وسط حظائر الماشية القريبة من مدبح السيدة زينب، وقف التاجر إبراهيم سيد إبراهيم، البالغ من العمر 44 عامًا، يتابع حركة البيع والشراء بعين خبيرة، اكتسبها عبر أكثر من عقدين من العمل فى أسواق الخراف والمواشى، ليؤكد لنا أن سوق الأضاحى هذا العام يشهد اختلافًا واضحًا فى طبيعة الطلب، فى ظل تزايد دقة حسابات المواطنين عند اختيار الأضحية المناسبة لإمكاناتهم المالية، فالخراف ليست نوعًا واحدًا، ولكن كل نوع له زبونه وسعره وطريقة تربيته، فلدينا البلدى والبرقى والأسوانى، وكل واحد منها مختلف من حيث الجودة والطعم ونسبة الدهون، وبالتالى السعر يختلف أيضًا.
وأوضح أن الخروف البلدى لا يزال يحتفظ بمكانته كأكثر الأنواع طلبًا داخل السوق رغم ارتفاع سعره بسبب جودة لحمه وإقبال الأسر عليه فى العيد، وسعر الكيلو القائم فيه يصل إلى نحو 230 جنيهًا، لأن لحمه أحمر وطعمه مميز ودهنه معروف، وهو ما يجعله الأغلى والأكثر طلبًا كل عام. أما الخروف البرقى القادم من مناطق مطروح والساحل الشمالى، فسعره قد يصل إلى 320 جنيهًا للكيلو القائم فى بعض الحالات، خاصة إذا كان من السلالات الجيدة ذات الأوزان المرتفعة، موضحًا: «البرقى ليه زبون مخصوص، وفيه ناس بتفضله جدًا خصوصًا إنه معروف بجودته العالية، وأوقات سعره بيبقى قريب جدًا من البلدى أو أعلى منه»، والخروف الأسوانى يعد الخيار الاقتصادى لشريحة واسعة من المواطنين، ويبدأ سعر الكيلو القائم فيه من نحو 220 جنيهًا.
ولم يتوقف حديث التاجر الأربعينى عند أسعار الكيلو فقط، بل كشف تفاصيل الأسعار الكاملة للخراف وفقًا للأوزان المختلفة، وهى الحسابات التى تشغل بال الأسر قبل اتخاذ قرار الشراء، حيث أوضح أن الخروف، صغير أو متوسط الوزن، الذى يتراوح وزنه بين 35 و45 كيلو، يبدأ سعره من نحو 8 آلاف جنيه وقد يصل إلى 11 ألفًا، وقد أصبح الأكثر تداولاً هذا الموسم بسبب قدرته الشرائية المناسبة لقطاع كبير من المواطنين، قائلًا: «الخروف الصغير بقى مطلوب جدًا السنة دى، لأن ناس كتير بتحاول تمشّى حالها وتعمل الشعيرة بأقل تكلفة ممكنة، وفى نفس الوقت تقدر توزع لحمة على الأهل والجيران».
وتابع: أما الخراف متوسطة وكبيرة الحجم التى تتراوح أوزانها بين 50 و65 كيلو، فتتراوح أسعارها بين 11 ألفًا و500 جنيه إلى 15 ألف جنيه، بحسب النوع والحالة الصحية ومستوى التربية، موضحًا أن «الخروف المتوسط أو الكبير هو اختيار العائلات الكبيرة، خصوصًا اللى عندها توزيع واسع، لأنه بيدى كمية لحمة أكبر وبيكون أوفر نسبيًا»، وبالنسبة للكباش الكبيرة التى قد تصل أوزانها إلى 90 كيلو» فأسعارها تبدأ من 20 ألف جنيه وقد تتجاوز 30 ألفًا فى بعض الحالات، خاصة إذا كانت مخصصة للولائم أو التوزيع على نطاق واسع من قِبل الجمعيات الخيرية أو العائلات الكبيرة، وللأسف الناس بقت تحسبها بالورقة والقلم، فيه اللى بيشترى، وفيه اللى بيلجأ للمشاركة أو الصكوك، لكن فى النهاية كل واحد يحاول يفرح بالعيد على قدر استطاعته».
ومن بين أحاديث التجار داخل سوق المواشى، برزت تساؤلات كثيرة حول أسباب الفروق الكبيرة فى الأسعار، رغم تشابهها ظاهريًا بالنسبة للمواطن العادى، وهو ما حاول تفسيره حسين عبدالعزيز، 52 عامًا، أحد أقدم العاملين فى تجارة الأضاحى بالمنطقة، الذى يرى أن اختلاف الأسعار لا يرتبط بالوزن فقط، وإنما تحكمه عوامل متعددة تتعلق بالجودة وطبيعة التربية وحجم الطلب داخل السوق، قائلاً: «ناس كتير بتستغرب ليه الخروف سعره أعلى من التانى رغم أن الوزن قريب، لكن الحقيقة أن كل نوع ليه مواصفات مختلفة تماما، سواء فى الطعم أو التربية أو حتى طريقة التغذية».
وأشار «عبدالعزيز»، إلى أن العامل الأول والأهم يتمثل فى جودة اللحم وطعمه، فالخروف البلدى لا يزال يحتفظ بمكانته لدى قطاع واسع من المواطنين خاصة مَن لديهم خبرة بشراء الأضاحى، قائلًا: «البلدى معروف أن لحمه أحمر غامق، والدهن بيكون متوزع وسط اللحم بشكل يخلى الطعم مختلف، الناس اللى بتفهم فى اللحمة تقدر تفرق بينه وبين أى نوع تانى بسهولة، وعشان كده سعره أعلى».
كما لفت إلى أن تكاليف التربية أصبحت عنصرًا حاسمًا فى تحديد السعر النهائى للأضحية، خاصة بعد الارتفاعات المتتالية فى أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية خلال الفترة الأخيرة، موضحًا: «المربى المصرى بيتحمل تكلفة كبيرة جدًا، خصوصًا فى العلف اللى جزء كبير منه مستورد، وده بيزود سعر الخروف البلدى، أما بعض الأنواع التانية زى البرقى، فمصادر تربيتها وأكلها بتكون أقل تكلفة نسبيًا».
وأكد «عبدالعزيز»، أن قانون العرض والطلب يلعب دورًا مباشرًا فى رسم خريطة الأسعار داخل الأسواق، فزيادة إقبال المواطنين على أنواع بعينها ترفع أسعارها بشكل تلقائى مع اقتراب موسم العيد، قائلًا: «الناس بقت تعتبر البلدى هو الأفضل فزاد الطلب عليه جدًا وده انعكس على السعر، فى المقابل البرقى والأسوانى متوفرة بشكل أكبر، وبالتالى أسعارها بتكون مناسبة أكثر للطبقة المتوسطة أو الناس اللى بتدور على أضحية اقتصادية».
كذلك، أوضح أن السوق هذا العام يشهد تغيرًا واضحًا فى سلوك المشترين، حيث لم يعد المواطن يبحث فقط عن «أفضل نوع» بل أصبح السؤال الأهم: «إيه اللى يناسب الميزانية؟ وهو ما دفع كثيرين للتوجه نحو الخرفان الصغيرة الحجم أو المشاركة فى العجول أو حتى اللجوء إلى صكوك الأضاحى كبديل أقل تكلفة».
بعد ذلك، انتقلنا من حظائر الخراف إلى ساحة العجول وبدا المشهد مختلفًا نسبيًا ووجدنا أحجامًا أكبر وصفقات أعلى تكلفة، لكن الحركة الشرائية أقل من المعتاد فى ظل حالة من الترقب والحسابات الدقيقة التى يفرضها الواقع الاقتصادى، فوسط العجول المربوطة داخل إحدى الحظائر وقف المعلم محمود الخطيب، تاجر المواشى، يتابع المارة بنظرات اعتاد بها قراءة السوق منذ سنوات طويلة، مؤكدًا أن موسم هذا العام لا يشبه المواسم السابقة من حيث حجم الإقبال أو طبيعة الشراء، قائلاً: «حركة البيع أبطأ من الطبيعى، الناس بتيجى تتفرج وتسأل عن الأسعار، لكن قليل اللى بيشترى فعلاً، أغلب الزبائن بقوا يحسبوا كل خطوة قبل ما ياخدوا قرار الشراء».
