«محفوظ.. شاعر الدنيا الحديثة».. الإصدار الأحدث للقاص والكاتب الصحفى سعد القرش، والعنوان مقتبس من وصف «محفوظ» للرواية بأنها «شعر الدنيا الحديثة»، ردا على «العقاد» الذى رفع من فن الشعر فوق كل فنون الكتابة.
«استثمار كورونا».. مصطلح يمكن إطلاقه على فترة «الجائحة» التى استثمرها «القرش» أفضل استثمار، حيث قرأ خلالها كل ما أنتجه «محفوظ» من كتب وعددها 55 رواية ومجموعة قصصية، علاوة على كتابه المترجم عن «مصر القديمة»، وذلك قبل أن يجد نفسه يحلل رؤى وفلسفات وقصص «أديب نوبل» بمنطق مغاير للمنظور الاحتفالي، فبحث وحلل أسباب عبقرية «نجيب»، وما تبقى منه اليوم، وهو ما أوضحه «القرش» فى الحوار التالي:
بداية.. قلت فى مقدمة كتابك إنك قرأت كل أعمال محفوظ فى زمن كورونا، كيف ولماذا دخلت هذا التحدى مع أن كثيرين يلوكون اسم محفوظ ليل نهار ولم يقرأوا له إلا بعض أعماله؟!
للأسف لدينا طغيان للثقافة الشفهية، وكثيرون تحدثوا عن يوسف إدريس مثلا ولم يقرأوا له، لأنهم لو قرأوه كاملا لخجلوا عند كتابة القصة القصيرة أو توقفوا عن كتابتها، أو تخطوه، ومن تخطوه قلة على رأسهم صنع الله إبراهيم وبهاء طاهر، الاثنان تمردا على «إدريس» وفرح هو بهما وكتب مقدمة رواية «تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم، واعتبرها ثورة فى الأدب، وكتب عن بهاء طاهر: «هذا قلم بهائى طاهر، كاتب لا يستعير أصابع غيره»، نفس الشيء مع نجيب محفوظ، فهو تحدٍّ لأى كاتب، لأنه هرم حقيقى يدفع الكاتب للتحايل عليه وكتابة إبداع مختلف أو يحبط ويتوقف عن الكتابة، وهذا ما انتبه إليه مبكرا رجاء النقاش عندما كتب عن الطيب صالح.
كيف؟
صنع من «الطيب» نجمًا عربيًا فى الرواية بنشره رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» وتقديمها بترحاب كبير، وقال رجاء إن «الطيب تحايل على محفوظ»، وقد سألت مترجما مرة: هل شكسبير حقيقة كفرد أم مؤسسة؟.. فقال: «إنه مبدع حقيقي»، وهكذا «محفوظ»، لو لم نعش زمنه ونراه ونتحدث معه لظننا أنه مؤسسة وليس فردًا.
إلى هذه الدرجة كان أثر ما صنعه محفوظ فى فن الرواية؟
نعم، وهذه الجملة قالها لويس عوض الذى كان يتجاهل «محفوظ» لسنوات ولم يهاجمه مثل محمود العالم وعبد العظيم أنيس فى كتابهما «فى الثقافة المصرية»، وبعد أن أصدر «محفوظ» (الثلاثية) سأله لويس عوض: أين كنت؟!.. وقال إن محفوظ موضع إجماع اليمين واليسار حتى غدا مؤسسة، وهذا ما قاله طه حسين حين كتب مقالًا مطولًا عن رواية «بين القصرين».
ماذا استفدت من قراءة أعمال محفوظ كلها بترتيب صدورها زمنيًا؟
فائدة كبيرة جدًا، لأن من يقرأ أعمال «محفوظ» الأولى لا يعتقد أن هذا الكاتب سوف يصبح على ما انتهى إليه، لقد قرأته قراءة تصاعدية زمنيا، فعرفت أنه كاتب متطور جدا، وأذكر زمان أول ما قرأت له «الكرنك» ولم أعجب بها، وبعدها قرأت «الثلاثية» وأنا فى الجامعة، ثم قرأت «أولاد حارتنا»، ثم أعدت قراءة كل أعماله قراءة متصلة سنة 2020م، وهى فى عشرة مجلدات، وكل مجلد فى شهر، فاكتشفت أن أعماله الأولى لا تُبشر بهذا الهرم الكبير، لكنه كان ذكيًا سريع التطور، لذلك وصفته بأنه «موهوب وصل للعبقرية»، نعم ولد موهوبًا ورفض سلامة موسى أستاذه نشر أعماله الأولى وقال إنها دون المستوى، ثم لما قرأ روايته «حكمة خوفو» أعجب بها ونشرها بعنوان «عبث الأقدار».
كذلك، اكتشفت أن «محفوظ» قادر على التقاط الجديد وتطوير اللغة، ومثل المغناطيس الذى يجذب كل شيء، وهو مثقف وقارئ كبير والثقافة لا تظهر فى الكتابة مباشرة، مثل «قادوس الطحين»، تضع فيه الحبوب فتتحول لدقيق أو طحين، لا تفرق بين أصله، ذرة أم قمح، هكذا «محفوظ» هضم كل ما قرأ وشاهد وسمع وأخرجه لنا فى صورة جديدة.
تقصد التطور الفنى عند «محفوظ» وليس التراكم الكمي، أليس كذلك؟
نعم، فهناك كتاب يكتبون وينشرون من سنة 1966م ويعيشون بيننا دون تطوير، الرواية الأولى مثل الأخيرة، عكس نجيب محفوظ كان صاحب مشروع من بدايته، وكان يكرر بعض الكلمات فى أعماله الأولى مثل «ذهب لا يلوى على شيء»، وهذه كليشيهات، وهى تعيب الكاتب، وكل كلام معلب يعيب الكاتب، وردد هذا التعبير فى «الثلاثية» مرة ثم اختفى، لأنه حريص على أن يرى نفسه وإنتاجه بعين الناقد، ويرى أشياء تساعده على عمل قفزات، وقفزاته اختصرت نحو 350 سنة فى تطور الرواية العربية، بشخصه، وبجهده كفرد.
لقد رأى تحولات جيل الستينيات بعد حرب 67م فاستفاد منها فى كتابة رواياته، وحين تسببت له روايته «الحب تحت المطر» فى مشكلات مع الرقابة، وتم حذف جزء كبير منها خاص بالجبهة، وذكر ذلك لغالى شكري، وقال إن سعيد السحار كان جهز الرواية للطباعة وإنه غير قادر على خسارة ناشره أو تحمل تكلفة التجهيزات، فوافق على طباعتها كما نراها، وإننى أراها رواية جميلة رغم أن الرقيب حذف الجزء الخاص بالجبهة لأسباب أمنية، ومع ذلك ربما هذا الحذف أفاد الرواية فنيًا.
المباشرة تضعف الفن والأدب، أليس كذلك؟
نعم، بدليل أن قصة محفوظ «ثلاثة أيام فى اليمن» لا تعجبنى لأنها مباشرة، و«الكرنك» قيل إنها تعرضت للحذف قبل النشر، إذن نحن أمام كاتب متطور قادر على التكيف ولا يوقفه شيء.
محفوظ الكاتب، ومحفوظ السينمائي، كيف ميزت بينهما بعد قراءة كل قصصه؟
قراءة أعماله كلها أفادتنى جدا وشعرت بمتعة كبيرة، وأصبحت أرى الأفلام المأخوذة عنها سطحية، لدرجة أننى كنت أحب أفلامًا بعينها مثل «اللص والكلاب» للعظيم كمال الشيخ، لكن بعد قراءة الرواية شعرت أنها أروع من الفيلم المأخوذ عنها، كذلك «القاهرة الجديدة» أفضل كرواية من فيلم «القاهرة 30» المأخوذ عنها، كذلك «بداية ونهاية»، ولن أتطرق لـ«الثلاثية»، وإذا رأيت فيلم «دنيا الله» لحسن الإمام ستجد أنه فيلم (سخيف جدا)، بعكس ما قدمه المخرج إبراهيم الصحن فى فيلم بنفس العنوان وبطولة صلاح منصور، وهو من أفضل الأعمال التى قدمت «محفوظ» على الإطلاق، وكان من 30 دقيقة فقط، وكان معه فيلمان آخران، واحد عن قصة للسباعي، والآخر عن قصة لـ«إدريس»، فما قدمه «الصحن» موازٍ للقصة الأصلية لـ«محفوظ»، وتفوق ليصبح ندا للقصة بفضل أداء صلاح منصور.
إذن.. هل ترى أن السينما ظلمت قصص محفوظ؟
نعم السينما ظلمت «محفوظ» خاصة بعد حصوله على جائزة نوبل، فقد كانوا يكتبون على أفيش الفيلم «قصة الكاتب نجيب محفوظ»، وبعد «نوبل» أصبحوا يكتبون «قصة الكاتب العالمى الحائز على نوبل»، مع أنه لا وجود لمصطلح «الكاتب العالمي»، ولا توجد دولة اسمها «العالم» ينسب إليها كاتب.
«محفوظ» نفسه أكد أنه مسئوول فقط عن قصصه، أليس هذا إبراء لذمته؟
نعم كان يقول ذلك، إنه مسئول عن روايته وليس عن الأفلام المأخوذة عنها، وهناك منْ أخذ أجواء «الحرافيش» كما فعل على بدرخان فى فيلم «الجوع» دون الإشارة لـ«محفوظ»، أخذ المخرج روح الرواية دون الإشارة إليها، وهو أهم فيلم بين الأفلام الستة التى اقتبست من «الحرافيش».