رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الدعم النفسى.. روشتة مؤسساتنا الدينية لاحتواء الضغوط الحياتية


23-5-2026 | 12:27

.

طباعة
تقرير: أميرة صلاح

بيد مرتجفة وقلب قلق أجريت اتصالا بجهة تابعة للأزهر الشريف تشرف على مبادرة مجتمعية، وكنت أتوقع إجابة فقهية جافة أو نصيحة وعظية معتادة، لكن الرد جاء هذه المرة بنبرة لم تكن فى الحسبان، فعلى الطرف الآخر صوت هادئ وبثبات قال: «وحدة الدعم النفسى معك، كيف أستطيع مساعدتك؟»، لم تكن تلك مجرد إجابة روتينية بل بداية حديث قصير لكنه كاشف، يفتح نافذة على مساحة مختلفة داخل أكبر المؤسسات الدينية فى مصر، مساحة لا تقتصر فيها الفتوى على الحكم الشرعي، بل تمتد لتشمل الإصغاء والاحتواء ومحاولة فهم ما وراء السؤال الدينى من وجع إنسانى وضغط نفسى متراكم.

 

فى هذا التقرير نفتح ملفا يتعلق بكيفية تعاطى المؤسسات الدينية فى مصر مع موجة متصاعدة من الضغوط النفسية التى يعيشها المواطنون، فى ظل تسارع وتيرة الحياة اليومية وتزايد الأعباء الاجتماعية والاقتصادية، وما يترتب على ذلك من ارتفاع مستويات التوتر والقلق والشعور المستمر بالضغط، وفى قلب هذا التحول تبرز وحدة الدعم النفسى بمركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية، إلى جانب مبادرة «تحدث معنا» التى أطلقها مجمع البحوث الإسلامية، ووحدة حوار التى أنشأتها دار الإفتاء، بوصفهما من أبرز النماذج الأكثر حداثة واستجابة لمتطلبات الواقع، إذ لا يقتصر دورهم على تقديم الإرشاد الدينى التقليدى بل يمتد إلى محاولة دمج البعد النفسى كعنصر أساسى فى منظومة التعامل مع المستفتين، إدراكا أن خلف كل سؤال دينى قد تختبئ أزمة نفسية تحتاج أولًا إلى احتواء وإصغاء قبل التوجيه والإجابة.

الدكتور أسامة الحديدى، مدير عام مركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية، أكد أن إنشاء وحدة الدعم النفسى داخل المركز جاء استجابة لواقع مجتمعى متغير تتزايد فيه الضغوط النفسية والتحديات الاجتماعية التى يواجهها الإنسان المعاصر، وهو ما استدعى تقديم دعم متكامل يجمع بين الإرشاد الدينى والرعاية النفسية، حيث رصد المركز من خلال تفاعله اليومى مع الجمهور تنامى بعض الظواهر المقلقة ومنها محاولات إيذاء النفس، الأمر الذى استدعى تدخلًا مؤسسيًا يجمع بين الوقاية والمعالجة، والوحدة أُنشئت لتكون منصة متخصصة فى تقديم الدعم النفسى والإرشاد السلوكى فى إطار دينى وإنسانى متوازن، ويظل الهدف الأساسى هو بناء وعى متوازن يساعد الأفراد على مواجهة الضغوط.

وقال «الحديدى» إن المركز لا يرى أى تعارض بين الإرشاد النفسى والتوجيه الدينى بل يعتبرهما مسارين متكاملين يخدمان الإنسان، فالقيم الدينية تسهم فى تعزيز الطمأنينة النفسية، بينما يساعد الإرشاد النفسى فى فهم أعمق للحالات، وهنا المركز يعتمد على منظومة متعددة القنوات تبدأ باستقبال الحالات عبر الهاتف أو المنصات الرقمية أو الحضور المباشر، ثم يتم الاستماع للحالة وتقييمها بدقة وبناءً على ذلك يتم توجيهها إلى المسار المناسب سواء دعما نفسيا أو إرشادا دينيا أو وحدة متخصصة مع تقديم حلول عملية ومتابعة عند الحاجة، وقد يتم فى بعض الحالات استدعاء المستفيد لجلسات مباشرة لتعميق الدعم، وتعتمد وحدة الدعم النفسى على فريق استشارى يضم نخبة من المتخصصين فى مجالات الصحة النفسية والطب النفسى من ذوى الخبرة، وتمثل سرية المعلومات ركيزة أساسية فى عمل المركز لتعزيز ثقتهم فى طلب الدعم.

فى المقابل، جاءت تجربة مجمع البحوث الإسلامية من خلال إطلاق مبادرة «تحدث معنا» كمحاولة لاحتواء الضغوط النفسية المتزايدة لدى المصريين فى ظل تصاعد الأعباء الحياتية، حيث أوضح الدكتور محمد الوردانى، مدير المركز الإعلامى بمجمع البحوث الإسلامية، أن المبادرة تمثل ترجمة عملية لرسالة الأزهر الشريف فى رعاية الإنسان والاهتمام بجوانبه النفسية والاجتماعية إلى جانب دوره الدينى والتوعوى، فالمبادرة انطلقت فى توقيت بالغ الأهمية يشهد فيه المجتمع ضغوطًا نفسية واجتماعية متزايدة نتيجة للتطورات والأزمات العالمية المستمرة والتى ألقت بظلالها على قطاعات كبيرة فى مختلف دول العالم، بما يستدعى توفير مساحات آمنة للحوار والاستماع والدعم، خاصة للشباب والفئات الأكثر تعرضًا للعزلة أو الصمت أمام الأزمات.

على الجانب الآخر برزت تجربة وحدة «حوار» بدار الإفتاء المصرية كنموذج مختلف فى التعامل مع قضايا المستفتين لا يكتفى بالإجابة الفقهية التقليدية بل يمتد إلى مساحة أوسع من الفهم والتحليل والدعم النفسى والاجتماعى، وفى هذا السياق أكد الشيخ طاهر زيد، مدير وحدة «حوار» بدار الإفتاء المصرية، أن العلاقة بين الدين والصحة النفسية علاقة أصيلة وممتدة، فالنفس البشرية هى محور الخطاب الإلهى، وقد كرمها الله سبحانه وتعالى، ودعا إلى تزكيتها وتهذيبها وعمارة الحياة من خلالها، والرؤية الدينية فى هذا السياق تتفق مع ما وصلت إليه مدارس علم النفس الحديثة التى أكدت أهمية الإرشاد وتنظيم المشاعر وتعديل السلوك.

وأوضح أن إدارة «حوار» داخل دار الإفتاء المصرية استوعبت هذا منذ البداية حيث تمت الاستعانة بمتخصصين فى الطب النفسى، مع تدريب أعضاء الفريق على فهم أبرز الاضطرابات النفسية الشائعة، بما يساعد على تقديم دعم متكامل يجمع بين البعد الشرعى والنفسى والاجتماعى، فى جلسات تستهدف معالجة المشكلة من جذورها وليس فقط من ظاهرها، وأبرز الحالات التى يتم التعامل معها داخل الوحدة غالبًا ما تكون مشكلات نفسية واجتماعية تتداخل فيها أبعاد دينية، مثل حالات العنف الأسرى أو سوء الفهم الدينى لبعض المفاهيم مثل «القوامة»، والتى قد تؤدى إلى ضغوط نفسية شديدة تصل أحيانًا إلى التفكير فى إيذاء النفس.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة