، الباحث فى الشأن المسيحى، على أن زيارة البابا تواضروس الثانى، إلى تركيا تمثل محطة تاريخية فى مسيرة العلاقات بين الكنائس، خاصة أنها الزيارة الأولى التى يلتقى فيها البابا تواضروس بالبطريرك المسكونى برثلماوس رأس الكنيسة الأرثوذكسية العالمية ووريث كرسى القسطنطينية العريق، وتأتى أهمية هذا اللقاء من المكانة الروحية والرمزية التى يتمتع بها الكرسى المسكونى الذى يعد الأول بين متساوين فى الكنائس الأرثوذكسية (الروم الأرثوذكس) ويطلق عليها أيضًا روما الجديدة وصاحب دور محورى مهم فى الحوار المسكونى عبر التاريخ.
وأشار «كريم كمال» إلى أن هذه الزيارة تعيد إلى الأذهان زيارات البابا شنودة الثالث للقسطنطينية، وخاصة زيارته الأولى التى كانت خطوة جريئة فى وقت حساس وأسست لجسور من الثقة والتواصل بين الكنيستين، حيث تُعد زيارته إلى بطريركية القسطنطينية فى إسطنبول فى مايو عام 1972 حدثًا تاريخيًا وكانت الأولى من نوعها لبطريرك قبطى منذ ما يقرب من 1500 عام مما أنهى قطيعة طويلة بين الكنيستين، واليوم تأتى زيارة البابا تواضروس لتؤكد استمرار هذا النهج ولتعطى دفعة قوية للحوار اللاهوتى بين الكنائس الأرثوذكسية رغم قلة عدد الأقباط فى تركيا، إذ إن وجود الكرسى المسكونى يجعل من إسطنبول محطة لا يمكن تجاوزها فى أى مسار وحدوى أو حوارى.
وأضاف بأن هذه الزيارة مثّلت المحطة الأهم فى رحلة قداسة البابا الأخيرة لما حملته من رسائل محبة وتقدير متبادل، فضلا عما تشكله من دفعة قوية للحوارات اللاهوتية بين الكنيستين والتى بدأت جذورها فى عهد المتنيح البابا شنودة الثالث لتثمر آنذاك عددًا من الاتفاقيات التى تعد الأولى من نوعها منذ مجمع خلقيدونية، مسلطا الضوء على العلاقة الوطيدة والراسخة التى تجمع البابا تواضروس بكاردينال النمسا الكاثوليكى، كريستوف شونبورن رئيس أساقفة فيينا، وهى علاقة قائمة على المحبة الصادقة والاحترام المتبادل.
وقال إن هذه الروابط قد انعكست إيجابيا على أرض الواقع، حيث قدمت الكنيسة الكاثوليكية بالنمسا عدة كنائس كهدية لنظيرتها القبطية لدعم خدمة أبنائها هناك، وتأتى فى مقدمة هذه الخطوات مبادرة تاريخية قوبلت برسائل شكر وتقدير من البابا تواضروس، وتمثلت فى إهداء كنيسة «العذراء المنتصرة» التى تُعد من أهم الكاتدرائيات الكاثوليكية التاريخية فى النمسا لتصبح مقرًا ومركزًا لخدمة الجالية القبطية الأرثوذكسية، يضاف إليها كنائس أخرى ككنيسة «القديس أنطونيوس» فى فيينا، وكنيسة «القديسة العذراء» فى لينتس.
ونوه «كمال» إلى أن هذه الخطوة تعكس عمق الروابط بين الكنيستين وتجسد نموذجا للتعاون العملى البعيد عن الشعارات، إذ يحرص البابا والكاردينال على تبادل اللقاءات الدورية سواء فى مصر أو النمسا، مما يجعل من علاقتهما دافعا مثاليا لتعزيز التقارب بين الكنيستين القبطية والكاثوليكية، أما زيارة البابا إلى فينيسيا (البندقية) فقد حملت طابعًا روحيًا وتاريخيًا استثنائيًا، حيث شارك قداسته فى الاحتفال بعيد «مار مرقس الرسول» كاروز الديار المصرية، فى مدينة ارتبط اسمها منذ قرون بإنجيل مرقس، ولم تقتصر الزيارة على البعد الروحى فحسب بل شهدت انعقاد سيمينار للمجمع المقدس ضم مطارنة وأساقفة أمريكا وكندا وأستراليا وأوروبا بالمقر البابوى هناك، فى إشارة واضحة إلى أن الكنيسة القبطية باتت تتمتع بحضور قوى ومؤثر، وأن مقراتها البابوية لم تعد مقتصرة على الحدود الجغرافية المصرية بل امتدت لتشمل كافة أصقاع الأرض حيثما وجد أبناؤها.
واختتم الباحث فى الشأن القبطى حديثه بالتأكيد على الأهمية الخاصة لزيارة البابا تواضروس إلى كرواتيا، رغم أن الجالية القبطية هناك لا تضم سوى عدد قليل جدًا من الأقباط، فهذه الخطوة تحمل رسالة واضحة بأن كل قبطى فى الخارج يقع فى قلب واهتمام الكنيسة، وأن البابا لا يفرق بين جالية كبرى وأخرى محدودة بل يسعى لرعاية الجميع دون استثناء، كما أن هذه الجولة البابوية تجاوزت البعد الرعوى التقليدى لتحمل أبعادا وطنية وروحية عميقة، فهى تسهم فى ترسيخ قيم المحبة والتعاون بين الكنائس وتقدم صورة حضارية مشرفة لمصر وكنيستها الوطنية، وأن الحوار والمحبة هما الطريق الأقوى لبناء العلاقات الإنسانية وصداقات الشعوب، وأبرز أهداف هذه الزيارات يتجسد فى ربط أبناء الكنيسة القبطية فى المهجر بوطنهم الأم، لا سيما أبناء الجيلين الثانى والثالث الذين ولدوا فى الخارج لتبقى جذورهم ممتدة وراسخة بالوطن.