وأضاف «الخطيب»، أن ارتفاع أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية وتكاليف النقل انعكس بصورة مباشرة على أسعار العجول، التى شهدت قفزات واضحة مقارنة بالعام الماضى، فالمربى أصبح يتحمل أعباء كبيرة منذ بداية دورة التربية وحتى لحظة البيع، وتبدأ أسعار العجول البقرى البلدى من نحو 40 ألف جنيه للأوزان الصغيرة التى تتراوح بين 200 إلى 250 كيلو بينما قد تتجاوز 150 ألف جنيه للعجول كبيرة الحجم ذات الأوزان المرتفعة التى تتراوح بين 500 و600 كيلو، وبحسب النوع والعمر ومستوى التغذية.
وأوضح أن سعر الكيلو القائم فى العجول البقرى البلدى يتراوح حاليًا بين 185 و200 جنيه، والعجل البلدى لا يزال يحتفظ بإقبال نسبى من الأسر الكبيرة أو المواطنين الذين يشتركون فى الأضحية لتقليل التكلفة، قائلاً: «العجل البلدى مرغوب جدًا بسبب جودة اللحمة ونسبة التصافى، لكن سعره بقى محتاج ميزانية كبيرة، وده خلى ناس كتير تتجه للمشاركة بدل الشراء الفردى»، أما العجول الجاموسى التى تمثل خيارًا اقتصاديًا نسبيًا لبعض المواطنين، فقد تراوح سعر الكيلو القائم فيها بين 165 و175 جنيهًا، فيما تبدأ أسعار العجول متوسطة الوزن، التى تتراوح بين 350 و450 كيلو جرامًا، من نحو 60 ألف جنيه، وقد تصل إلى 120 ألف جنيه أو أكثر للأوزان الكبيرة.
وأشار «الخطيب» إلى أن بعض المشترين أصبحوا يفضلون العجول الجاموسى بسبب انخفاض سعرها مقارنة بالبقرى، إلى جانب اعتماد عدد من الجزارين والجمعيات عليها فى عمليات التوزيع الواسعة خلال موسم العيد، قائلاً: «الفرق فى السعر بين البقرى والجاموسى خلى ناس كتير تميل للجاموسى، خصوصًا فى الشراكات أو لما يكون الهدف توزيع كميات أكبر من اللحمة».
وفى زاوية أخرى من السوق، جلس المعلم حسن شعلان، أحد تجار المواشى المعروفين بالمنطقة، قائلا لنا: «زمان كان الزبون ييجى يشترى عجل كامل من غير تفكير كبير، خصوصًا العائلات الكبيرة أو أهل البيت الواحد، لكن دلوقتِ أغلب الناس بقت تسأل على النص أو الربع، أو تقول هدخل مع حد فى العجل».
وتابع «شعلان»، أن فكرة الاشتراك أصبحت هى الحل الأكثر انتشارًا هذا الموسم، بعدما بات من الصعب على كثير من المواطنين تحمل تكلفة الأضحية بمفردهم، خاصة مع وصول أسعار بعض العجول إلى أرقام كبيرة موضحًا: «دلوقتِ بقى عندى ناس تيجى تحجز العجل من بدرى، ويكونوا أربعة أو خمسة أو حتى ستة مشتركين فيه، كل واحد يدفع نصيبه أو عربون بسيط، ونتفق على كل التفاصيل قبل العيد».
