قامت شركات الطيران فى جميع أنحاء العالم بتقليص آلاف الرحلات الجوية المقررة لشهر مايو الجارى، وخفضت من طاقتها الاستيعابية مع بدء تفاقم أزمة نقص وقود الطائرات، مما يهدد بتعطل خطط العطلات مع اقتراب ذروة موسم السفر الصيفى، حيث أدى التوقف شبه التام لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى تعطيل صادرات النفط من الخليج العربى، مما أجبر مصافى التكرير فى أماكن أخرى على خفض إنتاج وقود الطائرات ومكوِّنه الأساسى، الكيروسين.
ووفقًا لما أفادت به وكالة «بلومبرج»، فقد زاد من تعقيد الأزمة أن مصافى التكرير فى الشرق الأوسط، التى تنتج عادةً أكثر من 10 فى المائة من وقود الطائرات والكيروسين فى العالم، باتت تواجه صعوبات فى إيصال الشحنات إلى المشترين خارج المنطقة، ورغم أن مصافى التكرير فى الصين وكوريا الجنوبية والهند تُعد من أبرز مصادر صادرات وقود الطائرات إلى الأسواق العالمية، فإنها تعتمد بشكل كبير على النفط الخام القادم من الشرق الأوسط، إذ كانت تستقبل نحو 90 فى المائة من النفط المُصدَّر عبر مضيق هرمز قبل الحرب.
وارتفعت أسعار وقود الطائرات بوتيرة أسرع من أسعار النفط الخام منذ بدء الحرب فى فبراير، مسجلةً مستويات قياسية تجاوزت 200 دولار للبرميل فى أوروبا، وفى ظل ارتفاع تكاليف الوقود وتراجع الإمدادات، لجأت شركات الطيران إلى إيقاف تشغيل الطائرات القديمة الأقل كفاءة، مع رفع أسعار تذاكر السفر، إلى جانب إلغاء عدد من الرحلات الأقل رواجًا، واستخدام طائرات أصغر حجمًا لتوفير الوقود.
من جانبها، حذرت وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبى (EASA) قطاع الطيران الأوروبى من أن النقص المحتمل فى وقود الطائرات قد يجبر المطارات وشركات الطيران على التكيف مع نوع مختلف من الوقود فى مناطق مختلفة، وهو سيناريو يتطلب تشديد إجراءات السلامة، واستجابةً لذلك يدرس الاتحاد الأوروبى خطط طوارئ، مثل استيراد المزيد من وقود الطائرات النفاثة من الولايات المتحدة، التى تستخدم مواصفات وقود مختلفة عن تلك المستخدمة فى أوروبا.

وفى هذا السياق، قال الدكتور ممدوح سلامة، خبير النفط والطاقة العالمى، إن وقود الطائرات يُعد نوعًا من الكيروسين عالى التكرير، تنتجه بشكل رئيسى دول كبرى مثل الصين والهند وروسيا والولايات المتحدة، إلى جانب دول الخليج العربى، كما يُنتَج جنبًا إلى جنب مع مشتقات نفطية أخرى داخل مصافى النفط، وعندما تتأثر أسعار النفط - كما يحدث حاليًا - نتيجة إغلاق مضيق هرمز والحرب على إيران، ترتفع أسعار مشتقات النفط كالمعتاد، إلا أن الأزمة الحالية لا تقتصر على ارتفاع الأسعار فحسب، بل تمتد أيضًا إلى نقص فى الإمدادات من منطقة الخليج العربى، التى لا تستطيع شحن مشتقات النفط بسبب إغلاق المضيق.
وأوضح «سلامة» أن ارتفاع أسعار الوقود ينعكس على شركات الطيران حول العالم، ويؤدى إلى غلاء أسعار تذاكر السفر، كما يدفع شركات الطيران إلى إغلاق بعض خطوطها غير المربحة، بهدف استخدام ما لديها من مخزونات وقود الطائرات لتشغيل الخطوط المربحة، لكن حتى مع اتخاذ هذا الإجراء، يشهد النقل الجوى انخفاضًا كبيرًا نتيجة ارتفاع الأسعار، وذلك سيؤثر فى ربحية شركات الطيران، ما يعنى استمرار ارتفاع أسعار تذاكر الطيران حتى بعد عودة مضيق هرمز إلى العمل بشكل طبيعى.
على الصعيد المحلي، أكد خبير النفط والطاقة العالمي أن الدول العربية، بما في ذلك مصر، لديها قدرة على إنتاج احتياجاتها من وقود الطائرات. وتُعد مصر على وجه الخصوص قادرة على الوقوف على قدميها حتى في ظل أزمة النفط الحالية. إلا أنها تستخدم ما تنتجه من النفط في تشغيل المصافي وإنتاج وقود الطائرات، ما يجعلها مضطرة إلى استيراد النفط بالأسعار المرتفعة لتلبية الطلب الداخلي، والطلب العالمي لشركات الطيران المصرية. ومن هذه الزاوية، قد تتأثر مصر اقتصاديًا إلى حد ما. لكن مع الاكتشافات الجديدة في مجال النفط والغاز، ستكون مصدر مُقدمة على ارتفاعًا في إنتاجها، ما يعني أن قدرتها التصديرية للنفط والغاز والغاز المسال ستزيد خلال السنتين أو الثلاث سنوات القادمة. مع ذلك، ستكون مضطرة إلى تغطية هذه النفقات إلى أن تتم الاكتشافات ويبدأ استثمارها.
وختم" د. سلامة" حديثه قائلًا إن شركات الطيران حول العالم ستتأثر بارتفاع الأسعار، ما سينعكس على حركة النقل الجوي ورحلات الطيران، وعلى الضرورة التي تحكمها رحلات الطيران، خاصة المرتبطة باستيراد المواد الغذائية التي لا تستطيع أن تدوم طويلًا دون نقلها جوًا وبسرعة كبيرة.