رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

السفير هشام بدر: نقلنا المشروعات الخضراء من المحلية إلى العالمية


23-5-2026 | 12:28

السفير هشام بدر.. مساعد وزير التخطيط للمبادرات والشراكات الاستراتيجية

طباعة
حوار: رضوى قطرى عدسة: ناجى فرح

من قلب التحولات الكبرى التى تشهدها الدولة المصرية تبرز «المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية» كقاطرة حقيقية تُعيد رسم ملامح الاقتصاد الوطنى بأسلوب علمى وتكنولوجى غير مسبوق، فلم تعد الاستدامة مجرد شعار بل تحولت إلى واقع تدعمه أرقام وخريطة مكانية للمستقبل تصنعها عقول مصرية، وفى هذا الحوار الخاص مع «المصور»، يفتح السفير هشام بدر، مساعد وزير التخطيط للمبادرات والشراكات الاستراتيجية والمنسق العام للمبادرة، دفاتر هذا المشروع القومى ليكشف لنا كيف تحولت قاعدة البيانات الضخمة إلى قصص نجاح عالمية، وما أبعاد هذا التحول الأخضر الذى يضع مصر فى مصاف الدول القائدة بيئياً وتنموياً.

 
 

بداية، كيف تقيّم النسخة الرابعة من المبادرة خاصة فى ظل الظروف العالمية الحالية؟

أولا: هذه الدورة تأتى فى ظل تحديات جيوسياسية معقدة تفرضها الأوضاع الإقليمية والعالمية، مما جعل من ملفات الغاز والبترول أولوية قصوى، ومن هذا المنطلق لم تعد مشروعات الطاقة البديلة والمتجددة كالرياح والطاقة الشمسية مجرد خيار بيئى، بل أصبحت ضرورة ملحة للأمن القومى والاقتصادى لتوفير بدائل مستدامة ومستقرة للطاقة، ولذلك شهدت المبادرة منذ إطلاق الدورة الجديدة تحركات مكثفة لدعم الفائزين خلال الدورات الثلاث السابقة.

وجه الوزير بأن تكون هذه الدورة هى دورة «الاستدامة والتشبيك» بين الفائزين والمستثمرين الكبار مثل شركة «أيادى بنك الاستثمار القومي» و«ان اى كابيتال» وغيرهما، نركز فيها على تحويل الـ54 مشروعا الذين تقدموا إلينا فى الدورات السابقة من مجرد نماذج ناجحة إلى ركائز أساسية فى الاقتصاد الوطنى، وستتم الاستعانة بالفائزين فى النسخ الثلاث السابقة من المبادرة؛ ليقدموا قصص نجاحهم للمتقدمين للنسخة الحالية من المبادرة؛ لتكون ملهمة لهم خلال رحلتهم مع مراحل المسابقة المختلفة حتى يتحقق لهم الفوز بإحدى جوائز فئات المبادرة الوطنية.

وماذا عن نموذج «محافظة القاهرة».. هل سيتم تطبيقه على بقية المحافظات؟

يعد نموذج محافظة القاهرة خطوة عملية لدعم المشروعات الفائزة، ومن المقرر تعميم التجربة تدريجيا على مختلف المحافظات، حيث أعلن الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، عن تأسيس صندوق لدعم المشروعات الفائزة فى المبادرة على مستوى المحافظة برأسمال مبدئى يبلغ مليونا ونصف المليون جنيه بتمويل من جامعة 15 مايو والجامعة الصينية، وشهد اللقاء الذى عقد بمقر المحافظة حضور الوزراء المعنيين ورؤساء الجامعات بمحافظة القاهرة إلى جانب عدد من كبار المستثمرين، وذلك بهدف تعزيز التشبيك بين الفائزين فى المبادرة والمستثمرين، بما يسهم فى تحويل المشروعات الفائزة إلى نماذج قابلة للتنفيذ والتوسع، وهناك لقاءات مماثلة سيتم عقدها خلال الأيام القليلة المقبلة فى محافظتى الإسكندرية والجيزة تمهيدا لتوسيع نطاق الدعم؛ ليشمل الفائزين فى المبادرة الوطنية بمختلف محافظات الجمهورية والعمل على تذليل أى عقبات قد تواجههم.

بالحديث عن «الأخضر والذكي»، ما المعايير الدقيقة التى تمنح أى مشروع متقدم هذا اللقب؟

التقييم لا يخضع للمصادفة، بل يتم وفق «مسطرة قياس» صارمة ومحددة؛ فلكى يستحق المشروع لقب «أخضر» ننظر بجدية إلى «المكون الأخضر» ونقيس مدى قدرته على تقليل الانبعاثات الحرارية والاعتماد على الطاقة المتجددة كطاقة الرياح أو الطاقة الشمسية، فنحن نؤمن بأن استخدام الطاقة البديلة هو الحل الجذرى والوحيد لمواجهة التغيرات المناخية التى نلمس آثارها القاسية اليوم، أما «المعيار الذكي» فيتوقف على حجم ونوع التكنولوجيا المتقدمة والمستخدمة فى إدارة المشروع واختيار هذين المعيارين تحديدا ينبع من كونهما «لغة المستقبل».

هل يكفى أن يكون المشروع صديقاً للبيئة وذكياً تقنياً ليفوز فى المبادرة؟

بالتأكيد لا، فهناك معيار حاسم وهو «الجدوى الاقتصادية»، فالمشروع الذى يحافظ على البيئة ويستخدم أحدث التقنيات لكنه يعجز عن تحقيق أرباح هو فى النهاية مشروع فاشل بمقاييس السوق ولن يكتب له الفوز، والهدف الأسمى للمبادرة ليس تقديم أفكار للنظر فقط بل تحقيق الاستدامة بمفهومها الشامل، أى تحقيق الربحية الاستثمارية جنبا إلى جنب مع الحفاظ على البيئة والموارد.

كيف تلعب المرأة دورا قياديا فى هذا التحول الأخضر من خلال المبادرة؟

فى ظل الاهتمام البالغ والرعاية الكبيرة التى يوليها الرئيس عبد الفتاح السيسى للمرأة المصرية، أفردت المبادرة فئة خاصة ومستقلة لتمكين المرأة، لكن المفارقة هنا هى أنه يمكن للرجل أيضا التقدم بمشروعه ضمن هذه الفئة، بشرط أن يكون الهدف الأساسى للمشروع هو خدمة المرأة وتلبية احتياجاتها أو أن تقود المرأة مجلس إدارة المشروع، والهدف الأسمى من هذه الفئة هو تعزيز الدور التنموى والقيادى للمرأة فى ملف الاستدامة.

هل نجحت المبادرة بالفعل فى تحقيق أثر ملموس على أرض الواقع؟

فى وزارة التخطيط نتحدث بالأرقام والنتائج الميدانية، فخلال الدورات الثلاث السابقة شهدت المبادرة إقبالاً ضخماً يعكس ثقة المبتكرين؛ حيث تقدم لنا 17 ألف مشروع فى مختلف القطاعات، وقد نال قطاع «المخلفات» نصيب الأسد بـ 673 مشروعاً نوعياً، ركزت بشكل أساسى على إدارة المخلفات وتحويلها من مجرد مهملات إلى فرص اقتصادية واعدة تخلق فرص عمل وقيمة اقتصادية مضافة.

كيف تم تطبيق مفهوم «تحويل المخلفات إلى فرصة» فى المحافظات؟

المبادرة نجحت فى تحويل الحلم إلى واقع ملموس فى المحافظات المختلفة، ففى محافظة بورسعيد هناك مشروع رائد يقوم بجمع زجاجات البلاستيك الملقاة فى الشوارع ومعالجتها لتحويلها إلى «براكسس» وهى رقائق البلاستيك، وهى مادة خام أساسية تدخل اليوم بقوة فى صناعة النسيج، فهذا النموذج حوّل «تلوث الشوارع» إلى «صادرات ونسيج مصري».

وماذا عن محافظات الصعيد؟ هل كان للتكنولوجيا حضور حقيقى فى منظومة إدارة المخلفات هناك؟

الصعيد حاضر بقوة وبأفكار ملهمة، وتعتبر تجربة مشروع «عطا ويست بنك» فى محافظة أسوان نموذجا مبهرا، يجسد الدمج الحقيقى بين الحفاظ على البيئة والذكاء التكنولوجى، فهذا المشروع ليس مجرد مبادرة تقليدية لتدوير النفايات، بل بمثابة «بنك إلكترونى للمخلفات» يعمل عبر منصة رقمية متكاملة تتيح للمستخدمين بيع وشراء كافة أنواع المخلفات وسلسلة التوريد الخاصة بها، ومن خلال هذا البنك تُوظف الحلول التكنولوجية المتقدمة لإعادة تدوير تلك المخلفات وتحويلها إلى منتجات جديدة ذات قيمة سوقية عالية، مما نجح فى تحويل أسوان إلى مركز رائد لإدارة الموارد المهدرة بذكاء رقمى خالص.