وأوضح أن تفاصيل المشهد الذى بات مألوفًا داخل السوق، وآليات استلام الأضاحى تختلف من زبون لآخر، قائلاً: «فيه ناس بتيجى تستلم العجل يوم الوقفة علشان يودوه المدبح أو عند الجزار اللى متفقين معاه، وفيه ناس تانية بتسيبه عندنا لحد بعد صلاة العيد، وبعضهم بيستلم العجل تانى يوم أو تالت يوم حسب الدور والزحمة عند الجزار»، مبينًا أن هذا النظام ساعد العديد من الأسر على الاستمرار فى أداء شعيرة الأضحية رغم الضغوط الاقتصادية، وفكرة المشاركة لم تعد مقصورة على الأقارب فقط، بل امتدت لتشمل أصدقاء أو جيرانًا يجمعهم هدف واحد هو تخفيف التكلفة، والإقبال على الاشتراك فى العجول هذا العام يفوق شراء العجول الكاملة خاصة من الطبقة المتوسطة، وكثير من المواطنين أصبحوا يفضلون دفع مبلغ أقل يضمن لهم نصيبًا من الأضحية بدل الدخول فى التزامات مالية كبيرة.
«الصكوك» الحل «الأوفر»
لمواجهة جنون أسعار المواشى
مع تصاعد أسعار الخراف والعجول هذا الموسم، لم يعد سوق المواشى هو الوجهة الوحيدة للمواطنين الراغبين فى أداء شعيرة الأضحية؛ إذ برزت «صكوك الأضاحى» كأحد الحلول التى لجأ إليها كثيرون؛ هربًا من ارتفاع التكلفة وصعوبة إجراءات الشراء والذبح، خاصة بين كبار السن والأسر متوسطة الدخل والمغتربين الذين يبحثون عن وسيلة أبسط لأداء الشعيرة وضمان وصول اللحوم إلى مستحقيها.
فى أحد مكاتب الجمعيات الأهلية الخيرية، أوضح سيد عبدالعال، مسئول تنظيم صكوك الأضاحى، أن الإقبال على «الصكوك» يشهد زيادة واضحة عامًا بعد الآخر، خاصة مع ارتفاع أسعار الأضاحى التقليدية واتجاه كثير من الأسر للبحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر سهولة، قائلًا: «فكرة صك الأضحية ببساطة أن المواطن بيدفع قيمة الصك لجهة موثوقة، والجمعية تتولى نيابة عنه شراء الأضحية وذبحها وتوزيع اللحوم وفق الضوابط الشرعية، من غير ما يشيل هو عبء الشراء أو النقل أو الذبح والتوزيع».
وأضاف أن أسعار الصكوك هذا العام تختلف بحسب نوع اللحوم والجهة المنظمة، فالصك البلدى يتراوح سعره ما بين 9 و10 آلاف جنيه، بينما تبدأ أسعار الصكوك المستوردة من 6000 إلى 7500 جنيه، إلى جانب وجود صكوك خاصة بالعجول المشتركة تختلف قيمتها وفق عدد المشاركين ونوعية اللحوم، وهذه الأسعار تعد أقل نسبيًا مقارنة بشراء أضحية كاملة، خاصة فى ظل تجاوز أسعار بعض الخراف 15 ألف جنيه ووصول أسعار بعض العجول إلى أكثر من 100 ألف جنيه، قائلاً: «فيه ناس كتير بقت شايفة أن الصك حل عملى واقتصادى، خصوصًا أن المواطن بيضمن أن اللحمة هتوصل لمستحقيها بشكل منظم».
وأشار «عبدالعال» إلى أن منظومة الصكوك لم تعد تقتصر على نوع واحد فقط، بل تنوعت خلال السنوات الأخيرة لتشمل الصك البلدى باللحوم المحلية الطازجة والصك المستورد، إلى جانب صكوك مخصصة للتوزيع داخل المحافظات وأخرى تستهدف الأسر الأولى بالرعاية.
وعن الفئات الأكثر إقبالًا على شراء الصكوك، كشف «عبدالعال»، أن كبار السن يمثلون نسبة كبيرة من المتعاملين بهذا النظام، إلى جانب المغتربين والمسافرين خارج البلاد، والأسر محدودة ومتوسطة الدخل، فضلًا عن الموظفين الذين لا يملكون وقتاً كافيًا لمتابعة الذبح والتوزيع، قائلًا: «كمان فيه سيدات أرامل أو عايشين لوحدهم بيفضلوا الصك لأنه أسهل، وفيه شباب كتير بقى يلجأ له لأنه أقل تكلفة من شراء أضحية كاملة».