«توطين صناعة الدواء».. استراتيجية وطنية تبنتها الدولة انطلاقًا من تاريخها الكبير فى صناعة الأدوية الذى بدأ منذ ثلاثينيات القرن الماضى، حين أُنشئت الشركة القابضة للأدوية عام 1934، وخلال السنوات الأخيرة بدأت الحكومة العمل على جذب العديد من الاستثمارات فى القطاع لتقليل الاستيراد وتحقيق الأمن الدوائى من خلال العديد من المبادرات، على رأسها المبادرة الخاصة بتوطين صناعة المواد الخام غير الفعالة، التى استهدفت تحقيق كفاءة اقتصادية مستدامة، من خلال توطين صناعة 280 مادة غير فعالة، والبدء بـ30 مادة تمثل أكثر من 60 فى المائة من فاتورة استيراد المواد الخام غير الفعالة؛ سعيًا لخفض الفاتورة الاستيرادية.
وفقًا للبيانات الرسمية وتقارير المجلس التصديرى للصناعات الطبية، فإن حجم سوق الدواء فى مصر يصل إلى 300 مليار جنيه سنويا، وتنتج مصر نحو 91 فى المائة من احتياجاتها المحلية من الأدوية، ما يجعلها واحدة من الدول المتميزة فى المنطقة فى صناعة الدواء، كما تمتلك مصر نحو 172 مصنعًا لإنتاج الأدوية و116 مصنعًا للأجهزة الطبية، بالإضافة إلى 4 مصانع للمستحضرات الحيوية والمواد الخام و120 مصنعا لمستحضرات التجميل، كما تبلغ عدد خطوط الإنتاج فى المصانع نحو 800 خط، ما يعكس قدرة الصناعة الدوائية المصرية على المنافسة عالميا، وشهدت صناعة الأدوية تطورًا كبيرًا خلال الفترة الأخيرة خاصة مع التقدم فى التكنولوجيا الحيوية، حيث ارتفعت قيمة الصادرات الطبية المصرية خلال عام 2025 بنسبة 22.4 فى المائة، لتصل إلى 997 مليون دولار، مقارنة بـ814 مليون دولار فى 2024.
وانطلاقًا من هذه الإحصائيات، طالب خبراء فى صناعة الدواء بضرورة تقديم مزيد من الدعم لمصانع الأدوية للحصول على شهادات الجودة الأوروبية، بما يسهم فى تسهيل نفاذ الدواء المصرى إلى أسواق الخليج والأسواق العالمية، إلى جانب العمل على رفع كفاءة المصانع القائمة وتوطين التكنولوجيا الحديثة ونقل تقنيات التصنيع المتطورة لدعم تنافسية القطاع وزيادة قدرته الإنتاجية والتصديرية، وتيسير حصول الشركات على التمويل من الجهات التمويلية الدولية، وتيسير إجراءات استخراج شهادات المكون المحلى من هيئة التنمية الصناعية، وتفعيل آليات ربط البحث العلمى بالصناعة.
وفى ضوء هذه التحركات، أكد المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، أن «قطاع الصناعات الطبية يعد أحد أهم القطاعات الاستراتيجية المستهدفة لكونه يضم صناعات الأدوية ومستحضرات التجميل والأجهزة الطبية والمكملات الغذائية والصناعات البيطرية، وأن الوزارة حريصة على تشجيع شركات الأدوية للتوسع فى توطين وتعميق صناعة المواد الفعالة المستخدمة فى الدواء بما يدعم توجه الدولة لتحويل مصر إلى مركز إقليمى لتصنيع وتصدير هذه المواد إلى أسواق المنطقة».
جاء ذلك خلال لقاء موسع عقده الوزير مع الدكتور جمال الليثى، رئيس غرفة صناعة الأدوية ومستحضرات التجميل والمستلزمات الطبية باتحاد الصناعات المصرية، بحضور أعضاء الغرفة وممثلى المجلس التصديرى للصناعات الطبية، لبحث أبرز التحديات والاحتياجات اللازمة لدعم القطاع وزيادة صادراته خلال المرحلة المقبلة، وشهد اللقاء استعراض عدد من المطالب الرئيسية للقطاع من بينها دعم مصانع الأدوية للحصول على شهادات الجودة الأوروبية، بما يسهم فى تسهيل نفاذ الأدوية المصرية إلى أسواق الخليج والأسواق الخارجية، إلى جانب العمل على رفع كفاءة المصانع القائمة ونقل التكنولوجيات الحديثة فى التصنيع وتيسير حصول الشركات على التمويل من الجهات التمويلية الدولية، وتسهيل إجراءات استخراج شهادات المكون المحلى من هيئة التنمية الصناعية.
من جانبه، أوضح محيى حافظ، رئيس المجلس التصديرى للصناعات الطبية، أن «اجتماع وزير الصناعة مع أعضاء المجلس وغرفة صناعة الأدوية جاء لبحث تحديات واحتياجات القطاع وصادراته خلال المرحلة المقبلة، فشركات الأدوية تستهدف مخاطبة جهات تمويلية ومؤسسات دولية لتمويل تطوير المصانع ورفع كفاءتها ونقل التكنولوجيات الحديثة للتصنيع، إلى جانب تيسير إجراءات استخراج شهادات المكون المحلى من هيئة التنمية الصناعية وتفعيل آليات ربط البحث العلمى بالصناعة، وأن متوسط تكلفة تمويل المصنع الواحد يصل إلى 500 ألف دولار للحصول على الاعتمادات الدولية بما يدعم زيادة الصادرات».
وأشار إلى أن «عدد المصانع الحاصلة على هذه الاعتمادات يبلغ نحو 12 مصنعًا فقط من إجمالى 180 مصنعًا، ما يعكس الحاجة إلى التوسع فى تأهيل المصانع وفق المعايير الدولية، فضلاً عن أن الاجتماع ناقش عددًا من الملفات المرتبطة بدعم قطاع المكملات الغذائية والمستلزمات الطبية ومستحضرات التجميل مع التركيز على زيادة معدلات التصدير وتوطين صناعة المواد الخام فى مصر، وشملت المناقشات دعم تصنيع الخامات الدوائية محليًا واستعداد وزارة الصناعة لتقديم حوافز كبيرة للمستثمرين فى هذا المجال تشمل تخصيص الأراضى والمساهمة فى الإنشاءات وتوفير الماكينات لتقليل فاتورة الواردات».
وبيّن أن «الاجتماع تناول توفير تمويلات للشركات بفائدة منخفضة تصل إلى نحو 5 فى المائة، مع بحث الاستفادة من التمويلات المقدمة من المؤسسات الدولية خاصة فيما يتعلق بتأهيل المصانع للحصول على شهادات الجودة الدولية اللازمة للتصدير، وأن هناك توجها حكوميا لإطلاق مبادرة لدعم تصنيع المواد الخام محليا، مع استعداد وزارة الصناعة لتمويل عدد من المشروعات سواء عبر إنشاء مصانع جديدة أو تطوير خطوط إنتاج قائمة، والوزارة طلبت من غرفة الأدوية تقديم مقترحات تفصيلية بالمشروعات المطلوبة، تمهيدًا لمناقشتها فى الاجتماع المقبل».
وأضاف أن «استراتيجية المجلس تستهدف رفع صادرات القطاع إلى نحو 3 مليارات دولار بحلول عام 2030 مع إمكانية الوصول إلى 5 مليارات دولار حال استمرار المساندة الحكومية، وكذلك تسريع وتيرة تحركات الشركات ودعم المصانع فى الحصول على الاعتمادات الدولية والالتزام بالمعايير العالمية، ولا ينبغى أن ننكر الدور المحورى الذى يقوم به المجلس فى صياغة خطط تنمية الصادرات ومساندة الشركات المصرية فى النفاذ إلى أسواق جديدة وتعزيز قدرتها التنافسية بما يتوافق مع المعايير الدولية».
بدوره، قال الدكتور على عوف، رئيس شعبة الأدوية بالاتحاد العام للغرف التجارية: إن «الخطة المستقبلية لتطوير صناعة الدواء فى مصر تستهدف إحداث نقلة نوعية شاملة تعتمد على تعميق التصنيع المحلى وتعزيز القدرة التنافسية عالميًا بما يحقق الاكتفاء الذاتى ويحول مصر إلى مركز إقليمى لصناعة وتصدير الدواء، والخطة ترتكز على توطين صناعة المواد الخام الفعالة وغير الفعالة، حيث يجرى العمل على توطين نحو 280 مادة دوائية تمثل الشريحة الأكبر من فاتورة الاستيراد، مع إعطاء أولوية للمواد التى تتجاوز نسبتها 60 فى المائة من إجمالى الواردات، بما يسهم فى تقليل الاعتماد على الخارج وضمان استدامة الإنتاج».
وأضاف أن «تطوير البنية التحتية يمثل محورًا أساسيًا فى الخطة من خلال إنشاء مركز وطنى مرجعى معتمد للإتاحة الحيوية ودراسات تطوير الدواء وربط الصناعة الدوائية بالمراكز البحثية والجامعات لتطوير منتجات جديدة، إلى جانب التركيز على الأدوية الحيوية والمستحضرات البيولوجية التى تمثل توجهًا عالميًا واعدًا فى سوق الدواء، كما تشمل الخطة أيضا تحديث الشركات الحكومية والخاصة ورفع كفاءة خطوط الإنتاج وتحسين الجودة، مع زيادة الاستثمار فى البحث والتطوير داخل الشركات وتطبيق نظم تخطيط موارد الشركات لتحسين الحوكمة وكفاءة التشغيل، وهناك شركات كبرى مثل «سيد للأدوية» تمثل نموذجًا لعمليات التطوير المستهدفة خلال المرحلة المقبلة».
وأشار إلى أن «توطين صناعة المواد الخام الدوائية يمثل مفتاح خفض أسعار الدواء ودعم الأمن الدوائى المصرى وإنشاء هيئة الدواء المصرية وفصلها عن وزارة الصحة كان خطوة مهمة لتطوير المنظومة، خاصة أن الاستثمار فى تصنيع المواد الخام سيقلل فاتورة الاستيراد ويخفض تكلفة الإنتاج، ومصر تستورد نحو 85–90 فى المائة من المواد الخام الفعالة، كما أن إنشاء المدينة الدوائية والسماح للشركات الوطنية بالاستثمار فى هذا المجال سيعزز القدرة التنافسية ويقلل الاعتماد على الخارج، فمصر تمتلك إمكانات كبيرة فى النباتات الطبية والعطرية والأدوية العشبية، وينبغى حدوث شراكة بين الجهات البحثية والمصانع لتحويل هذه الإمكانات إلى منتجات محلية قادرة على تلبية احتياجات السوق وتعزيز فرص التصدير».
فيما أشاد الدكتور إسلام عنان، أستاذ اقتصادات الصحة بمبادرات الحكومة فى توطين صناعة الدواء فى مصر، مبينا أن «مصر تعد من أقدم مصنّعى الدواء فى منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا ويغطى التصنيع المحلى حاليًا من إنتاج الدواء نحو 91 فى المائة من خلال شركات محلية حكومية وخاصة ومتعددة جنسيات والبقية يتم استيرادها من الخارج، وهناك خطة من جانب الدولة لتقليص النسبة المستوردة لوصول نسبة التصنيع المحلى لنحو 96 فى المائة فى عام 2030، لكن أبرز التحديات تتعلق باستدامة التصنيع والإنتاج نظرًا لعدد السكان الكبير الذى وصل لنحو 110 ملايين نسمة، والدولة أنشأت هيئة الشراء الموحد فى عام 2018 وهو ما يضمن شراء مخزون يكفى على الأقل 6 أشهر ويتيح استدامة التصنيع والإنتاج».