صف لنا حجم القفزات الاستثمارية التى حققتها بعض المشروعات؟

لدينا نماذج مذهلة لمشروعات بدأت باستثمارات بسيطة وتضاعفت قيمتها بشكل كبير جدا، فهناك مشروع بدأ برأسمال 7 ملايين دولار واستطاع خلال عامين فقط أن يقفز بقيمته السوقية لتصل إلى 350 مليون دولار، وهناك نموذج آخر يثبت أن العبقرية لا تحتاج دائماً لسيولة ضخمة، حيث بدأ أحد المشروعات بـ 20 ألف جنيه فقط واليوم تقدر قيمته بنحو 120 مليون جنيه، ولدينا نماذج رائدة مثل الدكتورة وهاد فى القاهرة التى نجحت فى تدريب 30 ألف امرأة على صناعة الحلى باستخدام مخلفات المنازل والمواد المهملة، محولةً «أشياء لا قيمة لها» إلى مشروع اقتصادى يدر دخلاً لآلاف الأسر المصرية.

وفى الإسكندرية، قدمت الدكتورة «منى طومان» نموذجاً فذاً فى الاقتصاد الدائري؛ حيث تقوم بإعادة تدوير «مكونات الكمبيوتر القديمة» وهى النفايات الإلكترونية التى تضر البيئة وتحويلها إلى ماكينات جديدة كلياً تباع بأسعار تنافسية أقل من سعر السوق محققة أرباحاً هائلة وحلولاً بيئية ذكية، أيضا مشروع «إنجازات» وهو نموذج عبقرى للربط بين (المياه، الطاقة، والغذاء) حيث بدأ المشروع باستثمارات بلغت 7 ملايين دولار، ويعتمد على تكنولوجيا متطورة لاستخراج المياه الجوفية باستخدام الطاقة الشمسية ثم توفيرها للمزارعين وفق نظام تعاقد حديث يضمن زراعة مساحات شاسعة بأساليب رى ذكية، والمشروع حقق طفرة استثمارية هائلة وتم توقيع اتفاقية مع الجانب النرويجى بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسى فى «أوسلو»، ومن المتوقع أن تقفز استثمارات المشروع من 7 ملايين دولار لتصل إلى 200 أو 300 مليون دولار خلال خمس سنوات، مما يجعله قصة نجاح دولية تنطلق من قلب الصحراء المصرية، وكذلك مشروع «القناة للسكر»، والذى يعد الأضخم من نوعه عالمياً فهو يضم أكبر مصنع للسكر فى العالم، وهذا المشروع الاستراتيجى يهدف إلى تلبية جانب كبير جداً من احتياجات مصر من السكر بحلول عام 2030، مما يعزز الأمن الغذائى المصرى.

أما عن الشق الدولى بالمساهمة فالغرب يفضل دائماً التعامل مع مشروعات القطاع الخاص فقد دفع هذا الأمر منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO) إلى تصميم «كتالوج عالمي» شامل يضم كافة التفاصيل الفنية والمالية للمشروعات الفائزة فى المبادرة، وتم توزيعه على جميع مكاتب «اليونيدو» حول العالم لتسويقها، وبمجرد اطلاع المستثمرين الأجانب على هذه الدراسات الدقيقة لمسنا مردوداً سريعاً؛ حيث بدأت الوفود الاستثمارية الدولية خاصة من الصين ودول عديدة أخرى فى فتح قنوات تواصل مباشر مع أصحاب هذه المشروعات، واليوم نعمل جاهدين على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومستمرة مع البنك الأوروبى ومنظمة الأمم المتحدة لتقديم الدعم الكامل والتمويل لهذه الكيانات الناشئة الواعدة.

هل هناك ابتكار مصرى خرج من عباءة هذه المبادرة ووصل للعالمية؟

بكل تأكيد، ولدينا تجربة ملهمة تعد المثال الأبرز حاليا وهو مشروع «جديد»، هذا المشروع نجح فى حصد جوائز دولية مرموقة بفضل ابتكار عبقرى عبارة عن جهاز صغير الحجم لا يتعدى طوله 15 سم يتم تركيبه فى السيارات ليعمل على خفض استهلاك الوقود بنسب مذهلة تتراوح بين 10 فى المائة إلى 40 فى المائة، والأجمل أن هذا الابتكار الفريد لم يقف عند حدود السوق المحلية بل نجح القائمون عليه بالفعل فى توقيع اتفاقيات شراكة استراتيجية مع كبرى الشركات الصناعية فى ألمانيا والصين.

كيف تخدم هذه البيانات المستثمر الأجنبى والمحلى؟

لأول مرة فى مصر أصبح لدينا خريطة مكانية ذكية بـ17 ألف مشروع، فالمبادرة نجحت فى بناء أول وأضخم قاعدة بيانات للمشروعات الخضراء والذكية فى مصر.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة