بينما يربطه الكثيرون بمظاهر البهجة فى بالونات الأعياد يختبئ «الهيليوم» خلف واجهة المرح كواحد من أكثر العناصر استراتيجية وحساسية فى العالم، فاليوم لم يعد الهيليوم مجرد غاز خامل فى الجدول الدوري، بل تحول إلى قلب صراع تقنى وجيوسياسى محتدم وضع إمداداته العالمية على حافة الهاوية، وأعادت التوترات المتصاعدة فى منطقة الشرق الأوسط هذا العنصر إلى الواجهة بعنف، فبين فكى الأزمات الدبلوماسية وصراعات النفوذ واجهت خطوط الإمداد هزات عنيفة خاصة مع تأثر مجمع «رأس لفان» فى قطر الذى يعد شريانا رئيسيا للعالم والتهديدات المستمرة بإغلاق مضيق هرمز، مما تسبب فى جفاف المعروض العالمى من هذا الغاز الحيوي، والنتيجة لم تكن نقصا فى وسائل الترفيه، بل تهديد مباشر لعماد التكنولوجيا الحديثة بداية من صناعة الرقائق الإلكترونية المعقدة، وصولا إلى تشغيل الأجهزة الطبية الحساسة التى لا تستقيم حياة الملايين بدونها.
وبحسب «بلومبيرج»، أصبحت شركة رويال فيلبس أحدث مثال لشركات تواجه صعوبات فى تدبير الهيليوم اللازم لتشغيل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسى والأشعة المقطعية، بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تقليص الإمدادات، ومع تكرار معاناة الشركات أصبح لدى العالم تخوف من استمرار هذه الأزمة وتأثيرها على توفير مادة الهيليوم وانعكاسها على الصناعات التكنولوجية وعلى تكاليف الرعاية الصحية، لتتسابق الدول على توفير وبناء مخزونات استراتيجية واستثمار فى تقنيات إعادة التدوير والبحث عن مصادر بديلة لمادة الهيليوم.
وفى هذا السياق، قال الدكتور هشام الجمال، الحاصل على دكتوراه فى الكيمياء التحليلية والباحث بكلية علوم عين شمس: الهيليوم غاز نبيل من الغازات الخاملة ودرجة غليانه تبلغ 269 درجة مئوية تحت الصفر، لذا فى درجة حرارة الغرفة العادية يكون «الهيليوم غازاً خاملاً عديم اللون والرائحة ذا خصائص كيميائية غير نشطة، مما يجعل تفاعله مع المواد الأخرى صعباً فى الظروف العادية، وهى خاصية فريدة تجعل من الهيليوم المادة الوحيدة القادرة على تحقيق التبريد العميق الضرورى لتشغيل أحدث التقنيات الإلكترونية، وهو ما يفسر تسميته بـ «نفط العصر التكنولوجي» لأنه يشكل العمود الفقرى لصناعات المستقبل بأكملها».
وأشار إلى أن التوزيع العالمى لموارد الهيليوم غير متساوٍ فتتركز موارد الهيليوم بشكل رئيسى فى الولايات المتحدة وقطر والجزائر وروسيا، ووفقاً لتقرير هيئة المسح الجيولوجى الأمريكية بلغ إجمالى موارد الهيليوم العالمية فى 2020 ما يقارب 51.9 مليار متر مكعب، استحوذت فيه الولايات المتحدة وقطر والجزائر وروسيا على 88 فى المائة من هذه الموارد، وتحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى عالميا بـ20.6 مليار متر مكعب، بينما تأتى قطر بنحو 10.1 مليار متر مكعب فى المرتبة الثانية، تليها الجزائر 8.2 مليار متر مكعب فى المرتبة الثالثة، وروسيا 6.8 مليار متر مكعب فى المرتبة الرابعة، وتمتلك الصين 1.1 مليار متر مكعب.
وأوضح أن الاحتياطات المتبقية فى العالم لمادة الهيليوم تمتلك منه الولايات المتحدة أكبر احتياطى حيث يبلغ 3.9 مليار متر مكعب، تليها الجزائر وروسيا فى المرتبتين الثانية والثالثة باحتياطيات تبلغ 1.8 مليار متر مكعب و1.7 مليار متر مكعب على التوالي، والصين تعانى من ندرة موارد الهيليوم لأن حجم إنتاج الصين لا يزيد على 2 فى المائة من الاحتياطات العالمية، وتعتمد على الاستيراد بنسبة تصل إلى 95 فى المائة، وتستورد الباقى من قطر والولايات المتحدة ودول أخرى.
وكشف «الجمال»، أن ملامح الصراع الدولى على السيطرة على موارد الهيليوم برزت بوضوح خلال السنوات الأخيرة خاصة بعد فرض الولايات المتحدة قيودا مشددة على صادرات الهيليوم إلى الصين، ما تسبب فى تعرض بكين لضغوط كبيرة تتعلق بإمدادات هذا العنصر الحيوي، كما أن الشركات الممولة من جهات أجنبية فرضت هيمنة واسعة على سوق استيراد الهيليوم داخل الصين، ففى عام 2020 استحوذت الشركات الأجنبية والمشروعات المشتركة على نحو 84 فى المائة من إجمالى واردات الصين من الهيليوم، وهو ما يعكس حجم النفوذ الخارجى فى هذا القطاع الاستراتيجى.
من جانبه أوضح الدكتور هيثم طارق، خبير الذكاء الاصطناعى والأمن السيبرانى، أن إطلاق تعبير «نفط العصر التكنولوجى» على الهيليوم لم يأتِ من فراغ، فعنصر الهيليوم هام ولا بديل عنه فى مجال أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية، وفى عمليات التصنيع الدقيقة خاصة مع تقنيات النانومتر المتقدمة التى تدخل فى صناعة الهواتف الذكية والحاسوب والسيارات الإلكترونية، ويستخدم الهيليوم فى تنظيف الأسطح الإلكترونية من أدق الشوائب الجزيئية وتبريد المعدات أثناء عملية الحفر بالأشعة فوق البنفسجية، والمعالجات الرسومية فائقة السرعة التى يتم استخدامها فى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعى الضخمة مثل ChatGPT ، Claude تتطلب تبريدا مكثفا لا يمكن تحقيقه بدون الهيليوم السائل، كما أن الحواسيب العملاقة التى تشغلها شركات التقنية الكبرى تعتمد عليه فى التبريد بشكل كلى.
وأشار إلى أن أهمية الهيليوم لا تقتصر على التكنولوجيا المتقدمة فقط بل تمتد أيضا إلى قطاع الرعاية الصحية؛ حيث تعتمد أجهزة الرنين المغناطيسى المنتشرة فى مستشفيات العالم على الهيليوم لتبريد المغناطيسات فائقة التوصيل المستخدمة فى تشغيلها، والهيليوم يدخل كذلك فى تصنيع الألياف الضوئية وأنظمة الليزر الطبية والصناعية إلى جانب استخداماته الحيوية فى الصناعات العسكرية والفضائية، إذ يستخدم فى تصنيع أجهزة الرصد بالأشعة تحت الحمراء المثبتة على الأقمار الصناعية، فضلا عن دوره فى تنظيف وقود الصواريخ وتشغيل أنظمة التوجيه الدقيقة ما يعكس الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لهذا العنصر فى الصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة.
وفسر الدكتور هيثم تصاعد حدة التنافس بين بكين وواشنطن حول الهيليوم بالأهمية الاستراتيجية المتزايدة لهذا العنصر، مؤكدا أن التحكم فى إمداداته يعنى عمليا التحكم فى قدرة الدول على تصنيع الرقائق الإلكترونية المتطورة وتشغيل الحواسيب الكمية وتطوير الأنظمة العسكرية الحديثة، خاصة أنه لا توجد حتى الآن مادة بديلة قادرة على أداء الوظائف نفسها فى هذه التطبيقات الدقيقة.
أكد «د.هيثم» أن التوترات الجيوسياسية لعبت دورا رئيسيا فى تعميق أزمة الإمدادت، فضلا عن إغلاق بعض المناجم الرئيسية ومن بينها أحد المناجم التابعة لمكتب إدارة الأراضى الأمريكى الذى يمثل نحو 10 فى المائة من المعروض العالمي، الأمر الذى ساهم فى زيادة حدة الأزمة ورفع المخاوف بشأن مستقبل توافر الهيليوم عالميا.
وفى الختام طرح خبير الأمن السيبرانى مسارين رئيسيين لتداعيات أزمة نقص الهيليوم، يتمثل المسار الأول فى التداعيات قصيرة الأجل؛ حيث يتوقع أن يؤدى نقص الإمدادات إلى ارتفاع حاد فى أسعار الهيليوم، وهو ما سينعكس مباشرة على تكلفة إنتاج الرقائق الإلكترونية، وبالتالى ارتفاع أسعار الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب ومختلف المنتجات الإلكترونية، كما قد تضطر بعض المستشفيات إلى تقليص خدمات الرنين المغناطيسى أو تأجيل أعمال صيانة الأجهزة نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل ونقص الإمدادات.
وأشار إلى أن المسار الثانى يرتبط بالتأثيرات متوسطة الأجل؛ إذ من المتوقع أن يؤدى استمرار نقص الهيليوم إلى تعطيل خطط تطوير الحوسبة الكمية وإبطاء وتيرة الأبحاث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، الأمر الذى قد ينعكس سلبًا على معدلات الابتكار والتطور التكنولوجى عالميًا، أما على المدى البعيد فإن الأزمة قد تؤدى إلى إعادة رسم خريطة القوى التكنولوجية العالمية فى ظل امتلاك عدد محدود من الدول لمصادر إنتاج الهيليوم، ما يمنحها قدرة أكبر على فرض شروطها الاقتصادية والاستراتيجية على الدول المستوردة.