ولذلك يمكن القول إن هذه الدراسة استهدفت قراءة وتنظيراً وتطبيقاً محاولة الوقوف على الطبيعة الفنية لسرديات الحروب من خلال عدد من الفصول والمباحث من حيث الرؤية والتقنية وطبيعة السرد واللغة الفنية التى تُشكِّل عوالم النص، وتحليل الشخصيات فى بُعدها المعرفى والنفسى والاجتماعى والسلوكي.
وتؤكد المؤلفة أنها استهدفت فى هذه الدراسة محاولة استجلاء أدب الحرب وسردياته، وأهم الظواهر الفنية التى تُشكِّل بنيته الفنية، وترسم عوالمه المختلفة، والمؤلفة الدكتورة أمانى فؤاد أستاذ النقد الأدبى الحديث فى أكاديمية الفنون بالقاهرة، ولها مؤلفات سابقة عناوينها تصل إلى القلب بمجرد قراءتها. وهي:
- المرأة ميراث من القهر، قضايا التنوير: الخصوصية المصرية، الرواية وتحرير المجتمع، الإبداع فى تراث أبى حيَّان التوحيدي، المجاوزة فى شعر الحداثة فى مصر بعد السبعينيات.
كما أنها ربما كانت الناقدة التى جمعت بين النقد وكتابة الإبداع الأدبي، فلها مجموعة قصصية عنوانها: تعتُّم النجوم، أيضاً فهى تشغل عضوا مهما فى لجان الجوائز المصرية والعربية، وربما العالمية.
أما هذا الكتاب فتُصدِّره بعبارة لجلال الدين الرومى يقول فيها:
- السلام على الضاحكين وفى قلوبهم سنين بكاء. أولئك الذين قرروا العيش ولم تُحالفهم الحياة بعد.
ثم تكتُب أن المتأمل للمشهد السردى فى العِقد الأخير من القرن الحادى والعشرين يجد أن النصوص السردية التى تُعالج الثورات والحروب وما تُسفِر عنه من نزاعات ومآسٍ هى الكتابة الأكثر حضوراً وتأثيراً فى لحظة السرد الراهنة، التى نعيشها الآن فى الإقليم العربى وشمال إفريقيا. خاصة بعد الثورات التى سُميَّت بالربيع العربي. وهى الثورات التى لم تُخلِّف ربيعاً فى كثيرٍ من تجلياتها، بل أوجدت أنواعاً متعددة من جحيم الانقسامات والفوضى والطائفية والدمار والفقر والشتات بلا أوطان. الانتفاضات التى كان ظاهرها حُلما للرومانسيين، وباطنها تخطيطاً واستهداف تخطيط شامل للشكل وأنظمة الحُكم فى المنطقة. وهو رأيٌ تقوله بشجاعة، رغم أنى أوردته على الرغم من أننى أختلف معه جذرياً، لكن من حقها أن نورِده.
ثم إنها تقول:
- لقد تحريَّتُ فى هذه الدراسة أن أتقصى الكثير من سرديات الحروب التى زادت على 50 نصاً روائياً تحليلاً ونقداً للمُنتج الروائى العربى فى تنوعه الثقافى والجغرافى والاجتماعى فى مصر وسوريا والعراق وفلسطين والأردن ولبنان وتونس والجزائر والمغرب ودول الخليج العربي.
تلك البُلدان التى عانت من الحروب والنزاعات وما زالت آثارها موجودة سواء بعد الحروب التى تمت مع المحتل الدخيل، أو بين الفرق والطوائف والميليشيات والمذهبيات المختلفة من أبناء الوطن الواحد؛ لتكون هذه الدراسة مرآة تنعكس عليها طبيعة التحولات التى شكَّلت حياة المجتمعات العربية حديثاً، والآثار التى خلَّفتها الحروب والنزاعات على الوجدان الشعبى والعقلى الجمعى للشعوب العريبة.
إن كتابة الأنواع الأدبية المُعاصرة – خاصة الرواية – تمر الآن بمنعطف شديد التوتر تأسيساً على حدود وطبيعة العلاقة بين الفن والحياة. بين السرد وعلاقته بالبشر. مواجهة تشمل الإنسان ورؤاه للوجود. ثم تتوقف أمام التجريب فى مثل هذه الكتابة الروائية المُحمَّلة بقضايا بالغة الخطورة والأهمية، ولها بُعدٌ تاريخيٌ كبير.
هذا الكتاب المهم يُقدِّم تنظيراً نحتاج إليه كثيراً لسرديات الحروب والنزاعات، والنصوص القصصية والروائية التى تناولت هذه الحروب من خلال ما كتبه النُقاد والباحثون، وتتوقف أمام مشروعات الناقد الأدبى الدكتور صلاح فضل، وكتاب واقعية بلا ضفاف لروجيه جارودي.
ما من كتاب أصدره مُبدِع روائى أو ناقد روائى فى الفترة الأخيرة إلا وتجد له ذِكرا فى هذا المُجلد المهم. إنها تتوقف أمام نصوص روائية من الوطن العربى المعاصر لنا بالدرس والبحث، وأيضاً تدرُس النتاج الأدبى المصرى الذى يتناول سرديات الحرب بشكلٍ جيد وعِلمى وموضوعي. فرغم معاصرتها لكثيرٍ من الكُتَّاب الذين تناولتهم، فإن هذا لم يمنعها من الكتابة الموضوعية التى قد لا تُعجب المُبدعين فى كل الأحيان. وتلك مهمة الناقد النزيه والشريف.