رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الاقتصاد العُماني وقدرة التوازن والتكيف مع بيئة جيوسياسية معقدة


30-3-2026 | 13:33

.

طباعة
بقلم: أحمد تركي .. خبير الشؤون العربية
نجح الاقتصاد العُماني خلال الفترة الماضية في التوازن وسط بيئة جيوسياسية معقدة عبر سياسة "الحياد الإيجابي" وتنويع الشركاء، مستفيداً من موقع استراتيجي ومبادرات اقتصادية شاملة، حيث أدت الإصلاحات المالية، ورؤية عُمان 2040، وتعزيز القطاعات غير النفطية إلى تحسين التصنيف الائتماني وتقليل الاعتماد على النفط، مما عزز صلابة الدولة في مواجهة الاضطرابات الإقليمية وضمان الاستقرار المالي مع تعزيز الجاذبية للإستثمارات وتقوية مكانة التنافسية الدولية.

وإذا كان التصنيف الائتماني يمثل أحَد أهمِّ المؤشِّرات الَّتي تقيس بها الاقتصادات قدرتها على الاستقرار وجاذبيَّتها للاستثمار، حيثُ يُنظر إليه كأداة تقييم شاملة تعكس مستوى المخاطر المرتبطة بالاقتصاد الوطني، ومدى قدرة الدَّولة على الوفاء بالتزاماتها الماليَّة في مختلف الظروف. فإنه من هذا المُنطلَق يكتسب تأكيد وكالة "ستاندرد آند بورز" على التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان عند مستوى الدرجة الاستثماريَّة (-BBB) مع نظرة مستقبليَّة مستقرَّة أهميَّة خاصَّة وكبيرة. إذ يعكس هذا التقييم حصيلة مسار متكامل من بناء الثقة في السياسات الاقتصاديَّة وكفاءة إدارة الماليَّة العامَّة. فوكالات التصنيف لا تتعامل مع الأرقام بمعزل عن السياق والبيئة الواقعية، وإنَّما ما وراءها من جودة وشمولية وحكمة القرارات، واتِّساق التوجُّهات، وقدرة المؤسَّسات على الحفاظ على التوازن في بيئة إقليميَّة ودوليَّة معقَّدة، وهو ما يجعل هذا التصنيف ترجمة مباشرة لقوَّة الدَّولة المؤسَّسيَّة، ورسالة واضحة للأسواق بأنَّ الاقتصاد العُماني يتحرك ضِمن إطار من الاستقرار المدعوم برؤية قادرة على الاستمرار والتكيُّف .

كما يعكس هذا التقييم الجهود العُمانية الجبارة نحو التنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة وخفض الاعتماد على النفط, إذ تستهدف رؤية عمان 2040 رفع معدل النمو الاقتصادي إلى 5 بالمائة بحلول نهاية الخطة الخمسية الحادية عشرة في عام 2030, وتواصل سلطنة عمان خلال الخطة برامجها ومبادراتها لتوسعة قطاعات التنويع الاقتصادي وتحفيز القطاع الخاص وإيجاد بيئة داعمة لجذب الاستثمارات ونمو الشركات من خلال تطوير السياسات الاقتصادية والحوافز الاستثمارية لتمكين القطاع الخاص من دوره كمحرك رئيسي للنمو وتوليد فرص العمل, وتعزيز تنافسية القطاع وزيادة اندماج الاقتصاد العماني مع نظيره العالمي. فضلاً عن أن هذا التقييم جاء نابعاً وعاكساً لبيئة اقتصادية واعدة بفضل حكمة القيادة السياسية التي وضعت الأسس والمرتكزات اللازمة، التي تمثلت في حزمة من المبادرات، مؤمنة بأنه لتعزيز أداء القطاعات غير النفطية وجذب الاستثمارات وتمكين القطاع الخاص, أطلقت سلطنة عمان خلال المرحلة الأولى من رؤية عمان 2040 عدد من البرامج الوطنية والتي تتضمن برنامجين يستهدفان تعزيز نمو القطاعات غير النفطية ودعم القطاع الخاص وهما برنامج نزدهر وبرنامج تنويع. يهدف برنامج نزدهر إلى تنمية القطاع الخاص والتجارة الخارجية وتعزيز بيئة الأعمال في سلطنة عُمان، وتطوير الاستثمارات في قطاعات التنويع الاقتصادي المختلفة، وركزت مبادرات برنامج نزدهر في نسخته الثانية على تنسيق وتكامل جهود الاستثمار الوطنية بما يتوافق مع أولوية القطاع الخاص والاستثمار والتعاون الدولي ضمن محور الاقتصاد والتنمية في رؤية عُمان 2040. كما يواصل برنامج تنويع دوره في دعم قطاعات التنويع وتوسعة الهياكل الانتاجية وتطوير السياسات الاقتصادية والمخرجات التي تعزز القيمة المضافة للموارد والأنشطة غير النفطية, كما كان تدشين البرنامج التحفيزي للقطاع الخاص من أهم المبادرات التي استهدفت دعم القطاع الخاص وتشجيع الشركات على الاستفادة من إمكانيات التمويل التي يتيحها الإدراج في سوق رأس المال, ويقدم البرنامج حوافز وإعفاءات ضريبية للشركات الراغبة في الاستفادة من البرنامج والإدراج في بورصة مسقط. وفي جانب التطور التشريعي, كان صدور قانون المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة بالمرسوم السلطاني رقم (38 / 2025) خطوة نوعية جديدة في تطوير الإطار المنظم للاستثمار بهدف تعزيز جاذبية الاستثمار وتبسيط الإجراءات للمستثمرين عبر نظام المحطة الواحدة ومنح حوافز وإعفاءات ضريبية وجمركية وحوافز إضافية خاصة للمشروعات النوعية والاستراتيجية. كما يواكب القانون تطور مجالات الاستثمار الخاص في قطاعات جديدة من بينها التطوير الحضري ومشروعات المدن المستقبلية, بما يعزز جاذبية الاستثمار في أنشطة التطوير العقاري بنظام التملك الحر. وليس من قبيل المصادفة الأداء القوي الَّذي سجَّلته وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار خلال تنفيذ الخطَّة الخمسيَّة العاشرة، حيثُ النُّمو الاقتصادي المتميز وإعادة توجيه للأنشطة الاقتصاديَّة نَحْوَ مسارات أكثر إنتاجيَّة، وهو ما تجلى بوضوح في صعود قِطاع الصناعات التحويليَّة لِيكُونَ أحد أبرز محرِّكات النُّمو، محققًا زيادة من نَحْوِ (3.019) مليار ريال عُماني في عام 2021 إلى قرابة (3.710) مليار ريال عُماني في عام 2025، بنُموٍّ تراكمي يبلغ نَحْوَ (22%)، وبمتوسِّط سنوي يقارب (5%). وتمتدُّ دلالات هذا الأداء إلى قِطاع التصدير، حيثُ ارتفعت الصَّادرات غير النفطيَّة إلى نَحْوِ (6.7) مليار ريال عُماني في عام 2025 مقارنةً بـ (6.2) مليار ريال في عام 2024، مسجِّلةً نُموًّا بنسبة (7.5%)، فيما حقَّقت أنشطة إعادة التصدير قفزةً لافتة بنسبة (20.3%) لِتصلَ إلى نَحْوِ (2.056) مليار