وحين نعود بالذاكرة إلى الكتاب الشهير فى مجال الرحلات فى القرن الماضى وهو كتاب أنيس منصور» 200يوم حول العالم»، نجد أن كتاب رحلتى بين النيل والسين يتفوق عليه فى نقاط ثلاث: الأولى رحلته فى النفس فى مراحل مختلفة.
الثانية اتسام الكتاب بالأسلوب الأدبى الشاعرى الرقيق وشيوع عطر اللمحات الدينية.
الثالثة أنه يقدم للقارئ مزيجا فاتنا من السيرة الذاتية، وسيرة المكان مع رشقات من النقد الاجتماعى لبعض السلبيات .
ويتمدد على مدى الرحلة التعرف على قطوف شائقة من حياة الكاتبة ودور الأب والأم والمدرسة بدءا من مرحلة الطفولة، وأثناء ذلك نتعرف على نسيج الحياة فى بلدتها سمنود وانعكاس المكان على مشاعرها، ومن ذلك وصفها البديع لمصنع الفخار وما شابه ذلك، ويستمر هذا الطابع الأدبى البليغ فى تعبيرها عن أماكن عريقة شتى كما هو الحال فى رحلتها إلى القاهرة التى ألبستها ثوبا قصصيا أنيقا كزياراتها إلى مساجد آل بيت النبى، كما يتألق وصفها لمشاهدات فى الإسكندرية، والأقصر، وهى تربط براعة وصف الصور بوقعها فى النفس، وفى لحظات تستدعى التاريخ ليحتضن الواقع فى ضوء شمس مصر الودودة ودورها فى حياة البشر، وهكذا تنقلنا الكاتبة إلى مناخات الحياة فى مدن شتى، وعصور مختلفة فى الشرق والغرب.
وتفاجأت بتساؤلات مهمة جدا تعكس أمنيات الكاتبة فيما تراه وليس مجرد تسجيل يسر نفس القارئ، فهى تجمع إلى عين السائح نظرات الناقد، وهو منحى يضاف إلى ما يتمتع به الكتاب من تفرد، فمثلا تتساءل الكاتبة: أين الضمير داخل أسوار الأبنية التعليمية؟، وتساؤلات أخرى لافتة عن شرم الشيخ، وأيضا تبحر إلى الماضى، إلى أحلام إسماعيل باشا، وتسجل حكمة بارعة بقولها :إن أخطر منعطف هو فقدان التواصل بين الأجيال، ويظفر القارئ بقصيدة شباك الطائرة المحلقة لندرك أن الكاتبة أديبة لها العديد من دواوين الشعر والروايات والقصص القصيرة، وتنقلنا الكاتبة إلى فرحتها ببعثة الدكتوراه إلى فرنسا، وتجربتها الخاصة فى المدينة الجامعية الدولية بباريس، وحوارات حول اللغات الأجنبية، ونحيا معها وقتا من الدهشة والسعادة فى تعاملها مع الناس والمكان فى أكثر من مدينة غربية فى فرنسا وسويسرا خاصة فى مدينة بوزنسون التى ولد بها فكتور هوجو، وتحلق بنا فى حياة أعلامها القدماء من فنانين وأدباء.
ومن الخيانة للنص فى عرض كتاب ممتع وعميق وموسوعى كهذا الكتاب أن نتوقف عند بعض أبوابه، ففى كل صفحة بلاغة ومعلومة ومتعة من التاريخ وسبر أغوار الناس والأماكن، فضلا عن رشاقة العرض الصحفى أيضا، ومن صفحة لأخرى نطالع رؤى مكثفة بالغة الأهمية والدلالة، مثل قولها يا مصر خيراتك وفيرة، يغطيها تراب الحقد والغيرة، ومن الجميل أن الدكتورة فتحية بحرصها الأكاديمى وحسها الشاعرى لم تترك مكانا أو صورة دون تعليق مناسب كاشف، وهو ما ينصب على الشخصيات التى قابلتها هنا أو هناك، ومن بدائع هذا الكتاب المهم الفصل المعنون بـ«حلقات الحجرات» وتجربتها فى الحصول على الدكتوراه ودعم الأسرة لها، وهى لاتنسى طوال رحلتها الباذخة دورها الذى عبرت عنه بقولها سفيرة أنا إلى فرنسا فى سطور كتابى.
كما كان مهما رحلتها فى دهاليز التاريخ مع وقائع الثورة الفرنسية وإطلالتها على مشاهد قوية من الثورات المصرية.. وأخيرا نحن بصدد كتاب يضيف الكثير إلى المكتبة العربية، ويطرح أسئلة عصرية آنية مثل: هل مع عصر الإنترنت هناك حاجة إلى البعثات؟ أتركك تفكر لأعاود قراءة هذا السفر العميق الشائق مرة أخرى.