ريال. هذه الأرقام لا يُمكِن قراءتها بمعزل عن السياق الاقتصادي، وإنَّما تعكس اقتصادًا يُعِيد ترتيب مُكوِّناته بشكلٍ متوازن، تتحرك فيه الصناعة والتجارة والتصدير في مسار واحد يُعزِّز من صلابته وقدرته على الاستمرار، وهو تطوُّر يعكس تنامي القدرات الإنتاجيَّة وتحسُّن كفاءة التشغيل، خصوصًا وإذا وضعنا في الاعتبار الأحوال العالميَّة والأزمات خلال تلك الفترة. وتأسيساً على ما سبق، وانطلاقًا من هذه الثقة الَّتي يعكسها التصنيف الائتماني، تأتي قوَّة المركزيْنِ المالي والخارجي لسلطنة عُمان كأحَد أهمِّ المرتكزات الَّتي تستند إليها هذه المكانة، حيثُ تكشف المؤشِّرات المرتبطة بحجم الأصول السائلة والاحتياطات الأجنبيَّة عن مستوى متقدم من الجاهزيَّة لمواجهة التقلُّبات؛ فامتلاك أُصول حكوميَّة تتجاوز (40) بالمئة من الناتج المحلِّي الإجمالي، إلى جانب احتياطات نقديَّة قويَّة، يمنح الاقتصاد قدرة حقيقيَّة على امتصاص الصَّدمات، دُونَ أنْ تنعكسَ بشكلٍ حادٍّ على الاستقرار العام. وتظهر أهميَّة هذه المعطيات في ظلِّ بيئة إقليميَّة تتَّسم بعدم اليقين، حيثُ تتحول المرونة الاقتصاديَّة إلى عنصر حاسم في الحفاظ على التوازن المالي واستمراريَّة النشاط الاقتصادي، تعكس كفاءة إدارة الموارد، والقدرة على بناء احتياطات استراتيجيَّة في توقيتات مناسبة، بما يُعزِّز الثقة في متانة الاقتصاد ويمنحه مساحة أوسع للتحرك بثبات في مواجهة أيِّ متغيِّرات مستقبليَّة. ولعلَّ ما يمنح هذه المؤشِّرات عُمقها الحقيقي، لجانب صلابتها الرقميَّة، هو قدرتها على التفاعل مع بيئة جيوسياسيَّة معقَّدة دُونَ أنْ تفقدَ توازنها، حيثُ يعكس استمرار تدفُّقات النفط والغاز من سلطنة عُمان رغم التوتُّرات الإقليميَّة نموذجًا لاقتصاد لا يكتفي بالتحصُّن داخليًّا، وإنَّما يتحرك بمرونة داخل محيطه، مستفيدًا من موقعه الجغرافي ونهجه السياسي المتَّزن، وهو ما انعكس في تحسُّن مؤشِّرات التبادل التجاري وتعزيز الفوائض الخارجيَّة. تعكس هذه القدرة على الحفاظ على الاستقرار في لحظات الاضطراب إمكان تحويل التحدِّيات إلى فُرص، حيثُ تُعِيد الأسواق ترتيب مساراتها في أوقات الأزمات، وتظهر الاقتصادات القادرة على التموضع الذَّكي داخل هذه التحوُّلات، لِيتحولَ الاستقرار السياسي إلى أصلٍ اقتصادي فعلي، يوازي في تأثيره الموارد الطبيعيَّة، ويمنح الاقتصاد العُماني قدرة تنافسيَّة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى كفاءة إدارة هذه الجغرافيا في عالم يُعاد تشكيله باستمرار. المؤكد أن قراءة هذه المؤشِّرات في سياقها الأشمل تَقُود إلى فَهْمٍ أعمق لطبيعة التحوُّل الَّذي يشهده الاقتصاد العُماني، حيثُ تُعَدُّ قوَّة الأداء مرتبطة بقدرة الدَّولة على تحقيق الاستقرار المالي، بجانب قدرتها على تحويل هذا الاستقرار إلى مسار مستدام، يَقُوم على تنويع مصادر الدَّخل وتعزيز القِطاعات غير النفطيَّة، وفي مقدِّمتها الطَّاقة المُتجدِّدة والهيدروجين والصناعات المرتبطة بالقِيمة المضافة، وهو ما يعكس توجُّهًا استراتيجيًّا لإعادة صياغة موقع سلطنة عُمان في الاقتصاد العالمي، بما يتجاوز دَوْرها التقليدي كمصدر للطَّاقة إلى فاعل مؤثِّر في منظومة الطَّاقة النظيفة. فضلاً عن أن استمرار ضبط الماليَّة العامَّة في عُمان، وتحقيق التوازن في الميزانيَّة، والانخفاض المتوقَّع في مستويات الدَّيْنِ العام تُعزِّز من قدرة الاقتصاد العُماني على جذب الاستثمارات، وتحويل الثقة الدوليَّة إلى فُرص نُمو حقيقيَّة، لِيصبحَ التحدِّي في المرحلة القادمة هو تعظيم الاستفادة من هذه المكانة، وتحويلها إلى مكاسب اقتصاديَّة مستدامة تدعم تنافسيَّة الاقتصاد، وتفتح آفاقًا أوسع للنُّمو على المدى الطويل.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة